• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ملحم شاوول: “ربيع العرب حركة رفضيّة منبعها المدينة ومشروع فرد في طور التكوين”

    “الطبيعة تكره الفراغ”، عدوى انعكست في الآونة الأخيرة على ما يبدو على المصطلحات والأدبيات الغربية في مقاربتها لـ”ربيع العرب”. ألوف من الصفحات لتاريخه شخصت ونظرت لما يحدث من حراك على الساحة العربية، وقد جاءت بكليتها لتفضح منحى “إبستمولوجي” (نظرية المعرفة) تفاجأ بـ”ثورة” أحداً لم يتوقعها، فانعكست بمجملها إسقاطات وكليشيهات.

    قصدنا الدكتور ملحم شاوول (عضو اللجنة التنفيذية في “حركة التجدد الديموقراطي”) أستاذ علم الإجتماع في الجامعة اللبنانية وتحديداً علم الاجتماع السياسي وعلم الاجتماع المديني، والباحث خاصة في “استراتيجية تكون السلطات”. حملنا همومنا وأسئلة اعتقدناها حصراً علمية، ليتضح بأنها أكثر تعقيداً عن قلق يبحث عن “دالات” تستشرف بالحد الأدنى المستقبل. فتح “علبة العدة”، توسل فيما توسل أدبيات إبن خلدون ليشخص لنا ماهية وأسباب ما يحدث. تفردبقراءة غابت عن أقرانه علماء الاجتماع الغربيين.

    حاوره مارون صالحي ومنصور بو داغر

    بداية، لماذا يطلق على حركات التغيير، الثورات…نعت “الربيع”؟ على غرار “الربيع العربي” اليوم؟

    في الشكل لأنّ “الربيع” يأتي بعد الشتاء بمعنى أنّه بعد المرور بأيّام سوداء وسيّئة ومظلمة وليس فيها خصوبة ننتقل إلى الربيع الذي فيه الأمل والنور. وتاليًا فإنّ “ربيع” المواطنين والشعب يقابله خريف الحكّام والأنظمة ومن ثمّ شتائها.

    وبمفهوم أكثر عمقًا، إنّ هذه التسمية وُجدت نظراً إلى غياب فكرة واضحة عن التسمية الصحيحة الواجب إطلاقها على هكذا حالة. فليس هناك ثورات بمفهوم الفكرة التقليديّة للثورة كما كانت تحصل في القرن التاسع عشر والقرن العشرين؛ وليس هناك من حراك إجتماعي ضمن مؤسّسات ديمقراطيّة يهدف إلى القيام بإصلاحات عاديّة؛ وليس عندنا حرب أهليّة واضحة المعالم على غرار الحرب الأهلية الإسبانية أو لا يُراد اعتبارها كذلك. فلكل هذه الأسباب كانت التسمية الجامعة والغامضة والجميلة في آن.

    ونذكر أنّ هذه التسمية استعملت مثلا العام 1968 في تشيكوسلوفاكيا: “ربيع براغ”. ومن المؤكّد أنّ الفكرة أتت عبر تثاقف مع الصحافة الغربيّة.

    هل هذا يعني بأن مقاربة “الربيع العربي” تحصل عبر “الدال” الغربي؟

    أغلبيّة الأدبيّات الغربيّة تعاملت مع المسألة من باب المقارنة مع التغيّرات التي حصلت إمّا في القرن التاسع عشر في أوروبا الغربيّة أو في القرن العشرين في أوروبا الشرقيّة وهم يميلون إلى المقارنات وينظرون إلى المجتمعات كما هي عندهم أي طبقات اجتماعيّة من طبقة وسطى وبورجوازيّة وبيروقراطيّة و دول حديثة أكانت ديمقراطية أو ديكتاتورية.

    إنّ نقدي الأساسي لهذه الطريقة بالتفكير هي أنّ كتاباتهم أتت لتغطية خطأ كبير ارتكبوه مؤخراً (بُعيد حرب العراق)، يوم نظّروا إلى أنّ الشعوب العربيّة والإسلاميّة ليست جاهزة من الناحية الثقافيّة لتكون ديمقراطيّة؛ وكأن الديمقراطيّة موضوع يعني ثقافات ونظام قيم معيّن وهو بعيد أو لا يتلاقى مع ثقافات ونظام قيم آخر (في تطبيق وفهم خاطئ لأطروحات عالم الاجتماع الألماني ماكس ويبير Max Weber)..وعندما حصل الحراك العربي وقعوا بحيرة كبيرة، فهناك شباب يتحرّك وناس تستخدم أساليب وتقنيّات متطوّرة كما أنّ هناك طرحًا لبرامج على غرار إزالة حالة الطوارئ وإطلاق سراح المعتقلين ووضع المرأة وغيره.. ولإبجاد تفسيرات لهذا الحراك بدا الغرب وكأنه يتحاور مع نفسه لناحية كيف أخطأنا وكيف لم نتوقّع كلّ هذا الحراك وغيره.

    عندها، ما هي الأسباب الاجتماعيّة والثقافيّة التي تقف اذاً وراء الحراك العربي؟

    على عكس القراءة الغربية، علماء الاجتماع العرب حاولوا مقاربة مسألة الحراك العربي الحالي من الزاوية الاجتماعيّة والثقافيّة انطلاقًا من مفهوم “العصب” (العصبية) الذي نادى به ابن خلدون لفهم آليات عمل السلطات و مقاربة قوة علاقات القربى وتضامن الموالي مع صاحب القرار. والعصب هو هذه البنية التي يقوم على أساسها مزيج من التضامن القبلي والمصلحي والعائلي والديني والتي تسمح لكتلة معيّنة بأن تحكم لمرحلة نسبيًا طويلة إلى أن تغلبها كتلة أخرى.

    وتبقى العولمة الاقتصاديّة الممزوجة بتكنولوجيا المعلومات من المحددات الرئيسية لهذا الحراك العربي وهذا ما يقودنا إلى مقاربة الموضوع من ناحية المنتفضين على السلطات “العصبية”. في السابق كان يمكن بسهولة إقفال البلد ضمن حدوده وأن تقطع عنه المواصلات والمعلومات على غرار ما جرى عام 1982 في مدينة حماه السوريّة وفي حمص حيث لم نعلم بالأحداث الدمويّة التي عصفت بهما إلا بعد أشهر.اليوم، كلّ شيء مكشوف للعيان حول العالم ولم يعد هناك من مستتر.

    من هم نشطاء الحراك العربي، من هم هؤلاء الناس؟

    هم أوّلاً الجماعات التي عانت من القمع بشكل هائل كالنساء والشباب والتنظيمات السياسيّة والصحافيين وأصحاب المهن الحرّة وأساتذة الجامعات؛ وكذلك كل الجماعات التي عانت من الفساد في الإدارة (الخوّات، الرشوة، الزبائنية السياسية…). يضاف إلى ذلك، الفئات الإجتماعيّة التي تعلّمت ونالت الشهادات كالنساء تحديدًا وأصبح عندها أفق معيّن وهي ما زالت في بلدانها قابعة ضمن نظام قانوني بطريركي لم تعد قادرة على تحمّله. وهي مستعدة من أجل التغيير بأن تتّخذ أيّ تدبير يؤدي إلى تحول في حياتها. وهم ثانياً مجموعات شبابية تريد بناء اقتصاد مستقل عن الدولة ، قطاع خاص قانوني حيث الربح من ناحية ودفع الضرائب من ناحية ثانية تحصل معه دورة اقتصاديّة طبيعيّة في اساس الدولة الحديثة. يضاف اليهم اخيرا موظّفو القطاع العام والشباب العاطل عن العمل والذي يحمل شهادات جامعيّة ويريد تأمين موارد عيشه.

    كل هذه الفئات كانت “تغلي”..كان يكفي لمجموعة صغيرة مبادرة، وفي ظرف معيّن ووفق علاقات معيّنة، بأن تشعل شرارة. أطلقت حركة لم يفهمها النظام القديم كونه معتاد على الأحزاب القديمة التي تدعوا إلى التظاهرات وتحمل اليافطات (الحراك التقليدي). فاعتقدت هذه الأنظمة أنّ هناك أولادًا يلعبون ولكن تبيّن أن هناك شيء ما تغيّر وبالعمق وبأسلوب العمل السياسي، وقد تأخّرت الأنظمة وأجهزتها لفهمه…

    هل تخضع هذه الجردة لجدلية “المركز” و”الطرف”؟

    في سوريا بدأ التحرّك الحالي في الأطراف. نتحدث عن أطراف المدن، كريف دمشق وريف حلب ودرعة ودير الزور، حيث لم يتمكّن السواد الأعظم من “الدخول إلى المدن” (إنعدام فرص العمل، التخصّص، أو أن يتوفر المسكن). بمعنى آخر، هؤلاء وقفوا على باب المدن: هناك إستحالة العودة الى الريف، ولا للتقدم الى الأمام فالإندماج بالمدينة.. فغدوا بلا عمل يتوسلون العلاقات الزبائنيّة مع النظام، الذي يوزّع عليهم الوظائف في الشرطة والإدارة العامة و أجهزة الدولة المختلفة.

    فالنظام عنده سياسة ليمسك من خلالها المجتمع، تبدأ بالقمع اللامتناهي وبعدها يرسم نظامًا زبائنيًا شاملاً بحيث إنّ الحق الوحيد الذي تعطيه هذه الأنظمة للناس هو الحق بأن يكون فاسدًا من رجل الجمرك على الحدود الذي يرشى بمبلغ صغير إلى المسؤول السياسي الكبير الذي يرشيه من يطمح ليصبح نائبًا أو لينفّذ مشروعًا اقتصاديًا (عندما يكون النظام راض على المستثمر يسمح له عندها بالعمل وإلا فالإقفال). فكل الناس يحق لها أن تكون فاسدة وبذلك يصبحوا جميعًا متّهمين ومشاركين مع النظام.

    وهل “الربيع العربي” هو انتقام المدينة والفرد؟

    هو ليس انتقامًا، إنّما حركة رفضيّة منبعها المدينة ومشروع فرد في طور التكوين.الأنظمة الدكتاتوريّة (وحتى التشريع العربي) لا ينظر إلى الفرد كعنصر قائم بذاته، إنّما يراه عبر الكتلة التي ينتمي اليها، أي العائلة والطائفة والمنطقة (نتحدث عن ثلاثيّة التعريف بالمواطن سواء اللبناني أو العربي: “إنت من وين؟ إبن مين…الخ.”). في “الربيع العربي” تبيّن أنّه بعد عشرات السنين من “الاشتراكيّة والتقدّم” بقيت البنى التقليديّة أقوى بكثير من الدول؛ عندها تصبح الحرب مع النظام حربًا أهليّة أي الأهل ضدّ الدولة والأهل ضدّ بعضهم البعض (أنّ يتقاتل في سوريا السنة والعلويين مثلاً أو في اليمن الشمال ضدّ الجنوب، فهذه حرب أهليّة…).

    ومن هنا فإنّ كل دقّة الحراك السياسي الاجتماعي في منطقتنا أنّه بخطر داهم لأن يتحوّل بسرعة إلى حرب أهليّة بين مكوّنات المجتمع من قبائل وعشائر ومذاهب.

    لماذا اليوم حصل “الربيع العربي”؟

    لا يمكننا كعلماء إجتماع أن نتوقّع الحدث، إنّما نعرض لديناميكيّات اجتماعيّة معيّنة كأن نقول مثلاً إنّ هناك تفاوتًا اجتماعيًا يمكن أن يوصل إلى حالة من العنف أو مثلاً هناك تشريعات لم تعد تلائم الواقع يمكن أن تؤدي إلى حالة رفض، أو مثلاً “الإنتلجنسيا” لم تعد تحتمل الوضع وستنتقل إلى صفوف المعارضة وغيره، أما القول كيف ومتى فلا يمكن معرفة ذلك (دون إغفال عامل الصدفة والتي تلعب دورها في التاريخ).

    بدأ الحديث عن عودة ما للعامل أو للنزعة الدينيّة مع “الربيع العربي”، علمًا أنّ الأنظمة السابقة كانت علمانيّة؟

    الحقبة القوميّة كانت علمانيّة لكن بشكل سطحي أما في العمق فهي لم تتحرّر من الدين ولم تقم بانفصال حقيقي معه (مثلاً نقلت مفهوم الأمّة من الأمّة الإسلاميّة إلى الأمّة العربيّة). فعلى سبيل المثال موضوع صلاة الجمعة: لقد دجّنها عبد الناصر عبر فرض نصّ موحد على كل رجال الدين قراءته. فالدولة لم تقطع مع الدين إنّما استخدمته، وبقي الشعب المتديّن على تديّنه…ما حصل اذا هو تسوية مع الحالة الدينيّة والأنظمة استعملت علمانيّة ظاهرة بمثابة قشرة فقط، ما اضطرّهم في مرحلة لاحقة إلى “العودة” الى التعامل مع الحالة الدينية على اعتبار أنّ الاسلاميين هم حقيقة في المجتمع، كما حصل مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات.

    إذًا العلمنة التي حصلت في العالم العربي هي مجتزأة وغير صحيحة وفيها تكاذب، ولم تقطع مع فكرة المقدّس والمرجعيّة اللاهوتيّة. اليوم نشاهد تجربة تركيا حيث حصلت العلمنة بالعنف والآن هي تقدّم أنموذجًا نقيضًا للأنموذج الإيراني يريد مصالحة الإسلام مع الحداثة والديمقراطية.

    الحديث مع الدكتور ملحم شاوول شيق، طويل ومتشعب. إكتفينا بهذا القدر، وأن نختم بما تمنّاه في نهاية محصّلة حواره معنا حيث قال: “شباب ربيع العرب سوف يلعبون دورًا مهمًا جدًا، ينشئون تكوينًا جديدًا يستلم مقاليد الحكم، وأتمنّى أن ينجحوا لأنّ لاشيء مؤكّد بعد لجهة نجاحهم. فهؤلاء تجمعهم مصيبة القمع ومصيبة المعاناة، ولذلك عندما سيصلون إلى التفاصيل سيدخلون في نقاشات وعليهم أن يعرفوا كيف يتحاورون. نقول ذلك كون الديمقراطيّة تقوم على أمرين–لم نتعلمها نحن في لبنان حتى اليوم– وهما: كيف يتم الحوار للوصول إلى نتيجة وكيف نحلّ سلميًا النزاعات.

    Leave a Reply