• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    المطران بولس مطر في أربعين نسيب لحود: رأى اللبنانيون فيه صورة أحلامهم

    أقيم في كنيسة سيدة النجاة في بعبدات أمس قداس في ذكرى أربعين رئيس حركة “التجدد الديموقراطي” نسيب لحود، ترأسه رئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر يعاونه النائب العام لأبرشية بيروت المونسنيور جوزف مرهج والمونسنيور منصور لبكي وكاهن الرعية الخوري طانيوس خليل والخوري جو دكاش، في حضور العائلة وقيادة وأعضاء حركة التجدد فضلاً عن نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري والنائبين فؤاد السعد ونبيل دو فريج والوزيرين السابقين طارق متري وميشال الخوري والنائبة السابقة ميرنا البستاني وشخصيات. وألقى مطر عظة جاء فيها:

    نقيم معكم هذه الذبيحة الإلهية لراحة نفس فقيدنا الكبير وراحلنا الغالي وابن الأبرشية البار الأستاذ نسيب لحود، في ذكرى الأربعين لانتقاله إلى بيت الآب. وما كنا نتصور لزمن قريب مضى أن ما حدث له كان سيحدث. فهو كان بعد في عز العمر وفي غمرة العطاء وفي كامل الحضور والإشعاع في حياة البلاد وفي انتظارات شعبها الأبي والمعاند في سبيل الحق وكرامة الإنسان.

    إنها خسارة كبيرة أن يرحل نسيب على وجه السرعة كما رحل. وهو الذي شكل في البلاد حالة وطنية استثنائية مع كوكبة من أقرانه المعروفين بقاماتهم العالية ومسلكهم المثالي، وخدمتهم الوطنية النزيهة وإيمانهم بالكلمة الحرة وبالموقف الحواري المنفتح على الآخر بإيمان وحب. ولقد وفاه اللبنانيون حقه، في وداعهم لوجهه الصبوح عندما أجمعوا على إكرامه والاعتراف بشمائله في طول البلاد وعرضها، وقد كسروا بموقفهم هذا حدود الطوائف والانتماءات مجمعين على تقدير الرجل بما يدل أيضا على أن توقهم إلى الوحدة في وطنهم وإلى سير لبنان في طريق الديمقراطية الراقية هو التعبير الأصدق عن حقيقتهم الباطنة وعن توقهم الدفين إليها في الأعماق.

    لقد وجد اللبنانيون في نسيب لحود صورة عن أحلامهم فأحبوها، وما كانوا ليجدوا فيه صورة عن واقعهم الذي فيه يتخبطون وهم له رافضون. ذلك أن وراء هذا السياسي المترفع كان يطل إنسان خلوق، أراد العمل العام خدمة مجانية لوطنه، لأنه كان يحب هذا الوطن ويحب شعبه. تربى على يد والد هو أيضا مارس الوزارة والنيابة وتميز بتنفيذ المشاريع الإنشائية التي كادت أن تغيب في أيام الشح هذه عن مساحة الوطن. ولقد أخذ عن جده الذي حمل اسمه بفخر واعتزاز وعن سائر رجالات الدوحة العائلية التي كان منتسبا إليها والتي أعطتنا رجالات تبوؤوا من المناصب حتى أعلاها، روح العناد في سبيل الحق مع احترام اللعبة السياسية النظيفة، والمفاضلة التي يحكم الرأي العام فيها بالرقي الحضاري المحبب والمرغوب.

    كانت البلاد قد افتقدت زمنا معنى السلام والديموقراطية التي تحل إذا حل هذا السلام وتتعثر إذا تعثر. فحين وصل نسيب لحود إلى سدة المسؤولية نائبا ووزيرا، بعد أن مثل بلاده كسفير فوق العادة في دولة عظمى وفي ظروف عصيبة، آلى على نفسه أن يعمل مع العاملين على استعادة هذه الديموقراطية في حكم البلاد لأنها التعبير الأسمى عن حقيقة لبنان ماضيا وحاضرا ومستقبلا. لبنان هذا كان بالنسبة إليه وطن العيش المشترك والحوار البناء، وطن الوحدة والتنوع، وطن الأصالة والحرية لجميع أبنائه على السواء. لذلك كان على يقين من أن الرياح الهوج التي كانت تعصف في أجواء البلاد، إنما هي رياح عابرة وأن الناس سيعودون للناس في هذا الوطن الجامع إذا ما استعملت فيه لغة المنطق والعقل وإذا ما أعطيت في الحياة العامة نماذج عن الاستقامة ونظافة الكف التي من شأنها أن توقظ الرجاء في شعب كاد يفقده لقلة الاكتراث به في الداخل وفي الخارج.

    حيال هذه التحديات الكبرى قرر نسيب لحود أن يكون رجل المبادىء السياسية والأخلاقية التي لا يحيد عنها مهما اشتدت عليه وطأة الصعاب. فأخذ موقع الدفاع عن الحرية وكرامة الإنسان، متيقنا من أن الحرية تستأهل النضال من أجلها وأنها لا تصان ولا تستعاد إلا بالحرية نفسها ودون سواها. فلا نمو للحرية إلا بالحرية ولا إعلاء للكلمة إلا بالكلمة ولا إدخال للقناعات في النفوس إلا بالقناعات. هكذا تذكر كلمة قائد كبير ربح الحرب العالمية الثانية حين قال: “أن أسوأ نظام في العالم هو النظام الديموقراطي ما عدا كل الأنظمة الأخرى”. وبهذا المنطق رفض العنف في داخل الشعب الواحد وأراد أن يكون تيارا ينادي بهذه الأفكار، وكان له ما أراد مع رفاق له أعزاء يشعرون اليوم بالأسى لفراقه تماما كما يشعر به الأقربون من أهله وعياله.

    رأى نسيب لحود أن الديموقراطية لا تحصن إلا بالحقيقة الموضوعة في متناول الناس، تسهيلا لاختيارهم الأفضل والأحسن عبر نقاش الأفكار وليس عبر اصطفاف الطوائف والمذاهب في وجه الطوائف والمذاهب. أما في ما يخص الأخلاق فقد اتخذ القرار الجريء بألا يضع نفسه في لبنان أمام خطر الاختلاط بين مصالحه الخاصة ومصالح الوطن العليا. ولقد تمثل هذا القرار بامتناعه عن القيام بأي نشاط اقتصادي في لبنان يدر له أرباحا ولو مشروعة، ساعيا إلى ما يقسم الله له من الخير عبر أعمال يقوم بها في الخارج ليعطي في ذلك المثل الطيب أمام الجميع. بهذه الصفات العالية تقدم نسيب من الشعب ليزاول ولايته في المجلس النيابي وكان له أن يفوز بثقة الناس عدة مرات وكان كل فوز له يجلب للمواطنين فرحا كبيرا في منطقته وفي سائر المناطق على السواء. فهو رجل حر وعاقل وجريء بالحق في آن معا. والناس المتطلعون إلى مستقبل زاهر لبلادهم وإلى وطن يكون سيدا بين الأسياد كانوا يتحدون الظروف ويحوزون له الغلبة بقوة إيمانهم. فرد لهم الجميل عندما كان يطل في جلسات البرلمان بصوته الهادىء ووقفته الواثقة وعقله الراجح ومحبته غير المحدودة لوطنه معطيا للبنانيين أملا جديدا بأن نمطا مثل الذي يرونه فيه قد يغير وضع البلاد فتصطلح فيها الأمور، متخطية مرحلة هذا الزمن الحاضر المتعثر.

    بهذه الروح، وبكل جرأة في خدمة الحق، ترشح أيضا نسيب لحود لرئاسة الجمهورية يقينا منه أنه قادر على تطوير البلاد وعلى قيادتها نحو شاطىء العقلانية والنجاح. كان مشروعه متطابقا مع تاريخه الحافل بالرجاء ومع متطلعات شعبه إلى وطن يكون رافعة لمحيطه نحو الأرقى. إلا أن حظ لبنان لم يكن مؤاتيا لمثل هذا المشروع ولأن هذا التوقع كان على كثرة من الجمال إلى حد أنه كان أمرا مستحيلا. بعدها انكفأ نسيب حتى عن الترشح للنيابة. وكان لي معه حديث عتاب باسم المحبة التي تجمعنا. فوعدني بأنه لن يستقيل من حياة الوطن ولا من العمل لأجله. ترى هل كان يدرك منذ تلك الفترة ما كان سيواجه في ذاته من نكسات غير متوقعة على الإطلاق. لكننا نترك هذا الأمر لسره، ونسلم في كل حين ذواتنا للمشيئة الإلهية مثلما فعل هو بقوة الأبطال وصبر الصابرين. لقد عبر مرحلة الآلام وأحزان الجسد بثقة المؤمنين عاملا على الشفاء بكل جوارحه وقابلا في الوقت عينه مشيئة ربه عليه.

    خسره لبنان وعدا للمستقبل. لكن اللبنانيين أسكنوه في قلوبهم وفي آمالهم العراض بقوة وطنهم الذي سيبقى وستعود إليه الحياة. وسيرجع نسيب لحود في كل إرادة وطنية متوثبة من أجل لبنان وفي كل العاملين بصدق واستقامة وحسن تصرف في سبيل القضية التي نذر كل طاقاته لإنجاحها. فارقد أيها العزيز بسلام في تراب بعبدات التي أنجبتك والتي أحببت بكل جوارحك. فهي ستنجب أمثالك ممن يريدون لبنان ويضمنون له حسن المصير. ولك عند ربك حسن الجزاء على حياة مليئة بالخير والعطاء؛ وها هي كنيسة بلدتك تعلو يوما بيوم يا من كنت لها بسخائك خير نصير. ولعائلتك العزيزة كلها، لشريكة حياتك الجريح، ووالدتك الثكلى وللأولاد المصدومين وللشقيق الصابر أحر تعزياتنا لفقدك الأليم، ولرفاق دربك وكل مؤيديك في لبنان رجاء كبير بأنهم على دربك مكملون، ولوطنك الخلاص، ولك إكليل غار من لدن ربك وخلود إلى جانب أصفيائه ومختاريه، له السبح والمجد إلى الأبد.

    Leave a Reply