• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    كلمة النائب مصباح الأحدب في جلسة مناقشة البيان الوزاري للحكومة في 11 آب 2008

    Misbah_Ahdab دولة الرئيس، حضرة الزملاء،

     بداية اسمحوا لي ان أؤكد بالفم الملآن اننا ملتزمون التزاما تاما باتفاق الدوحة بكل مندرجاته، تحدونا الرغبة العارمة والصادقة بالخروج من هذه الانقسام السياسي الخطير لذي لم يشهد لبنان اخطر منه في تاريخه الحديث، وباطلاق الحوار الجدي توصلا الى توحيد الرؤية حول مستقبل هذا الوطن الذي لا بديل لنا جميعا عنه،

    نعم يا دولة الرئيس، تحدونا ايضا الرغبة العارمة والصادقة بالخروج نهائيا من منطق الشارع ومنطق العنف والقوة والتخوين، تحدونا الرغبة الصادقة بالعودة الى منطق الحق، منطق الدولة، منطق المؤسسات، منطق حل الخلافات والتباينات بالحوار الموضوعي الهادىء، منطق الكلمة السواء، المنطق الذي يشكل جوهر ثقافتنا المدنية والدينية، المسيحية والاسلامية على السواء، بكل مذاهبها واطيافها من دون استثناء.

    ايها الزملاء الكرام،

    ان رغبتنا العارمة والصادقة هذه والتزامنا بالتهدئة والتوجه نحو الحوار، لم تحبطها ولن تحبطها تهديدات مؤسفة من هنا وتعابير فاقعة من هناك، بل نعتصم بحبل الصبر ونسلك سلوك المؤمن الصبور الغيور على وطنه واهله، مهما بدر ومهما حصل.

    لكن رغبتنا هذه والتزامنا هذا لا يكتملان من دون المصارحة والمكاشفة، نعم المصارحة الهادفة الى الاستفادة من عبر الماضي ودروسه من اجل بناء رؤية مشتركة للمستقبل. اما التجاهل والانكار فقد يفيدان في التأجيل لكنهما لا يحولان دون التأجيج. وحدها المكاشفة الصادقة الصريحة تحول دون هذا وذاك.

    ان ابلغ دروس واستنتاجات المرحلة الاليمة السابقة هو ان استعمال القوة قد يحدث تغييرا في ظاهر الأشياء وعلى مسطحات الأوضاع، لكنه لا يذهب عميقا ولا يدوم طويلا. وحدها المبادئ والقناعات تذهب أبعد من السطح الى الأعماق والنفوس فتحفر علامات التغيير والتقدم. خمسة وأربعون ألف رأس نووي امتلكها الاتحاد السوفياتي السابق لم تمنع رياح التغيير التي تجمعت في النفوس من أن تسقط بنيانا بلغ حدود العملاق الكوني، ولم تمنع هدم جدار برلين. جبروت القوة الأميركية وجيوشها الجرارة لم تحل أزمة العراق، فتحول استعمال القوة مأزقا لمن اختاره. تاريخ طويل من التفوق العسكري الإسرائيلي على مجموع الجيوش العربية لم يعط إسرائيل أمنا أو حلا يحقق أهدافها او يضمن تفوقها.

    ايها الزملاء،

    تلك حقائق من تاريخ طويل من الصراعات بين أطراف تفصل بينها عداوات جوهرية، ومصالح متناقضة الى أبعد حدود، أما استعمال القوة لحل الخصومات السياسية داخل الوطن الواحد، فانه إضافة لعدم جدواه كما تثبت العبرة التاريخية، يشكل خطيئة لا يمكن تجاوزها إلا باستخلاص عبرها بكل تواضع، وبالالتزام الصادق بعدم اللجوء إلى العنف ثانية أو العودة للتلويح به. ومن دواعي الارتياح ان يكون هذا الامر قد تم تأكيده مبدئيا في اتفاق الدوحة برعاية جامعة الدول العربية ودولة قطر الشقيقة، ومن ثم تم التشديد عليه في البيان الوزاري للحكومة الجديدة.

    دولة الرئيس،

    لقد جاء التأكيد في النصّ كتابة ليفتح عيوننا جميعا على مشهد أبلغ مدى وأكثر شمولا؛ فها هو المجلس النيابي يفتح أبوابه ليعود الصراع السياسي الى مكانه الطبيعي، حجة تواجه حجة وموقفا يحاور موقف، ولتعود موازين القوى الى حيث قررتها الانتخابات النيابية: أكثرية برلمانية لها كلمة الفصل في القرارات، وأقلية تواجه وتصوب وتعترض وتشارك طبقا لحجمها في التوجهات الوطنية الكبرى، وان كانت الظروف قد قضت استثنائيا بان تتواجد هذه وتلك معا في حكومة وحدة وطنية جامعة، وقد عاد الى رئاستها من هو جدير بذلك اي دولة الرئيس فؤاد السنيورة.

    وهاهو موقع رئاسة الجمهورية يستعيد مكانته حكما بين اللبنانيين وناظما لعلاقة سوية بين المؤسسات الدستورية، وفي سدتها اليوم رجل وطني ونزيه وقادر هو العماد ميشال سليمان.

    وهاهو وسط بيروت يعج بالحيوية والسهر والفرح والسياحة والازدهار نافضا عنه غبار الشلل والحصار والتوتر. وهاهو صيف لبنان يعود لألقه المعهود. هاهو لبنان الانفتاح والحداثة يشق طريقه مرة أخرى نحو المستقبل. نعم يا دولة الرئيس خيار الحياة في لبنان أقوى من الموت.

    هل هذا كل شيء ايها الزملاء؟ كلا ويا للاسف الشديد. الوجه الآخر لواقعنا اليوم هو استمرار الممارسات الميليشوية في العديد من الأماكن، سواء في بعض احياء بيروت التي لم تلتئم جراحها بعد او في مناطق أخرى. وقد استفاض زملاء لنا في التعبير ببلاغة ودقة عن واقع بيروت العاصمة، عاصمة كل اللبنانيين، وانا أؤيدهم بشدة ولن اكرر ما جاء على ألسنتهم.

    اما طرابلس، فما زالت على حالها تنزف منذ اكثر من ثلاثة اشهر، وما زال فقراؤها يصلون بنار فقرائها. واسمحوا لي ايها الزملاء أن استعير كلاما لكبير من رجالات لبنان، هو سماحة الامام موسى الصدر الذي لا يجب ان نألو جهدا لكشف مصيره ورفيقيه، وكنت اتمنى لو اخذ مجلس الوزراء باقتراح معالي الوزير ابراهيم شمس الدين حول هذه القضية. قال الامام الصدر: “لا يتعافى لبنان وجنوبه ينزف”. ونحن نقول اليوم لكل مسؤول وفي كل موقع:

    “لا يتعافى لبنان وجراح طرابلس نازفة”. ما اشبه اليوم بالبارحة. بعض أحياء طرابلس ينزف دما، والأحياء ذاتها تنزف فقرا، تماما كما الجنوب في مطلع السبعينات. نزيف الدم يفاقم الفقر، واستفحال الفقر يفاقم نزيف الدم. وما يفاقم هذا وذاك فقدان العدل وفقدان الحزم.

    الأمن يكون شاملا وحازما وعادلا او لا يكون. فبأي منطق يصح أن يصادر سلاح فردي في منزل او على حاجز إذا لم يكن مرخصا، في حين تتحول القوات الشرعية المسلحة الى قوات فصل بين متحاربين عند خطوط تماس مستحدثة ومرفوضة؟ المواطن العادي في طرابلس يحول الى القضاء العسكري ويعامل كارهابي إذا وجد سلاح فردي في بيته، أما من يستخدم سلاحه في الشارع للاعتداء على الآمنين فلا يلاحق ولا يعاقب بل يتم التعامل معه بالتراضي وبتبويس اللحى كي يكف عن اعتداءاته.

    ان أمن المواطن خط أحمر، فلا وطن يستحق هذه التسمية من دون ذلك. والقوى الشرعية من جيش وقوى امن مدعوة لأن تأخذ دورها كاملا فارضة الأمن على الجميع. فلتترك العظات والتبشير بالمحبة والمصالحة والغفران لرجال الدين الأجلاّء فهذا دورهم، ولتأخذ قواتنا المسلحة بكل تشكيلاتها دورا أنيط بها فتدربت عليه وصرفت كل الإمكانيات لها لتقوم به.

    ولتكن بلسمة جراحات طرابلس وتثبيت الامن فيها خطوة أولى على طريق إنصافها، تنمية وعمرانا وخدمات تليق بمدينة قيل مرارا أنها “عاصمة لبنان الثانية”. ولأكن صريحا فأقول “ما هكذا تعامل العواصم”!

    ان معالجة الوضع في طرابلس لا يمكن ان تتم بمعزل عن اهلها وممثليها او من وراء ظهرهم. مصير المدينة وامنها لا يقرر في الغرف المغلقة وبالاجتهادات الغامضة التي تحرم سلاحا وتجعله غوغائيا ومشبوها فيما تتغاضى عن سلاح آخر وتعطيه شهادة مزعومة في الوطنية والمقاومة. كل هذا غير مقبول. وحده تطبيق القانون على الجميع هو المقبول.

    على صعيد آخر، وفي البيان الوزاري نقرأ سطرا واحدا عن طرابلس يقول: “تلتزم الحكومة مساعدة المتضررين من جراء الحوادث الامنية في بعض المناطق اللبنانية، وبصورة خاصة المتضررين في مدينة طرابلس”. نريد من دولة رئيس مجلس الوزراء التزاما قويا وجوابا تفصيليا واضحا عن الترجمة العملية لهذا الكلام. على سبيل المثال لا الحصر، هناك نحو الف اسرة طرابلسية هجرت في الاسابيع الاخيرة من منازلها التي دمر اغلبها، وهي تعيش اليوم في المدارس على بعض المساعدات الاجتماعية المشكورة. كيف ستعالج الحكومة وضع هؤلاء وغيرهم؟ نأمل الا تكون على شاكلة المعالجة لعام 1986 حيث لم يقبض معظم مهجري تلك الحقبة حقوقهم حتى اللحظة.

    نموذج آخر عن التمييز في حق طرابلس. العميد فضيل الادهمي نكل به اثناء عهد الوصاية تماما كما حصل مع غيره من الضباط ومنهم العماد ميشال عون ورفاقه. وهو يستحق ان يستعيد حقوقه الوظيفية والمالية تماما كما غيره.

    دولة الرئيس، ايها الزملاء،

    باختصار، ان امن طرابلس وامن لبنان عموما هما مادة الامتحان الاساسية لهذه الحكومة ولشعار الوحدة الوطنية. ان لم يستتب الامن في طرابلس وبيروت وفي كل لبنان، كيف ستتمكن الحكومة من تنفيذ ما تبقى من برنامجها؟

    دولة الرئيس،

    الحزم اساس الامن، والعدل اساس الامن. اشعر بالالم والاسى لا بل بالخجل عندما اسمع انه لا زال هناك في لبنان ممارسات تنتهك فيها حرمات وكرامات الموقوفين. لا يجوز بحال من الاحوال ان تبقى بعض الانتهاكات التي تمارس في الغرف السرية حيث تحصل ابشع اشكال التعذيب ونزع الاعترافات بقوة تكسير العظام. وهذا ينتج احكاما مشكوكا بعدالتها. اين القضاء اللبناني حامي العدالة وحقوق الانسان الاساسية؟ الى متى يسمح القضاء ان يتم توقيف لبنانيين لمجرد الشبهة وتعذيبهم وسحقهم واهانتهم وتركهم سنوات من دون محاكمة.

    ان الواقع الحالي ان استمر لن يولد الا العنف وردات الفعل الانفعالية. وكأن هذا هوالمطلوب. فلماذا يبقى القضاء خاضعا لمعادلة الأحكام المسبقة بين فئات محظية ومحمية وفئات مشبوهة سلفا ومحكومة سلفا. اذا ضبطت بندقية في بيت احدهم (نموذج عن ذلك، المواطن احمد مدحت الحلو من القلمون)، صنف فورا ارهابيا حتى لو قرر قاضي التحقيق ان الموقوف ليس ارهابيا؛ ومن استخدم السلاح في الشارع، ليس كذلك! ما هي هذه المعادلة؟ هل سيبقى الامر مرتبطا بمزاجية مفوض الحكومة لدى القضاء العسكري؟ هل هكذا تبنى الدول العادلة المستقلة المحترمة؟ هل هكذا تبنى دولة الحق والعدل والقانون؟

    دولة الرئيس، ايها الزملاء،

    البيان الوزاري الذي نناقش اليوم تضمن جهدا مميزا لاعادة الاعتبار الى الدولة، مرجعية ومفهوما وصلاحيات. وهذا ما يمكن تلمسه بكل وضوح في الفقرة السابعة من هذا البيان التي ورد فيها “إن الحكومة تؤكد تمسكها بمبدأ وحدة ومرجعية الدولة في كل القضايا المتعلقة بالسياسة العامة للبلاد، بما يضمن الحفاظ على لبنان وصون سيادته الوطنية، ناظما لتوجهاتها وقراراتها والتزاماتها. وهو المبدأ الذي يحكم كل فقرات البيان الوزاري”. انتهى النص.

    غير ان رفض المعارضة بكل اطيافها وبالتكافل والتضامن تأكيد هذا المبدأ في الفقرة المتعلقة بادارة الصراع مع اسرائيل اي الفقرة 24، كما اقترح زميلي وصديقي الوزير نسيب لحود، يطرح علامة استفهام كبرى لم تبددها الردود والتبريرات التي سمعنا حتى اليوم. هل الصراع مع اسرائيل شأن خاص ام شأن عام يخص كل اللبنانيين دون استثناء؟ هل المساهمة المميزة التي قام بها حزب الله في تحرير الجنوب تعطيه حقا ابديا في احتكار قرار السلم والحرب؟ اذا لم تكن الدولة ومؤسساتها هي الاطار المقرر في هذه المسائل، فأين يجب ان يكون القرار؟ قبل اتفاق الدوحة كنا نسمع كلاما (لا نوافق عليه بالطبع) مفاده ان الحكومة لا تمثل جميع اللبنانيين، فما هي الحجة اليوم ونحن نقف امام حكومة وحدة وطنية يمتلك فيها حزب الله وحلفاؤه الثلث المعطل؟

    اليست هذه الحكومة جديرة بالثقة في نظر حزب الله كي توكل اليها ادارة الصراع مع اسرائيل؟

    اما نحن يا دولة الرئيس، فرغم علامات الاستفهام تلك حول سلوك المعارضة (وواجبنا ان نذكرها انها لم تعد معارضة بل اصبحت جزء من الحكومة ويفترض في الاصل انها جزء من الدولة)، فان قراءتنا الدستورية والوطنية والسياسية (واكاد اقول البديهية) للفقرة 24 هي ان الدولة اللبنانية ومؤسساتها هي الجهة المقررة والناظمة والمسؤولة عن كل الملفات والحقوق التي تنتهكها اسرائيل، والدولة اللبنانية تلتزم القرار 1701 اطارا وآلية لتحصيل هذه الحقوق واهمها استعادة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من الغجر، وهي تعتزم وضع استراتيجية دفاعية شاملة من خلال الحوار برعاية فخامة رئيس الجمهورية.

    دولة الرئيس،

    نقول بكل صراحة اننا، حيال استمرار التهديدات الاسرائيلية، نريد ان تحتفظ الدولة اللبنانية بكل اوراق القوة، بما فيها قدرات حزب الله المعروفة. لكننا نريد ان تكون هذه الاوراق في كنف الدولة. في المقابل، لا نريد حربا جديدة ولا عدوانا اسرائيليا جديدا. وفي هذا المجال لا صحة اطلاقا للادعاءات الاسرائيلية المشبوهة والمعروفة الاهداف ان لبنان والحكومة اللبنانية يحضران لتغطية حرب جديدة. في مطلق الأحوال، لا تفويض في البيان للذهاب لحرب جديدة على أرض لبنان أو للقيام بأية تحركات قد ينزلق لبنان من خلالها الى هذه الحرب، وأية ممارسات قد تؤدي لهذه الحرب ستكون خروجا على البيان الوزاري، وتعريضا لأهلنا في الجنوب وكل لبنان لمزيد من الآلام والخسائر والدمار.

    دولة الرئيس، ايها الزملاء،

    فلنفتح قلوبنا وعقولنا لبعضنا البعض. فلنعد اللحمة الى هذا الوطن والاطمئنان الى اهله وبنيه. فلنعد ثقة الشباب به مكانا للعيش الكريم والبحبوحة والازدهار. فلنقف جميعا خلف رئيس الجمهورية في جهوده لتصحيح العلاقات اللبنانية-السورية وادارة الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية. فلنعط هذه الحكومة فرصة تثبيت الامن وتحريك الاقتصاد واجراء انتخابات نيابية حرة ونزيهة وديموقراطية، انتخابات تنافسية وغير تصادمية.

    عليه، انني امنح الثقة لهذه الحكومة ولرئيسها رجل الدولة فؤاد السنيورة.

    Leave a Reply