• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    مداخلة انطوان حداد في ندوة مناقشة كتاب اسس سياسة الدفاع اللبنانية

    في ما يلي، نص المداخلة التي ألقاها أمين سر “حركة التجدد الديموقراطي” أنطوان حداد خلال مناقشته لكتاب “أسس سياسة الدفاع اللبنانية” من إعداد رياض قهوجي، يوم الاثنين 14 كانون الأول 2009 في معرض بيروت العربي والدولي للكتاب في مجمع بيال، وسط بيروت:

    بداية اتوجه بالشكر الى مؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري “انيجما” لتنظيمها هذه النودة اليوم، ولتنظيمها قبلا المؤتمر حول اسس سياسة الدفاع اللبنانية والذي جمع اكاديميا وسياسيا على طاولة واحدة (اذا جاز التعبير) كل اطراف طاولة الحوار وذلك قبل انطلاق اعمال هذه الطاولة رسميا في بعبدا تحت رعاية فخامة رئيس الجمهورية.

    والكتاب القيم الذي نناقشه في ندوة اليوم يضم ثمرة اعمال هذا المؤتمر، فضلا عن مساهمة نوعية لمدير عام المؤسسة رياض قهوجي الذي اوجه له تحية تقدير خاصة للجهد المبذول في المؤتمر وفي الكتاب كما في المساهمة الشخصية التي تقدم بها في الخاتمة والتي تتسم بالمقاربة العلمية وبالحفاظ على مسافة موضوعية من الانقسام السياسي الحاد الذي يظلل هذه القضية. بالتالي فان هذا الكتاب ومن دون اي مبالغة سوف يوفر لجميع المعنيين، وخصوصا لاطراف مؤتمر الحوار الوطني حول الاستراتيجية الدفاعية، مادة يمكن القول انها محايدة سياسيا، انما غنية جدا حيث انها تلامس تقريبا كل جوانب الموضوع ولا تهمل اي من وجهات النظر او اي من الهواجس المشروعة التي تعتري الافرقاء المتباينين في لبنان.

    من منطلق الحرص نفسه على المقاربة العلمية والموضوعية لهذه القضية الخلافية، انما ليس بالضرورة من منطلق الحياد نفسه، فانني سوف ابدأ بثلاث ملاحظات تمهيدية:

    1- ان الاستراتيجية الدفاعية لأي بلد او دولة لا تعنى بالبحث عن كيفية التصدي لخطر واحد او لتهديد واحد بعينه، بل لمجمل الاخطار الخارجية المحدقة بالبلد وبمصالحه الوطنية وبمواطنيه. مثلا، ان تحول لبنان الى ساحة مفتوحة للصراع الاقليمي او ساحة مفتوحة للارهاب او لتجدد الاقتتال الداخلي هي كلها اخطار توازي خطر العدوانية الاسرائيلية (الذي لا يختلف اللبنانيون في تشخيص اهميته المحورية).

    2- ان الاستراتيجية الدفاعية لأي بلد يجب ان تكون منسجمة مع دستوره ومواثيقه وقوانينه والتزاماته الدولية. وابرز هذه المرجعيات في الحالة اللبنانية: الدستور، اتفاق الطائف، ميثاق الامم المتحدة وقراراتها، اتفاقية الهدنة لعام 1949، وقانون الدفاع اللبناني الذي يوكل للجيش والقوات المسلحة اللبنانية مهمة الدفاع عن لبنان.

    3- ان الاستراتيجية الدفاعية لأي بلد هي جزء من استراتيجيته العامة المتعلقة بسياسته الخارجية او ادارة علاقاته مع الاقليم الذي ينتمي اليه او مع المجتمع الدولي عموما، وليست حالة مستقلة عن هذه الاستراتيجية العامة. مثلا، اذا كانت الاستراتيجية العامة للبلد المعني تعطي الاولوية للخيارات السلمية والديبلوماسية في التعامل مع قضية ما، لا يمكن في هذه الحالة لاستراتيجيته الدفاعية ان تتمحور حول المقاربات العسكرية والحربية فحسب.

    وبالعودة الى صلب الموضوع، لا بد من توضيح طبيعة التمرين او المهمة المطروحة على طاولة الحوار، اذ ثمة ايحاء مضمر ان البحث جار عن استراتيجية دفاعية للبنان وكأنه لا يوجد حاليا مثل هذه الاستراتيجية. وهذا توصيف غير دقيق. صحيح انه لا يوجد نص شكلي يحمل مثل هذا العنوان، لكن هناك في ارض الواقع استراتيجية فعلية لادارة الملف الاسرائيلي (او المعطى الاسرائيلي) بكل ابعاده وتشعباته، تكرست قواعدها العامة في مطلع التسعينات اي في حقبة الوصاية السورية على لبنان. وبقيت مفاعيل هذه الاستراتيجية مستمرة ونافذة بعد خروج القوات السورية عام 2005. هذه الاستراتيجية تقوم على التسليم الفعلي والواقعي ان ادارة الصراع مع اسرائيل في الساحة اللبنانية تتولاها قوة سياسية حزبية وحيدة تملك جناحا عسكريا يعمل خارج امرة المؤسسات الدستورية للدولة اللبنانية، انما برضاها لا بل عبر توفيرها الغطاء السياسي والقانوني والديبلوماسي (وحتى اللوجستي) لهذا النشاط.

    ولهذه الاستراتيجية عنوان سياسي وان لم يكن رسميا او دستوريا يطلق عليه اصحابها اسم “استراتيجية المقاومة”. وعندما تتحدث وثيقة حزب الله الصادرة حديثا عن “المزاوجة بين المقاومة والجيش في الدفاع عن لبنان” من دون ان تحدد من هي مرجعية القرار السياسي لعمل “المقاومة”، فهي تورد توصيفا مختصرا انما بليغا لهذه الاستراتيجية القائمة اليوم فعليا وعلى ارض الواقع.

    ان هذه الاستراتيجية التي حققت انجازات مهمة حتى عام 2000، تعاني ومنذ انسحاب اسرائيل من معظم الاراضي اللبنانية التي كانت تحتلها، من الاشكاليات التالية:

    1- تقلص الاجماع اللبناني من حولها (او تقلص رقعة عدم الممانعة حيالها)؛

    2- تقلص مشروعيتها الدولية، اولا مع تطبيق القرار 425 ثم بعد صدور سلسلة من القرارات الدولية المقيدة لها آخرها القرار 1701؛

    3- زيادة انكشاف لبنان على عدوان اسرائيلي مدمر جديد؛

    4- زيادة انكشاف لبنان على صراعات المنطقة، وذلك من خلال العلاقة العضوية التي يقيمها حزب الله مع ايران؛

    5- مساهمتها في رفع منسوب التوتر المذهبي والاستقطاب الطائفي، خصوصا بعد احداث 7 ايار 2008.

    6- تعارض هذه الاستراتيجية عموما مع مشروع استكمال بناء الدولة، لانها تحرم الدولة من جزء أساسي من سيادتها واختصاصاتها الحصرية.

    ولا يكفي لتعويض هذه الانكشافات والنواقص، النجاح في فرض صياغات متكررة في البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة تحمل قدرا من التبني الرسمي الضمني لهذه الاستراتيجية او لبعض عناصرها، ولا الضغوط الحثيثة المتواصلة لطمس التباين حول هذا الموضوع او لسحبه من النقاش العام، ولا الاصرار شبه الديني على ان مزايا هذه الاستراتيجية اكثر من نقاط ضعفها.

    ان ابرز المزايا التي يوردها انصار “استراتيجية المقاومة” هي:

    1- تمتع حزب الله بقدرات قتالية يفتقر اليهما الجيش اللبناني؛

    2- القدرة على اقامة توازن رعب صاروخي رادع لاسرائيل؛

    3- المرونة في التكتيك والحركة والقدرة على الافلات من الرد والانتقام، الناجمة كلها عن استقلالية القيادة والامرة؛

    4- استفادة حزب الله غير المحدودة من مصادر السلاح والتمويل الايرانيين، و(حتى اشعار آخر) من الظهير السوري والمعبر السوري.

    بخلاف الاعتبارين الاولين، اي القدرات القتالية والصاروخية الرفيعة لحزب الله وخبرته الطويلة في التعامل مع العدو الاسرائيلي والتي يمكن الاستفادة منها في كنف الدولة اللبنانية، فان الاعتبارين الاخيرين، اي المرونة والقدرة على الافلات من الرد والاستفادة من الدعم الايراني، يحملان في طياتهما من الاثمان والمحاذير والمخاطر اكثر بكثير من المزايا، اذ صحيح انه هناك صراع عربي-اسرائيلي لكن هناك ايضا صراع اقليمي على استحواذ الورقة الفلسطينية والورقة اللبنانية في هذا الصراع وادراجهما كل في استراتيجيته الخاصة التي تتضمن ملفات وطموحات لا شأن للبنان بها.

    لقد آن الأوان للانتقال من استراتيجية دفاعية موروثة عن حقبة التسعينات ومرحلة الاحتلال الاسرائيلي الى استراتيجية جديدة ملائمة لتحديات المرحلة. آن الاوان للانتقال من استراتيجية دفاعية مفروضة بحكم الامر الواقع بعدما فقدت احتضانها الشعبي الواسع وباتت عنوانا للتفرد والفئوية الى استراتيجية توافقية تتلاءم مع مستلزمات نهوض الدولة ومؤسساتها وفي مقدمها مؤسسة الجيش ودورها المحوري الذي لا يمكن لأحد اختزاله لا بحكم القانون ولا بحكم الامر الواقع (وأحدى “فرائد” هذا الكتاب الذي نناقش اليوم، اذا جاز التعبير، انه يتضمن توصيات تفصيلية حول كيفية تعزيز قدرات هذا الجيش). في اجواء التوافق والتهدئة التي تشكلت الحكومة الاخيرة في ظلها، يفترض بمؤتمر الحوار الوطني الذي يعود الى الالتئام قريبا ان يشكل فرصة سانحة للبدء فعليا في تحقيق هذا الانتقال. ومن مؤشرات الجدية عدم تحميل مؤتمر الحوار اي موضوع آخر غير موضوع الاستراتيجية الدفاعية. كما من مؤشرات التقدم والفاعلية التوصل الى اعلان مبادىء يؤكد اقله مرجعية الدولة الشاملة في شؤون الدفاع والامن ونية الدولة اللبنانية الاستفادة القصوى من القدرات القتالية لحزب الله، وان كانت الصياغة التفصيلية لتحقيق هذه الامر وباقي عناصر الاستراتيجية البديلة فد يستغرق بعض الوقت وبعض الظروف ملائمة. المهم هو اعطاء اشارة واضحة في هذا الاتجاه. هل ان حزب الله جاهز لخطوة توافقية من هذا النوع ولتدشين صفحة جديدة، بعد كل الضمانات السياسية والوطنية التي نالها في مسار تأليف الحكومة وقبله؟

    Leave a Reply