• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    أجواء مصالحات إقليمية رغم أحاديث الحرب

    محزن السؤال الذي يطرحه كل لبناني من مختلف القطاعات والطبقات‎ ‎والانتماءات السياسية أو المذهبية متعلقاً ‏بأهداب أمل باستقرار ولو موقت‎. «‎حرب أو لا حرب؟» يسأل اللبناني، بل ويستطرد بنوع من شراء الطمأنينة‎ ‎العابرة «قبل الصيفية أو بعدها؟». هذا القلق ليس من صنع المخيلة ولا هو هوس‎ ‎في غير محله، وبالتأكيد ان ‏السؤال لا يُطرح للتسلية وإنما لتنظيم أوضاع‎ ‎الأسرة والمدارس وكيفية السفر السريع وجمع ما يكفي من نقود ‏للعيش بلا مدخول‎ ‎وأيضاً، لاتخاذ قرارات بعيدة المدى للقادرين على الاستثمار. الأسباب وراء‎ ‎طرح هذا السؤال ‏ليست محلية محضة ولا هي إقليمية أو دولية حصراً. هاجس معظم‎ ‎اللبنانيين ينبت من خوفهم من مواجهة إيرانية ‏‏– إسرائيلية تحدث على أرضهم‎ ‎بسبب الملف النووي الإيراني. خوفهم ينطلق من افتقاد الثقة بقدرة الرئيس‎ ‎الأميركي باراك أوباما على تنفيذ وعوده وتطلعاته لحل النزاع الفلسطيني‎ – ‎الإسرائيلي والعربي – الإسرائيلي، ‏بسبب تعنت الحكومة الإسرائيلية بقيادة‎ ‎بنيامين نتانياهو وإفشالها – بدعم من اللوبي الإسرائيلي في الولايات‎ ‎المتحدة – للرئيس الأميركي الذي طرح الموضوع في إطار المصلحة الوطنية‎ ‎القومية الأميركية. قلقهم من ‏الغايات السورية في لبنان ما زال قائماً لا‎ ‎سيما بعد لقاء دمشق الذي أتاح للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد ‏فرصة‎ ‎الظهور وكأنه يملي على لبنان الأجندة الإيرانية. هذا الى جانب استمرار‎ ‎الدعم الإيراني والسوري ‏للفصائل الفلسطينية المسلحة العاملة داخل لبنان. ثم‎ ‎هناك اسباب القلق الناتج من معطيات محلية، أبرزها سلاح ‏‏«حزب الله‎» ‎ومحاولات الحزب استبعاد مجرد طرح هذا الموضوع على طاولة الحوار الوطني‎ ‎تنفيذاً لاتفاقيات ‏الدوحة المصادق عليها عربياً. إنما التداخل المحلي‎ ‎والإقليمي والدولي في المخاوف من الحرب هو نفسه ما ‏يحدث في أحاديث الأمل‎ ‎بالمفاوضات الإقليمية وبالحوار الوطني. فلقد انطلقت في الأيام القليلة‎ ‎الماضية جولات ‏من الزيارات التمهيدية والقرارات الإقليمية التي تبدو وكأنها‎ ‎تشتري الوقت لجميع الفرقاء، لكنها لا تشتري ‏الضمانات بنجاح المفاوضات أو‎ ‎بعدم وقوع الحروب‎. ‎

    أربعة أشهر تبدو الفترة الزمنية الأولية التي في الأذهان، مع العلم أن‎ ‎قرار وزراء الخارجية العرب بمباركة ‏المبادرة الأميركية بإطلاق المفاوضات‎ ‎غير المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين أشار الى فترة إمهال ‏للمفاوضات‎ ‎من اربعة أشهر. إنما من المبكر – وربما من الخطأ – الافتراض ان هذه مهلة‎ ‎محددة ثابتة بمثابة ‏موعد اقصى أو عد عكسي الى المواجهة. فمنطقة الشرق‎ ‎الأوسط، بشقها الإسرائيلي وبشقها الإيراني، في حالة ‏فرز ليس فقط نظراً‎ ‎لتطورات محلية وإقليمية وإنما ايضاً بسبب عروض وأدوار دولية هي بدورها في‎ ‎حاجة الى ‏الوقت. ولذلك، تشهد منطقة الشرق الأوسط حركة ملفتة تتطلب القراءة‎ ‎المعمقة كما تتطلب مساهمة عربية ‏استراتيجية في الجهود القائمة، ان كانت تلك‎ ‎التي تقوم بها الدول الكبرى الخمس الدائمة العضوية في مجلس ‏الأمن زائدة‎ ‎ألمانيا في ملف ايران، أو التي تقوم بها «اللجنة الرباعية» المعنية بصنع‎ ‎السلام في الشرق الأوسط ‏وتضم الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة‎ ‎والاتحاد الأوروبي، او تلك التي تلعب فيها تركيا دور حلقة ‏الوصل بين سورية‎ ‎وإسرائيل، أو الحوار الوطني اللبناني الذي يتطرق الى «الاستراتيجية‎ ‎الدفاعية» وإلى سلاح ‏‏«حزب الله»، وما اذا‎ ‎حانت لجامعة الدول العربية وقطر‎ ‎العودة إليه تجنباً لتفاقم الأمور وللمواجهة‎.‎

    على رغم احاديث الحرب التي تزداد نبرتها ارتفاعاً، تؤشر الأجواء‎ ‎الإقليمية الى توسيع دوائر المصالحات ‏العربية واستمرارها، كما تدل على قرار‎ ‎دولي باحتواء اية مواجهة ايرانية – اسرائيلية عسكرية مع استمرار ‏ترغيب‎ ‎طهران بالتعاون بالجزرة والعصا معاً – والعصا ليست سوى عصا عقوبات وليست‎ ‎عصا عسكرية. بل ‏حتى الجزرة التي تمدها الدول الكبرى الى ايران هدفها شراء‎ ‎الوقت، ذلك ان ما يُقدّم الى طهران هو حوار ‏ومفاوضات وتطبيع وتفاهمات لفترة‎ ‎من الزمن – ربما سنتين – للتفكير في جوهر التعاطي مع طموحاتها النووية‎ ‎مقابل مجرد «تعليق» تخصيب اليورانيوم. الجمهورية الإسلامية الإيرانية‎ ‎تُكابر وترفض العرض فيما تساوم ‏على ضمانات تتعلق بأولوياتها، وهي استمرار‎ ‎النظام والاعتراف به وقطع الطريق على اية مساعدات لمن ‏يحاول إزاحته أو‎ ‎تعديله، لتلي ذلك المصالح الإيرانية الاستراتيجية في العراق ثم تلك‎ ‎المتعلقة بلبنان الذي تريده ‏طهران «قاعدة» لها عبر سلاح «حزب الله» وبعض‎ ‎الفصائل الفلسطينية‎.‎

    القيادة في إيران محنكة سياسياً تراهن على صبرها مقابل عجلة الآخرين. في‎ ‎العراق، تفاوض الولايات المتحدة ‏على تقاسم النفوذ هناك وتحاول ان تبعث‎ ‎مؤشرات إيجابية لبعض الدول العربية كي يحسن الأجواء معها في ‏العراق فكّاً‎ ‎لطوق العزلة الذي سيطوقها ويؤذيها في حال فرض العقوبات. والكلام في هذا‎ ‎الأمر يشير الى المملكة ‏العربية السعودية التي تريد ان يكون لها دور إيجابي‎ ‎في العراق. ومن هنا تردد كلام عن تفاهمات اميركية – ‏إيرانية – سعودية‎ – ‎سورية في انتخابات العراق تُجنّب الجميع اندلاع المواجهات التي لا يريدها‎ ‎احد الآن. إنما ‏للتأكيد هذا لا ينزع عن الانتخابات العراقية التاريخية‎ ‎كونها إنجازاً رائعاً لكل عراقي توجه الى دائرة الاقتراع ‏محتفظاً بحقه في‎ ‎اختيار هوية العراق ومسبباً تراجع الأحزاب الدينية في الانتخابات‎.‎

    انه مجرد مثال على طبقات التفاهم في طيات الاختلاف بين الدول المختلفة‎ ‎اساساً، أو طبقات الاختلاف بين الدول ‏المتفاهمة في الأساس‎.‎

    تداخل المسألة الإيرانية والمسألة الفلسطينية يدور في أذهان مختلف‎ ‎اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين‎.‎

    تركيا مثلاً، تلعب أدواراً ملفتة مع اسرائيل وإيران والدول العربية وهي‎ ‎تتموضع كدولة اساسية في موازين القوى ‏الإقليمية. تركيا تشكل شبه حلقة وصل‎ ‎بين سورية وإسرائيل، وهي في الوقت ذاته تلعب دوراً ما بين ايران ‏والدول‎ ‎الخمس زائدة ألمانيا عبر حملها «بدائل» الى طهران عن طروحات تعليق التخصيب‎ ‎في صيغ «إنقاذ ماء ‏الوجه» للجميع. أنقرة، بالتأكيد، لا تريد لإيران امتلاك‎ ‎السلاح النووي ليس فقط لأنها لا تريد ان تكون وحدها في ‏موازين القوى‎ ‎الإقليمية الحالية التي لا تمتلك هذا السلاح، فإسرائيل وايران وتركيا هي‎ ‎اليوم الدول الثلاث الأهم ‏في موازين القوى الإقليمية، بعدما أخرج الرئيس‎ ‎العراقي صدام حسين العراق من المعادلة النووية بغزوه ‏الكويت، بل ان ايران‎ ‎أسرعت الى اقتناء القدرات النووية بعدما اكتشفت ان العراق سبقها فجعلت من‎ ‎ذلك هدفاً ‏استراتيجياً وموضع مصالح وهوية وطنية. تركيا لا تريد لإيران ان‎ ‎تلتحق بالنادي النووي إذ ان ذلك يؤثر جذرياً ‏على الطموحات التركية‎ ‎الاستراتيجية والدولية‎.‎

    ثم هناك عنصر تموضع تركيا في موقع القيادة السنية والذي يجعل علاقتها مع‎ ‎ايران شبه تنافسية بعدما توجهت ‏السياسة التركية شرقاً نحو العراق، وبالذات‎ ‎لأن العلاقة التركية – السورية تقوى لدرجة قد لا تكون مريحة ‏لطهران التي‎ ‎نسجت علاقة إيرانية – سورية منذ سنوات عدة. أما العنصر الإسرائيلي في هذه‎ ‎العلاقات فإنه ورقة ‏مهمة في ايدي انقرة التي تعرف انها وحدها بين القوى‎ ‎الإقليمية القادرة على امتلاك الورقة الإسرائيلية والعربية ‏والإيرانية‎ ‎معاً. لذلك، فهي مستمرة بها مهما طرأ من مواجهات ديبلوماسية أو سوء إدارة‎ ‎أو تصرف إما من ‏اسرائيل أو من طرف الكونغرس الأميركي المنحاز لإسرائيل‎ ‎دوماً. بل ان الكونغرس بعث برسالة إسرائيلية الى ‏انقرة عبر اعتبار ما حدث‎ ‎للأرمن في زمن الحكم العثماني «إبادة». وفحوى هذه الرسالة ان اسرائيل تبقى‎ ‎مفتاحاً ‏مهماً للمصالح التركية في الولايات المتحدة‎.‎

    وزير خارجية تركيا احمد داود اوغلو حرص هذا الأسبوع على القول في دمشق‎ ‎في أعقاب اجتماعاته مع القيادة ‏السورية على أعلى المستويات ان «الأرضية‎ ‎جاهزة» لاستئناف المفاوضات غير المباشرة بين سورية ‏وإسرائيل، وأن المسؤولين‎ ‎الأميركيين «يدعمون بقوة» اعادة إطلاق هذه المفاوضات. قال ايضاً في معرض‏‎ ‎تحدثه الى «الحياة» ان «المناخ الجيد سيستمر» بين سورية ولبنان، ودعا‎ ‎الفلسطينيين الى «الوحدة ونبذ ‏الانقسام‎».‎

    المسؤولون الأميركيون الذين اشار إليهم اوغلو يشملون المبعوث الخاص‎ ‎السسناتور جورج ميتشيل الذي يقوم ‏حالياً بإطلاق المفاوضات التقاربية‎ Proximity ‎بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فيما تقوم تركيا بشيء مشابه بين‎ ‎السوريين والفلسطينيين. إذاً، هناك توجه الى مفاوضات تقاربية على المسارين‎ ‎الفلسطيني والسوري إنما لا حركة ‏على المسار اللبناني سوى من خلال طاولة‎ ‎الحوار التي يُفترض ان تتعاطى مع سلاح «حزب الله» الذي يقول ‏الحزب انه من‎ ‎اجل تحرير الأراضي العربية. السوريون يتحدثون عن سبل إزالة احتلال اراضيهم‎ ‎والفلسطينيون ‏يتحدثون عن مستقبل دولتهم المستقلة في ظل إنهاء الاحتلال‎. ‎لكليهما وسيط مكلف بالمباحثات التقاربية والتي قد ‏تصبح مكوكية، وما يتم‎ ‎الحديث حوله يتناول أفكار الانسحابات التدريجية. ما يجدر بـ «اللجنة‎ ‎الرباعية» التي ‏ستجتمع في موسكو قريباً ان تقوم به هو التنبه للساحة‎ ‎اللبنانية. على موسكو بالذات ومعها الاتحاد الأوروبي ان ‏يعملا مع الأطراف‎ ‎اللاعبة في لبنان لتحذيرها من الاستهانة بالاهتمام به، أقله لأن شرارة حرب‎ ‎تنطلق من لبنان ‏ستؤدي الى تدميره وإلى تدمير فرص صنع السلام بل ربما الى‎ ‎إطلاق الحرب الإقليمية. لموسكو نفوذ مع دمشق ‏ومع طهران ومع الفصائل‎ ‎الفلسطينية يجب عليها توظيفه بكل جدية الآن، بل نفوذها يمتد ايضاً الى‎ ‎إسرائيل. نفوذ ‏الدول الأوروبية مع اسرائيل حان دور استخدامه بل لها ايضاً‏‎ ‎نفوذ استثماري مع دمشق‎.‎

    اما الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون فإن عليه اليوم ان‎ ‎يتنبه‎ ‎للملف اللبناني اكثر من غيره وألا يسيء ‏تقدير مركزية لبنان في معادلات‎ ‎السلام والسلاح. فللأمم المتحدة دور مباشر وغير مباشر في لبنان وهي مسؤولة‎ ‎عن تنفيذ القرارات التي أصدرها مجلس الأمن. لذلك، عندما يقوم بان كي مون‎ ‎بزيارته الى المنطقة، يجدر به ألا ‏ينصب على مجرد تشجيع مسارين لكل منهما‎ ‎عرابه – المسار الفلسطيني والمسار السوري من المفاوضات مع ‏اسرائيل‎. ‎المسؤولية الملقاة على كتفيه يجب ان تكون مسؤولية صيانة المسار اللبناني من‎ ‎الاستخدام او الابتزاز ‏محلياً أو إقليمياً. عليه مسؤولية لفت انتباه‎ ‎اللاعبين الدوليين والمحليين الى ان المحكمة الخاصة بلبنان انشأها ‏مجلس‎ ‎الأمن الدولي وأن الأسرة الدولية لن تتخلى عن لبنان وأنها ملتزمة بقراراتها‎ ‎غير القابلة للمقايضات. يكفي ‏ان يعيش الفلسطينيون في ظل مأساة الاحتلال‎. ‎فليس عدلاً ان يعيش اللبنانيون في هاجس حروب الآخرين ‏وهاجس حرب آتية حتى في‎ ‎زمن المصالحات والمفاوضات‎.

    راغدة درغام
    جريدة الحياة
    12.03.2010

    Leave a Reply