• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    “مداخلة أنطوان حداد في ندوة “الدولة المدنية: بين الخيار والبناء

    مفهوم (او مصطلح) “الدولة المدنية” مفهوم جدلي بامتياز، والى حد ما عربي بامتياز. وهاتان السمتان مترابطتان الى حد بعيد، كما ساتولى تفصيله لاحقا.

    هو مفهوم جدلي بامتياز بمعنى انه متحرك ولم يستقر بعد من حيث التعريف، والدليل اننا نعقد هذه الندوة بغرض المساهمة في بلورته وتعريفه؛ وهو عربي بامتياز بدليل اننا لا نعرف موازيا دقيقا له في اللغات الاخرى، خصوصا في اللغات العالمية المنتجة او الحاضنة للمفاهيم. المعاجم الكبرى وكتب العلوم السياسية لا تتحدث بالانكليزية الا حديثا او نادرا او تجاوزا عن Civil State ، وهي قطعا لا تتحدث بالفرنسية عن Etat Civil الذي يحيل الى مفهوم آخر مختلف تماما هو “الاحوال الشخصية”. اقرب ما نقع عليه من مواز ل”الدولة المدنية” في اللغات الأجنبية هو تعبير Secular State وترجمته الحرفية اذا جاز التعبير هو “الدولة الدهرية” او “الدولة الزمنية” كنقيض (على الارجح) ل”الدولة الدينية”. وهذا التعبير Secular State لا يتطابق بالكامل مع المصطلح الفرنسي Etat Laic الذي يوازي بالعربية “الدولة العلمانية” وهي، يمكن القول، احدى الأشكال الخاصة (“المتطرفة” او “المغالية”) ل”الدولة الزمنية” او “الدولة الدهرية”.

    ازعم ان هذا المفهوم (“الدولة المدنية”) عربي بامتياز، وبلغة الارقام. فاذا حاولنا البحث عن تعبير”الدولة المدنية” عبر محرك غوغل باللغة العربية نقع على 7750000 نتيجة، فيما لا نجد سوى 471000 نتيجة باللغات التي تستعمل الحرف اللاتيني مجتمعة (اي الانكليزية وكل اللغات الاوروبية وغيرها)، منها 251000 نتيجة (اي أكثر من النصف) تاتي متلازمة مع كلمة Arab أي ان الموضوع يعنى بِشأن عربي ما. في المقابل وعلى سبيل المثال، Secular State تحظى ب 2980000 نتيجة فقط ، و”دولة علمانية” باللغة العربية تحظى ب 191000 نتيجة فحسب منها 42000 نتيجة تتحدث ايضا عن “الدولة المدنية” (مما يعطي نتيجة صافية ل”دولة علمانية” اقل من 150000 ، ومعظمها يتحدث عن هذه الدولة في سياق سلبي).

    لماذا هذه الطفرة الاعلامية-السياسية-الفكرية العربية الكبيرة في الحديث عن “الدولة المدنية” ؟

    ان البحث في الدولة وعن الدولة قائم بنشاط حثيث في العالم العربي منذ عقود، ومن ابرز من تحدث باكرا عن مفهوم “الدولة المدنية” تحديدا سماحة المرجع الراحل محمد مهدي شمس الدين في ناهية الثمانينات من القرن الماضي. لكن هذا الانفجار الكبير للمفهوم لا شك انه يتزامن مؤخرا مع الربيع العربي والثورات العربية ضد انظمة الاستبداد والدولة البوليسية-القمعية التي اقامتها. ان سقوط بعض هذه الانظمة وترنح البعض الآخر واهتزاز شرعية سائر الانظمة العربية تطرح اولوية البحث عن البدائل، التي لم تعد تقتصر على نظام الحكم بل باتت تتطلب الغوص في ما هو اعمق، اي في طبيعة التعاقد الذي يربط المواطنين فيما بينهم وبالتالي في طبيعة الحقوق والموجبات المترتبة عن هذا التعاقد، اي في الدولة وفي طبيعة هذه الدولة.

    اذن، هذا التداول الهائل لمصطلح “الدولة المدنية” يعكس تنامي الطلب المجتمعي على الاطر المؤسسية التي تكفل الحقوق المذكورة اعلاه، وفي طليعتها الحق في الحرية وفي احترام الكرامة الانسانية. ويقابل هذا الطلب المجتمعي عرض من القوى السياسية المختلفة يتضمن قوالب فكرية-سياسية معينة تحاول مواءمة هذا الطلب المجتمعي. ومن ابرز هذه العروض السياسية تلك التي تأتي تحت عنوان “الدولة المدنية”.

    من اي قوى سياسية تأتي تلك العروض؟ ومن يروج للدولة المدنية؟

    يأتي حديث “الدولة المدنية” من ضفتين متقابلتين:

    أولا- من ضفة القوى الاسلامية التي تقبل عموما بقواعد اللعبة الديموقراطية، اي تقبل بالانتخابات والتعددية السياسية وتداول السلطة، وتاليا تقبل واقعيا بمبدأ ان الشعب هو مصدر السلطات؛

    ثانيا- من ضفة القوى الديموقراطية اللا-دينية التي تقر ان للاسلام السياسي الحق في المنافسة السياسية، اذا ما التزمت قواه كغيرها من القوى بقواعد اللعبة الديموقراطية.

    اما التيارات الاسلامية التي لا تقبل بجوهر اللعبة الديموقراطية (سلفية اكانت ام غير سلفية)، ورغم اقبالها على خوض الانتخابات والاستفادة من نتائجها، فهي بمعظمها ترفض فكرة “الدولة المدنية” لاعتقادها انها تتضمن انتقاصا من “اسلامية” الدولة. ويلاقيها في تجنب الحديث عن “الدولة المدنية”، من الطرف الآخر، وان كان من موقع اكثر هامشية في الظرف الراهن، القوى والتيارات اللا-دينية التي لا تقر للاسلام السياسي (او لأي دين آخر) بحق خوض غمار المنافسة السياسية، والتي تتمسك بالطبعة الاكثر مغالاة والأكثر تشددا في الخطاب العلماني.

    أين تتقاطع طروحات “الدولة المدنية”؟ واين تفترق؟

    ثمة من يطرح المعايير العامة التالية ل”الدولة المدنية”:

    – ان تكون الدولة محايدة في الامور الدينية (دستوريا وقانونيا وفي الممارسة)، وعلى مسافة واحدة من كل الاديان وما بين الاديان واللا-دين؛ لا تؤيد دينا معينا وغير معادية لاي دين؛

    – ان تعامل المواطنين (والافراد عموما) سواسية وبمعزل عن دينهم، والا تقف موقفا تفضيليا لمواطن (او فرد) على آخر تبعا لدين (او لا-دين)هذا او ذاك؛

    – الدولة المدنية لا معتقد ديني محدد لها؛

    – في التطبيق: تتولى الدولة المدنية ضمان الحريات الدينية سواء في الاعتقاد او في الممارسة، تكفل استقلالية النظام القضائي (في قوانينه واحكامه) عن سلطة دين معين او سلطة المرجعيات الدينية، تكفل حرية نظام التعليم وعدم خضوعه لسلطة دين معين، تكفل حق تبوء السلطة لأي مواطن بمعزل عن ديانته.

    طبعا تتفاوت مواقف القوى التي تدعو الى “الدولة المدنية” من هذه القضايا والمستويات. ففي حين تتبنى التيارات اللا-دينية (والتي تطلق على نفسها تسمية ليبرالية، ومدنية، وديموقراطية، ويسارية، ووطنية، وقومية، وغيرها) مجمل هذه المعايير والقضايا، فان التيارات الاسلامية التي تدعو الى “الدولة المدنية” تشهد حراكا وسيولة كبيرتين، وبالتالي تفاوتا كبيرا في الموقف من هذه القضايا. ولا تنقص الامثلة الواضحة في هذا المضمار. فحزب النهضة التونسي اعلن مؤخرا انه لا حاجة الى ادخال نص في الدستور التونسي حول اعتماد الاسلام مصدرا للتشريع، في حين ان الاخوان المسلمين في مصر يتبنون موقفا مغايرا. اما حزب العدالة والتنمية في تركيا فهو لا يجد اي حرج في الدفاع عن النظام العلماني كما ارساه اتاتورك لا بل يدعو الاخوان في مصر الى تبنيه. مثال آخر يتعلق بدين رئيس الدولة، حيث اعلن الاخوان المسلمون في سوريا انه من حق اي مواطن سوري ان يتولى هذا المنصب بمعزل عن دينه، في حين يبقى هذا الامر موضع جدل معقد في مصر ومعظم الدول العربية.

    اذن الموضوع لا يخضع للفرز البسيط بين قوى وتيارات مدنية من ناحية وقوى وتيارات اسلامية من ناحية أخرى، بل انه يخضع الى حد بعيد لحق المساءلة وطلب الحساب الذي بات يتمتع به الانسان العربي بعد كسر حاجز الخوف والاستبداد، وللحراك الفكري والسياسي والشعبي الهائل الذي فجره الربيع العربي والذي اخرج مارد الحرية من القمقم وانهى اسطورة “الاستثناء العربي” و”الخنوع العربي” البائسة، ووضع مسألة الحرية في اعلى اهتمامات الافراد والشعوب، وهو الكفيل بألا يوضع الدين في مواجهة الحرية والعقل والكرامة الانسانية.

    تبقى كلمة مقتضبة عن لبنان. في الحالة اللبنانية، وبقدر ما تتضاعف الحاجة للانتقال الى دولة مدنية/مواطنية بقدر ما يبدو هذا الانتقال صعبا ومعقدا، لأن الامر لا يتعلق فحسب بادارة العلاقة بين الدين والدولة، كما في البلدان التي تتضمن اغلبيات اسلامية ساحقة، بل ايضا بادارة التعددية الدينية والمذهبية بين مجموعات: 1- لا يشكل اي منها اكثرية؛ 2- ذات تاريخ صراعي حافل ومتناوب؛ 3- وتقيم علاقات على درجة متفاوتة من الارتباط العضوي مع الخارج.

    Leave a Reply