نسيب لحود: المصالحة الوطنية هي الموضوع الجوهري لانها تؤمن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي
مقابلة أجرتها الصحافية مي عبود مع وزير الدولة، رئيس “حركة التجدد الديموقراطي” نسيب لحود، نشرتها مجلة “الأسبوع العربي” في 21 تموز 2008.
رئيس حركة التجدد الديموقراطي يتحدث إلى “الأسبوع العربي”.
حدثان كبيران ميزا الاسبوع الفائت: ولادة حكومة الوحدة الوطنية يوم زفاف ابنة رئيس الجمهورية ميشال سليمان ما ضاعف فرحته فرحتين، وزيارته الناجحة الى فرنسا التي زادت من رصيده الوطني والشعبي بعدما انتزع من سوريا اعترافاً شفهياً باستقلال لبنان ينتظر تثبيته عملياً بالتبادل الدبلوماسي بين البلدين، وانطلاق عملية استرداد مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. وها هو نسيب لحود الذي سبق وحمل لقب مرشح لرئاسة الجمهورية وانتخب نائباً عن المتن الشمالي وكان سفيراً للبنان في واشنطن، يضيف الى رصيده لقب وزير بعد تسميته وزير دولة في حكومة الوحدة الوطنية التي يمثل فيها مسيحيي قرنة شهوان. لماذا اختير لحود للوزارة؟ وما هي اولوياته فيها؟ كيف ينظر الى العلاقات الدبلوماسية بين لبنان وسوريا؟ اي خطر يهدد قوى 14 آذار؟ وهل سيخوض الانتخابات النيابية المقبلة؟ واسئلة اخرى حملناها الى الرئيس الدائم لـ”حركة التجدد الديموقراطي”.
هل تمت تسميتك وزيراً في هذه الحكومة لتفادي مشكلة بين اطراف 14 آذار المسيحيين؟
لا اعرف بالظبط الظروف التي ادت الى تسميتي. كنت مسافراً واتصل بي الرئيس فؤاد السنيورة عشية تأليف الحكومة وعرض علي الدخول فيها وقبلت. وفي كل الأحوال اعتبر ان حلفائي في 14 آذار جديرون بأن يمثلونا، ولا أحد يمكنه المزايدة بوطنيته على الآخر.
لكن الخلافات ظهرت على العلن وكتبت في الإعلام.
التنافس مشروع. وهناك زملاء عدة كانوا يرغبون في أن يخدموا في إطار هذه الحكومة. الأمر ليس خلافاً بل تنافس على الخدمة.
لماذا لم تتسلم حقيبة وزارية؟
عرض علي الرئيس السنيورة تولي حقيبة، لكن في هذا الظرف بالذات اعتبر أن الملفات السياسية هي الطاغية ولها الأولوية، وفضلت أن أكون متفرغاً لأتمكن من تكريس وقتي للملفات السياسية الكبرى التي تواجه البلد.
ما هي هذه الملفات برأيك؟
اولها المصالحة الوطنية التي تؤدي الى الاستقرار والى نمو اقتصادي يسمح بتخفيف آلام اللبنانيين، تليها قضية العلاقات اللبنانية – السورية التي تحتاج الى تصحيح ومعالجة، وأخيراً وليس آخراً تأمين الأجواء الصالحة للوصول الى انتخابات نيابية تكون تنافسية ولكن غير صدامية. هذه مجموعة من الأمور تستحق أن يتفرغ الإنسان لها.
كونك وزيراً كيف ستعمل على هذه الملفات؟
الوزير في لبنان لديه مهمتان: الأولى المشاركة في القرار السياسي في مجلس الوزراء وكون المجلس هو المؤتمن على السلطة التنفيذية فكل وزير هو شريك فيها، والثانية اتخاذ القرارات، وآمل أن أقدم مساهمتي بهذه الطريقة.
هل لديك تصور لتعرضه على مجلس الوزراء حول هذه الملفات؟
كلا. أعرف أن هذه الامور ستطرح وسأشارك في النقاش.
اهالي المعتقلين في السجون السورية يطالبون بتولي وزير دولة قضيتهم. هل توافق على حمل هذا الملف؟
هناك ملفات عدة مطروحة من ضمن ملف العلاقات اللبنانية – السورية التي بدأت اليوم بموضوع العلاقات الدبلوماسية وفتح السفارات بين البلدين، وهذا ما أعلن من خلال زيارة الرئيس ميشال سليمان إلى فرنسا. لكن العلاقات الدبلوماسية ليست المشكلة الوحيدة بين البلدين. فقضية المعتقلين ملف مهم جداً ويستحق أن يعطى كل الاهتمام، وكذلك موضوع مزارع شبعا وتعاون الحكومة السورية في معالجته أمر مهم للبنان وللاستقرار في هذه المنطقة. كل الملفات المطروحة بين لبنان وسوريا بما فيها موضوع المعتقلين تستحق كل الاهتمام.
هل تعتقد ان هذه الحكومة ستكون اسماً على مسمى “حكومة وحدة وطنية” ام ستكون حكومة العراقيل والتعطيل كما وصفها البعض؟
نحن مجموعة 14 آذار داخلون إلى هذه الحكومة بروح التعاون والانفتاح لحل كل القضايا المطروحة. وآمل أن تكون جميع الأطراف التي دحلت إلى الحكومة تحمل الذهنية ذاتها ولا يوجد سبب يخالف هذا التصور. امر طبيعي ان يدور نقاش داخل مجلس الوزراء و أن يحصل اختلاف في الرأي في بعض الأمور، ولكن الآليات الديموقراطية هي الكفيلة بحل هذه الأمور. وأي موضوع خلافي على الصعيد الوطني الكبير يمكن أن يحال الى لجنة الحوار الوطني. لذلك عندنا آليات دستورية وعندنا آليات من خلال لجنة الحوار تمكننا من الوصول الى الخيارات الوطنية التي يتوافق عليها الجميع.
ألا تتخوف من استعمال سلاح التعطيل مرة أخرى؟
اللعبة الديموقراطية تفترض النقاش، ولكن إذا لم يحصل الإجماع في النهاية هنالك آليات ديموقراطية آمل ألا تستعمل للتعطيل لأنه ليس من مصلحة اللبنانيين الذين دفعوا ثمن التعطيل غالياً عدم استقرار وكلفة اقتصادية كبيرة. وأعتقد أن جزءاً من آلام اللبنانيين اليوم ناتج عن تعطيل الآليات الدستورية والتعاطي خارج سياقها.
ما هي العناوين الأساسية التي يفترض أن تعالجها الحكومة خلال هذه المدة القصيرة غير الإعداد للانتخابات النيابية؟
اعتبر أن المصالحة الوطنية هي الموضوع الجوهري. في ظل مصالحة وطنية حقيقية يصبح التقدم أسهل لأنها تؤمن الاستقرار السياسي والأجواء الاقتصادية التي تسمح بمعالجة المواضيع الاجتماعية وهي معاناة لا تطاق بالنسبة إلى المواطنين من نواحي كلفة الطاقة والمازوت والمواد الذي شهد العالم كله ارتفاعاً كبيراً لها. لذلك أعتقد ان الاستقرار السياسي يؤدي إلى انفراجات على الصعيد الاقتصادي وهي تؤدي بدورها إلى انفراجات على الصعيد الاجتماعي، وهذا هم كبير. كذلك يحتاج موضوع العلاقات اللبنانية – السورية إلى معالجة وما حصل في باريس هو خطوة أولى جيدة، اضافةً الى التحضير للانتخابات النيابية. وأخيراً ملف سلاح المقاومة وطريقة إدارته وهذا موضوع حواري بامتياز وسيخضع للحوار برعاية رئيس الجمهورية.
أليست هذه المواضيع هي ذاتها مواضيع الحوار الوطني؟
لجنة الحوار وجدت صياغات للبعض منها لكنها لم تطبق. وقد تكون آليات التطبيق بالأهمية عينها للتوافق الذي حصل. أعتقد أنه بوجود حكومة وحدة وطنية مثل حكومة اليوم ورئيس جمهورية يتمتع بثقة اللبنانيين، يملكون القدرة على تنفيذ قرارات اتخذت بالإجماع بالوسائل الديموقراطية وبالتوافق.
تقصد ان هذه الحكومة يجب أن تطبق القرارات التي تم الإجماع عليها في مؤتمر الحوار؟
من دون شك.
ما هي ملفات الحوار الأخرى غير الاستراتيجية الدفاعية الباقية منذ عامين؟
إذا تمكن مؤتمر الحوار من معالجو موضوع سلاح المقاومة فسيكون إنجازاً كبيراً. وبرأيي لا يوجد خلاف بين اللبنانيين حول موضوع الصراع العربي – الإسرائيلي، فلبنان موجود بشكل فاعل في المعسكر العربي والدفاع عن حقوق الفلسطينيين واسترجاع الأراضي المحتلة، لكن هناك تباين حول طريقة معالجة هذا الملف والأدوات التي يجب أن تستعمل. ومن الطبيعي أن يكون هذا الموضوع هو الأساس في مؤتمر الحوار الوطني.
كونك سفيراً سابقاً ما هي أهمية قبول سوريا إقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان؟ ومن أين البداية؟
الأهمية الكبرى في التبادل الدبلوماسي بين لبنان وسوريا تكمن في الإعلان غير الملتبس من قبل سوريا انها تحترم استقلال لبنان وسيادته كأي دولة أخرى في العالم. هناك أهمية رمزية كبيرة لفتح السفارات. اضافة الى ذلك ان تبادل السفارات هو الوسيلة المعتمدة دولياً ومنذ مئات السنين لمعالجة القضايا الثنائية بين البلدين. هناك مصلحة لسوريا وللبنان في التبادل على مستوى السفراء والتطرق بإيجابية لمعالجة المشاكل المطروحة مثل انتقال الأشخاص والبضائع والترانزيت وقضية ترسيم الحدود… هناك أيضاً موضوع المحكمة الدولية التي يجب إخراجه من إطار العلاقات الثنائية بين البلدين ويبقى مؤتمناً لدى الأمم المتحدة.
البعض يخشى أن تتحول السفارة السورية في لبنان إلى ما يشبه مقر عنجر. ما رأيك؟
الهدف من إقامة العلاقات الدبلوماسية هو تعزيز سيادة واستقلال البلدين وليس خلق وسائل وصاية رديفة. آمل أن تكون سوريا اقتنعت أن عهد الوصاية انتهى وانه حان الوقت لعلاقات محترمة ومتوازنة بين لبنان وسوريا.
اعتبر الرئيس ميشال سليمان ان مسيرة استعادة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا بدأت. هل توافقه الرأي؟
هذا صحيح. اعتقد ان الرئيس سليمان حصل من الامم المتحدة على تعهد بأن هذا الملف سيعالج من قبلها بجدية وبالوسائل الدبلوماسية.
الرئيس بشار الأسد اعترف أيضاً بأن المزارع لبنانية. هل تعتقد أن هذا الامر كافٍ؟ وما المطلوب؟
المطلوب هو: بما أن موضوع مزارع شبعا مطروح بأسئلة حول لبنانيتها أو سوريتها، فلسوريا دور أساسي في بلورة هوية هذه المنطقة وترسيم الحدود بين لبنان وسوريا بشكل واضح فتعود الأرض اللبنانية إلى السيادة اللبنانية والأراضي السورية إلى السيادة السورية.
الكرة الآن في ملعب من؟
في ملعب الأمم المتحدة وملعب سوريا التي يطلب منها أن تبدي تعاوناً كاملاً مع هذا المجهود الدولي الذي سيعالج مشكلة مزارع شبعا.
ولكن هناك أيضاً إسرائيل التي لديها تحفظات حول هذا الامر!
لا شك عندي في أن المعطل الأكبر سيكون اسرائيل. ولكن نحن كطرف عربي لبناني وسوري علينا أن نبدي تعاون مع الأمم المتحدة ليظهر جلياً انه اذا كان هناك من عوائق فهي من طرف اسرائيل.
كيف تقوم زيارة الرئيس سليمان إلى فرنسا؟ وما هي النتائج التي اسفرت عنها برأيك؟
أولاً: شارك الرئيس سليمان في مؤتمر اتحاد المتوسط وهذه خطوة مهمة للتعاون بين الدول في هذه المنطقة من العالم. ثانياً: عززت هذه الزيارة العلاقات اللبنانية – الفرنسية، وفرنسا لعبت وتلعب دوراً مهماً في مساعدة لبنان على استعاجة سيادته وحيويته. ثالثاً: نجح الرئيس سليمان في الحصول على تعهد سوري للتبادل الدبلوماسي على مستوى السفراء، وهذا انجاز مهم وخطوة اولى في مسيرة تصحيح العلاقات بين لبنان وسوريا.
يعتبر الجميع ان الانتخابات المقبلة مفصلية وصعبة وستفرز واقعاً جديداً في البلد. هل برأيك قانون الستين سيفرز حقيقةً هذا الواقع الجديد في الحياة السياسية؟
قانون الـ1960 لا يمثل طموحنا كقانون انتخابات. نحن في “حركة التجدد الديموقراطي” كانت لنا مساهمة في أعمال لجنة فؤاد بطرس وقدمنا مشروع قانون للانتخاب هو مزيج بين النظام الأكثري والنظام النسبي، لأننا نعتقد وبصدق أن ادخال قسم من النسبية الى القانون الانتخابي شيء مهم بالنسبة الى الحياة الديموقراطية في لبنان. لكن الظروف لم تسمح بقانون عصري للانتخابات وتمت تسوية على قانون 1960 بين جميع الفرقاء الذين قبلوا فيه، ولذلك علينا أن نخوض المعركة على هذا الأساس. ولكن لا ننسى أن هنالك إصلاحات جوهرية اعتمدت من قبل اللجنة يجب إدخالها تدريجياً في العملية الانتخابية ليس أقلها خفض سن الاقتراع إلى 18 سنة، وتشجيع مشاركة المرأة، والحد من تأثير المال في العملية الانتخابية، وتنظيم الإعلام والإعلان الانتخابيين وغيرها من الأمور التي تؤمن للناخب اللبناني التمثيل الصحيح. المهم أن نصل الى الانتخابات المقبلة بجو تنافسي وليس تصادمياً، وأن نقبل جميعاً بنتيجة هذه الانتخابات التي قبلنا جميعنا بالقانون الذي سيرعاها. ويبقى على الحكومة وعلى وزير الداخلية بالذات بإشراف رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة تأمين أجواء انتخابات حرة لا تشوبها اية شائبة.
هل تعتقد أن فرزاً سياسياً جديداً سيحصل بنتيجة هذه الانتخابات؟ وهل ستتغير الخريطة السياسية في البلد؟
اعتقد ان الانتخابات ستخاض على أساس الاتفاقات السياسية الكبرى التي نعرفها، وستبقى قوى 14 آذار متماسكة وكذلك قوى 8 آذار. اما نتيجة الانتخابات فتتعلق بالناخب اللبناني. لكنني اعتقد ان قوى 14 آذار عندها من الوضوح في الرؤية السياسية حول قضية بناء الدولة ما يؤهلها لأن تعود الى مجلس النواب بأكثرية نيابية.
شدد الرئيس سليمان على واجب تأمين حقوق المغتربين وإشراكهم في كل أمور الوطن وخصوصاً الانتخابات. هل ستعمل الحكومة على مشروع لإشراكهم في الاقتراع؟
الخطوة الأولة تكمن في تأمين الانتخابات للبنانيين غير المقيمين وأعتقد أن هنالك اجماعاً حول هذا الأمر. لكن الموضوع هو تقني أي أن تتمكن الدولة اللبنانية من تأمين الوسائل التقنية لاقتراع اللبنانيين المنتشرين في العالم، ويجب أن ننكب جميعاً عليه. إذا كان المطلوب، وهو مطلوب، من اللبنانيين غير المقيمين أن يلعبوا دوراً في النهضة الاقتصادية في لبنان فيجب أن نؤمن لهم وسائل التأثير على القرار السياسي بواسطة الانتخاب.
هل من خطر يهدد قوى 14 آذار بالانفراط؟
منذ سنوات وهناك شائعات دائمة عن انقسامات في 14 آذار لكنها غير موجودة. يوجد نقاش ديموقراطي ضمن 14 آذار ينتهي دائماً بتفاهم يحافظ على وحدة الصف.
هل تعتقد أنه بعد تشكيل هذه الحكومة نجت الأطراف المسيحية في قوى 14 آذار من الانفراط؟
لم تكن معرضة للانفراط بأي وقت من الأوقات. هناك طموحات مشروعة من قبل الأعضاء وهي من أجل الخدمة، ولكنني واثق من أن كل عضو في 14 آذار يعتبر أن أي عضو آخر يمثله خير تمثيل. هذا رأيي على كل حال بزملائي.
كونك رجل أعمال هل ترى الفترة المقبلة مشجعة لرجال الأعمال والمستثمرين أم لديهم خوف من الاستثمار في لبنان؟
رجال الأعمال لا يتوقعون أن تحل كل المشاكل في لبنان في شهر واحد. وما يتوقعونه هو أن تنكب الدولة اللبنانية على معالجة هذه الأمور تدريجياً وبشكل موضوعي. وعندئذٍ ستتحول هذه الثقة من رجال الأعمال إلى استثمارات جدية تسمح بخلق فرص عمل والحد من هجرة الشباب. الثقة بالدولة اللبنانية هي مفتاح ثقة رجال الأعمال والمستثمرين ببلدهم لبنان.
هل ستخوض الانتخابات النيابية المقبلة؟
نعم.


