• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    مداخلة الدكتور انطوان حداد في ندوة المعهد الاوروبي للمتوسط في برشلونة

    في ما يلي نص مداخلة امين سر “حركة التجدد الديموقراطي” وعضو الأمانة العامة لقوى 14 آذار د. أنطوان حداد في المعهد الأوروبي للمتوسط في برشلونة.

    سيداتي سادتي

    بداية أتوجه بالشكر الجزيل الى المعهد الاوروبي للمتوسط والى السفير سينان فلورنسا لتنظيمه هذه الندوة وللاهتمام الخاص بلبنان، وانقل اليكم اطيب التحيات من بلدنا الذي يقع في الجهة المقابلة تماما لبلدكم اسبانيا على الضفة الاخرى للبحر الابيض المتوسط الذي يفصلنا عنكم ويجمعنا بكم في الوقت نفسه. وانا اعتقد ان عوامل الجمع بيننا اكثر بكثير من عوامل الفصل. على الاقل هذا ما تطمح اليه غالبية اللبنانيين التي تتطلع الى روابط متينة مع اوروبا وخصوصا اوروبا المتوسطية والى دور وسيط فاعل بين اوروبا والعالمين العربي والاسلامي.

    بلدنا الصغير بالمساحة –وهو اقل من ثلث مساحة كاتالونيا– كان في فترات عدة مسرحا لنزاعات متعددة ومتداخلة، منها داخلي ويتعلق بالصراع على السلطة او الصراع بين المجموعات، ومنها خارجي ويتعلق بالتنافس بين قوى اقليمية او دولية او بالنزعة العدوانية او التوسعية لبعض جيرانه، الاقرباء منهم والابعدين.

    وكي لا اغرقكم في الفصول العميقة لتاريخ لبنان، سوف اكتفي في الوقت المتاح لي الآن بالحديث عن الوضع القائم اليوم حيث تتفاعل فوق ارض لبنان اربع نزاعات او قضايا:

    اولا- الصراع العربي-الاسرائيلي:

    ان السمة الابرز للصراع العربي-الاسرائيلي اليوم هو ابقاء الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال وحرمانه من ابسط حقوقه الانسانية والسياسية، واستمرار احتلال الجولان السوري وشريط لبناني يقع عند الحدود المثلثة مع اسرائيل وسوريا يدعى مزارع شبعا.

    ثانيا- النزعة التاريخية لسوريا للسيطرة على لبنان:

    سوريا هي الجار الاقرب للبنان، وشعبا البلدين تربطهما علاقات ثقافية ومصالح اقتصادية عميقة، لكن نظام الحكم في سوريا لم يعترف يوما تماما بلبنان كدولة ناجزة الاستقلال والسيادة، وهو اخضع لبنان بين 1990 و2005 لنوع من الوصاية السياسية الكاملة لم تنته بعد كل تداعياتها، اقله على مستوى الطموحات السورية.

    ثالثا- بروز ايران كقوة اقليمية صاعدة:

    في العقود الثلاثة الاخيرة، عززت ايران نفوذها الاقليمي في منطقة الشرق الأوسط. وفي لبنان، تم ذلك بشكل مباشر عن طريق حزب الله الذي لا يخفي علاقته العضوية بايران، وتم ايضا بشكل غير مباشر عن طريق تحالف ايران الاستراتيجي مع سوريا، البوابة الخلفية للبنان. ويؤمن نفوذ ايران في لبنان لها اليوم حضورا سياسيا وعسكريا قويا على ضفاف المتوسط، وشراكة غير مباشرة انما فاعلة في الصراع العربي الاسرائيلي.

    رابعا- صعوبة ادارة التعددية الدينية والمذهبية في بلد تتفاعل فيه هذه النزاعات:

    ان استنباط صيغة لتنظيم العيش المشترك وتقاسم السلطة بين مجموعات دينية او اتنية متعددة تعيش في بلد واحد وفوق ارض واحدة ليس بالضرورة امرا سهلا، فكيف اذا كانت تتفاعل فيه كل هذه القضايا والنزاعات المذكورة اعلاه التي هي كلها اكبر من لبنان؟ وانتم في اسبانيا ربما تدركون اكثر من غيركم دقة وصعوبة هذا الامر. لقد عرف لبنان في تاريخه الحديث فصولا سوداء على هذا الصعيد وصلت الى حدود الحرب الاهلية. لكن تلك الفصول، رغم بشاعتها، كانت الاستثناء وليس القاعدة، وهي على الدوام كانت تقوى مع اشتداد العوامل الخارجية وتزايد النفوذ الاجنبي. واللبنانيون اليوم يجمعون، اقله ظاهرا، على صيغة واضحة لتنظيم الحكم وتقاسم السلطة، هي اتفاق الطائف الذي اقر عام 1989 واصبح جزء من الدستور.

    * * * * *

    سيداتي سادتي،

    ان اللبنانيين عانوا كثيرا من تلك النزاعات وهم ما زالوا يعانون. وآلاف القتلى والجرحى سقطوا خلال العقود الماضية نتيجة الاعتداءات الاسرائيلية والحروب الاهلية والعمليات الارهابية. ومئات الآلاف تهجروا وتشردوا ودمرت منازلهم. وعشرات الآلاف فقدوا او اختطفوا او اعتقلوا، على يد المجموعات المسلحة او الجيش الاسرائيلي او القوات السورية. فلبنان لم يعرف الاستقرار الفعلي منذ 1975 نتيجة تفاعل العوامل المذكورة اعلاه. وعندما استقرت الاوضاع نسبيا بين عامي 1990 و2005، تم ذلك بفعل القوة العسكرية للجيش السوري واجهزة مخابراته التي اقامت في لبنان نظاما قمعيا بوليسيا على طراز ما كان قائما في اوروبا الشرقية قبل سقوط جدار برلين.

    في البداية، كان من الصعب على اللبنانيين التركيز على مقاومة الهيمنة السورية على بلادهم في ظل احتلال اسرائيل لاجزاء واسعة من جنوب لبنان. لكن انسحاب الجيش الاسرائيلي عام 2000 نتيجة عمليات المقاومة التي كانت تشن ضده على يد حزب الله والتي كانت تحظى حينه بتأييد جميع اللبنانيين، اسقط الذريعة التي كانت تستخدمها دمشق لتأبيد هيمنتها على لبنان. ومنذ ذلك التاريخ، اي منذ عام 2000، بدات تتجمع عوامل انهاء تلك الهيمنة. النواة السياسية الاولى لمعارضة الهيمنة السورية تشكلت حول الكنيسة المارونية والبطريرك نصرالله صفير في ما عرف حينها بلقاء “قرنة شهوان”. ثم ما لبثت ان اتسعت تدريجا لتطال قيادات اساسية في الطوائف الاسلامية، ومنهم رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس الوزراء رفيق الحريري، الذي فجر اغتياله في 14 شباط 2005 انتفاضة مدنية سلمية وعفوية غير مسبوقة في تاريخ لبنان.

     في 14 آذار 2005، واحتجاجا على عملية الاغتيال الوحشية تلك، خرج الى الشارع مليون ونصف لبناني، اي نصف الشعب اللبناني تقريبا وملؤا ساحات العاصمة. ادى هذا الأمر الى استقالة الحكومة المؤيدة لدمشق والى انسحاب القوات السورية من لبنان وحصول انتخابات نيابية فيما لبنان خال من القوات الاجنبية للمرة الاولى منذ اكثر من ثلاثين سنة. فشعر اللبنانيون ان القرار الوطني للدولة اللبنانية عاد من دمشق الى بيروت، ومن يد المخابرات السورية الى يد المؤسسات الدستورية اللبنانية. الغالبية النيابية والحكومية الجديدة التي انبثقت من تلك الانتخابات اطلقت على نفسها اسم “قوى 14 آذار”.

     هذا التصميم الهائل الذي اظهره اللبنانيون في سعيهم لاستعادة سيادتهم الوطنية ونظامهم الديموقراطي وتحقيق العدالة، لاقاه المجتمع الدولي بدعم سياسي تجسد بسلسلة من القرارات الصادرة عن مجلس كان ابرزها اولا القرار 1757 المتعلق بانشاء “المحكمة الخاصة بلبنان” وهي هيئة مختلطة دولية-لبنانية لمحاكمة مرتكبي جريمة اغتيال الحريري وجرائم الاغتيال الاخرى المتصلة بها والتي حصدت العديد من قادة الحركة الاستقلالية والديموقراطية في البلاد من نواب ومفكرين وصحافيين وقادة الرأي. هذه المحكمة تشكل بالنسبة الى اللبنانيين بارقة امل كبيرة من اجل ترسيخ مبدأ العدالة ومكافحة الاغتيالات والجرائم السياسية ووضع حد للافلات من العقاب. وهي بالتالي اداة مهمة لتحقيق الاستقرار وتنزيه الحياة السياسية من التدخل الاجنبي والعنف والاجرام.

     وقد تجلى الدعم الدولي للسلم والاستقرار في لبنان مرة ثانية في صيف 2006 حينما اصدر مجلس الامن الدولي القرار 1701 الذي انهى الحرب العدوانية التي شنتها اسرائيل على لبنان. وينص القرار على وقف الاعمال الحربية وانسحاب اسرائيل من الاراضي اللبنانية ويطلب من الدولتين التوصل الى وقف دائم للنار والعودة الى اتفاقية الهدنة لعام 1949. ويطلب القرار من الامين العام للامم المتحدة البحث عن حل ديبلوماسي لقضية مزارع شبعا، كما انه يفرض حظرا على ادخال السلاح غير الشرعي الى لبنان. وبموجب هذا القرار، قامت الحكومة بنشر الجيش اللبناني في منطقة الجنوب للمرة الاولى منذ اكثر من ثلاثة عقود، وذلك الى جانب 15 الف جندي تابعين للأمم المتحدة. ومن بين هؤلاء الجنود الشجعان الذين يكن لهم اللبنانيون كل شكر واحترام هناك كتيبة اسبانية تضطلع بدور محوري داخل اليونيفل وهي قدمت الكثير من التضحيات والخدمات التي لن ينساها اللبنانيون. باختصار، ان القرار 1701، كما المحكمة الدولية، هو اطار مهم واساسي لتحقيق الاستقرار على الحدود اللبنانية-الاسرائيلية، في انتظار احياء عملية السلام الشامل في المنطقة. ورغم الخروقات المحدودة التي حصلت كمثل اطلاق الصواريخ على شمال اسرائيل اثناء حرب غزة وبعدها، ما زال هذا القرار، وحتى اشعار آخر، يحظى باجماع القوى السياسية في لبنان.

    * * * * * *

    على ماذا اذن يختلف اللبنانيون؟

     ثمة خلاف وجدال واسع في لبنان على سلاح حزب الله. صحيح ان حزب الله لعب دورا مهما في تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الاسرائيلي عام 2000. وصحيح ايضا انه يحظى بتأييد واسع لدى الطائفة الشيعية في لبنان.

    كن من وجهة النظر الاستقلالية والديموقراطية التي تعبر عنها “قوى 14 آذار”، هناك حاجة دستورية وسياسية ماسة، بعد تحرير الجنوب، وخصوصا بعد القرار 1701، الى ان تكون كل الاسلحة الموجودة فوق الاراضي اللبنانية تحت سلطة الدولة اللبنانية والقوات المسلحة الشرعية التي تأتمر بقرار المؤسسات الدستورية. كما انه بات من الضروري حصر قرار السلم والحرب في يد الحكومة اللبنانية. تلك هي الف-باء الدستور اللبناني والف-باء القانون الدولي. ورغم اقتناعنا العميق بهذين الهدفين وتصميمنا الراسخ على تحقيقهما، فاننا نريد لهذا الامر ان يتم عبر الحوار مع حزب الله وعبر الاستفادة القصوى من قدرات حزب الله العسكرية في خدمة السياسة الدفاعية للبنان، اي عبر استيعاب تلك القدرات في القوات المسلحة اللبنانية.

    ان هذا المطلب لا يعني ابدا السعي الى تهميش الشريحة الواسعة من اللبنانيين التي تؤيد حزب الله او التعرض لحقوقها السياسية والاجتماعية. ففي نظرنا، الدولة الديموقراطية القوية وذات السيادة هي الاطار الوحيد لتأمين الاندماج الاجتماعي لجميع المواطنين من كل الطوائف والمناطق. ان مؤتمر الحوار الوطني الذي يفترض به ان يعالج موضوع الاستراتيجية الدفاعية للبنان ومن ضمنها موضوع سلاح حزب الله لم يحرز حتى اللحظة تقدما ملحوظا، وذلك في ظل احجام حزب الله عن الافصاح عن رؤيته الخاصة بالموضوع.

     الموضوع الخلافي الآخر هو العلاقات اللبنانية-السورية. نحن نريد من سوريا ان تعترف باستقلال لبنان قولا وفعلا وان تكف عن التدخل في شؤونه الداخلية. نريد علاقات من دولة الى دولة قائمة على تبادل السفراء، وهو امر ما زالت الحكومة السورية تماطل فيه فهي لم تسم بعد سفيرا الى لبنان رغم الاتفاق رسميا على ذلك. نحن نريد من سوريا ان ترسم حدودها مع لبنان، خصوصا في منطقة مزارع شبعا كما ينص القرار 1701 كي يتمكن لبنان من استعادة تلك البقعة من اسرائيل. ونريد منها الكشف عن مصير المفقودين او المعتقلين في السجون السورية وهي قضية انسانية بحتة لم تحرك حتى اللحظة اي مشاعر لدى المسؤولين السوريين. ونريد منها ان تنزع سلاح المجموعات الفلسطينية التي تعمل تحت امرتها في مناطق عدة من لبنان خارج المخيمات الفلسطينية.

    نريد اخيرا مراجعة الاتفاقيات المجحفة التي وقعت عندما كان لبنان تحت الوصاية السورية.

     وفيما تم الاتفاق رسميا بين الأفرقاء اللبنانيين على معظم هذه المواضيع في مؤتمر الحوار الوطني، فان الفريق الذي يتزعمه حزب الله والذي يقيم علاقات جيدة مع دمشق لم يبذل اي مجهود فعلي لتحقيق اي من المطالب اللبنانية المذكورة اعلاه.

    * * * * * *

    على ماذا يتفق اللبنانيون؟

     يتفق الأفرقاء اللبنانيون في هذه اللحظة على امرين اساسيين: الجلوس في حكومة واحدة، والذهاب الى الانتخابات النيابية في موعدها المحدد في 7 حزيران المقبل.

     ففي 7 ايار من العام الماضي، اجتاح حزب الله الاحياء السكنية لمدينة بيروت ومناطق اخرى بقوة السلاح، مما استدعى تدخلا ديبلوماسيا عربيا ادى الى انعقاد مؤتمر الحوار الوطني في العاصمة القطرية الدوحة، حيث ابرم اتفاق مرحلي نص على ما يلي:

    1- التعهد بعدم استخدام السلاح لحل الخلافات السياسية؛

    2- انتخاب قائد الجيش ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، وذلك بعد شغور المنصب ستة اشهر؛

    3- تشكيل حكومة وحدة وطنية يتمتع فيها حزب الله وحلفاؤه بحق الفيتو في القرارات الأساسية؛

    4- اجراء الانتخابات النيابية في ربيع 2009 وفق قانون انتخابي متفق عليه بين الأفرقاء، وذلك رغم الملاحظات الكثيرة عليه لخلوه من العناصر الاصلاحية والتحديثية.

    ورغم الاستقرار النسبي الذي تلا اتفاق الدوحة، فان آلية اتخاذ القرار داخل الحكومة باتت صعبة جدا وشديدة التعقيد الامر الذي يعيق عجلة الحكم ويبقي العديد من الوظائف الاساسية في الدولة من دون تعيينات نتيجة الفيتو المذكور. ومن بين الوظائف الشاغرة مثلا اعضاء المجلس الدستوري الذي يعود اليه بت الطعون في الانتخابات النيابية. كما ان هناك غيوما سوداء اخرى بدأت تلوح في افق الانتخابات، منها تصاعد السجال السياسي وتجدد اعمال العنف والخطف والقاء القنابل. كل ذلك وسوريا لم تعد تخفي اهتمامها الملحوظ بالتفاصيل الجزئية لهذه الانتخابات، وليس ابدا من موقع الحرص على ان يمارس اللبنانيون حياتهم الديموقراطية.

    * * * * * *

    تلك هي الخلفية الاستراتيجية والسياسية والامنية التي تجرى الانتخابات المقبلة على اساسها، والتي تنبئ لا شك انها ليست انتخابات عادية، تجرى في بلد عادي. الانتخابات المقبلة ليست صراعا عاديا على السلطة او على مقاعد البرلمان، وليست تنافسا طبيعيا على الحكم بين سياستين او برنامجين لتسيير الدولة. هي في بعض وجوهها تعكس بكل بساطة الصراع حول وجود الدولة او عدم وجود الدولة.

    السؤال المفصلي الأول الذي يرخي بظله على هذه الانتخابات: هل يصبح لبنان دولة طبيعية مستقرة، تعمل وفق قواعد دستورية ديموقراطية واضحة، وتخضع للقانون الدولي والمواثيق الدولية والمساءلة الدولية، ويكون همها الاول تامين الرفاه والأمن لمواطنيها والسلم والاستقرار للدول الاخرى؟ ام يعود هذا البلد ساحة ملتهبة لتوجيه الرسائل وتصفية الحسابات وتأجيج النزاعات وتصدير الارهاب وتهديد الاستقرار الاقليمي وابتزاز المجتمع الدولي؟

    اما السؤال الثاني والذي يرتبط عضويا بالسؤال الاول: هل يحافظ لبنان على استقلاله وسيادته اللذين استعادهما بعد عام 2005؟ ام يقع مجددا تحت القبضة السورية، او تحت قبضة سورية-ايرانية مشتركة؟

    تلك هي المسألة. ان انتخابات 7 حزيران قد لا تؤدي الى حسم هاتين القضيتين بين ليلة وضحاها، لكنها لا شك ستعطي صورة واضحة عن جوهر لبنان الذي يريده اللبنانيون.

    Leave a Reply