• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    العبور من النظام الطائفي الى الدولة المدنية
    أنطوان حداد: بناء قطب مدني عابر للطوائف مدماك الدولة المدنية والاستقلال

    في ما يلي نص مداخلة أمين سر “حركة التجدد الديموقراطي” أنطوان حداد خلال ندوة “العبور من النظام الطائفي الى الدولة المدنية”، من تنظيم المنبر الثقافي الاجتماعي يوم 16 تشرين الثاني 2009.

    “العبور من النظام الطائفي الى الدولة المدنية”. العنوان يوحي في التشخيص ان الازمة التي نعانيها اليوم هي في تفاقم النظام الطائفي، وان العلاج او الرد هو الدولة المدنية. في المطلق هذا كلام صحيح. جزء من الازمة هو طائفية النظام في لبنان. وقيام الدولة المدنية يغني لبنان عن الطائفية. لكن هذه اشكالية قديمة، ان لم نقل دائمة، في لبنان، ترافقه منذ نشوء الكيان لا بل منذ ما قبل نشوئه.

    ان ما نعانيه اليوم هو اكثر تعقيدا واكثر خطورة.

    اولا- على صعيد طائفية النظام، لم يعد الامر مجرد تفاقم للاستقطاب الطائفي (وهذا الأمر شاهدناه في مراحل عدة سابقة) بل وصل هذا الاستقطاب الى مستوى غير مسبوق على الاطلاق، خصوصا من حيث تحول الطوائف والاحزاب السياسية التي تحتكر النطق باسمها الى ممرات الزامية ليس لتكوين مؤسسات السلطة فحسب بل ايضا لتشكيل سلوكيات الافراد وتكوين مواقفهم المتراصة الى حد الانتظام شبه العسكري احيانا.

    ثانيا – تفاقم حدة الاستقطاب للخارج (نسج علاقات عضوية مع قوى اقليمية وخارجية) وتحويل لبنان الى ساحة نزاعات وتصفية حسابات اقليمية.

    ثالثا – انحسار الحيز العام (او المجال العام، كمساحة مشتركة لمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات) ومصادرة هذا الحيز وتقاسمه بين الطوائف حصرا، وتحول الطائفة او المذهب ومن يتربعون على عرشها معبرا الزاميا لتحصيل هذه الحقوق.

    رابعا – ضيق الافق الاقتصادي وتآكل الفسحة الاجتماعية بسبب تعطيل آليات النمو الاقتصادي الطبيعي وآليات الترقي (الصعود) الاجتماعي الطبيعي وتعطيل التنافس المشروع المحمي بالقانون لصالح التنافس غير المشروع المحمي بموازين القوة وبالذي يتوسل الزبائنية السياسية (المضاعفة مرات عدة في لبنان بسبب تقنعها بمصالح الطوائف) عوضا عن الكفاءة والجدارة. (وهذا هو الجذر الحقيقي للفساد وليس لعبة البوليس والحرامي التي لا ينفك يرويها ميشال عون كل يوم طالما هو ليس شريكا في السلطة).

    الاخطر من كل ذلك، والذي لم يحصل على هذا النحو حتى في اسوأ ايام الحرب هو:

    خامسا – تهميش الدستور… فقدان الثقة بالقانون كمرجعية تحكيم … فقدان معنى العدالة … فقدان معنى السياسة كوسيلة شرعية ومشروعة لادارة الشأن العام، وافراغ مبدأ تكوين السلطة عبر الانتخابات من مضمونه. باختصار فقدان قواعد للعبة. يعني حالة حرب كامنة: شريعة الغاب، منطق القوة، الاكراه او الالغاء.

     كيف وصلنا الى هذه الحال من التفاقم، في حين اننا كنا منذ خمس سنوات على موعد ليس فقط مع السيادة والاستقلال والحرية، بل ايضا مع مشروع بناء دولة ديموقراطية عصرية حديثة؟

    طبعا الظروف الاقليمية لعبت دورا كبيرا في معاكسة هذا المشروع (ولا يتسع المجال اليوم للخوض تفصيليا في هذا البعد رغم اهميته).

    داخليا: حققت حركة 14 آذار عددا من الاهداف المهمة (اهمها اخراج الجيش السوري، وتفكيك النظام الامني، وتعطيل نظام الوصاية)، لكن اخفاقها الاهم كان على مستوى الوحدة الداخلية. لم تفشل 14 آذار في التغلب على 8 آذار كما يعتقد البعض او بالاحرى كما يرغب البعض، بل فشلت في جذب 8 آذار الى مشروعها التغييري او الى تسوية معقولة ومتوازنة. (وهنا اتكلم بالطبع عن 14 آذار القيادة او المؤسسة وليس 14 آذار الجمهور او 14 آذار المشروع).

    وهذا ليس اخفاقا في الادارة السياسية او في الادارة اليومية (كما درجنا على تبريره). هذه نتيجة اخطاء جسيمة في الخيارت الكبرى وخوض بعض الرهانات غير المضمونة عند بعض المفترقات الاساسية.

    وكي نفهم بدقة اين أخطات قيادة 14 آذار، يستحسن القاء النظر بدقة على استراتيجية الطرف الآخر او قيادة هذا الطرف اي حزب الله.

    لقد تمكن حزب الله في السنوات الاربع الاخيرة من الجمع بين (او حتى احتكار) ثلاثة اوراق استراتيجية مهمة: احتكار تمثيل الطائفة الشيعية، احتكار ادارة الصراع مع اسرائيل، احتكار امتلاك السلاح (بالمقارنة مع سائر القوى الاهلية).

    والمحافظة على الاحتكار الثالث هي نتيجة للاحتكارين الاولين وليس سببا لهما كما يعتقد البعض، وبالتالي لا يمكن كسره قبل كسر الاحتكارين الاولين.

    – احتكار تمثيل الشيعة (مشفوعا باحتكار السلاح) مكن حزب من انتزاع حق الفيتو قسرا من داخل النظام اللبناني وغصبا عن الدستور (شل الحكومة، شل البرلمان، منع الاكثرية من انتخاب رئيس للجمهورية: باختصار تعطيل النظام).

    – احتكار ادارة الصراع مع اسرائيل (خصوصا في حرب تموز 2006) اعطى لحزب الله ميزة التفوق الاخلاقي (وليس العسكري فحسب) في اهم قضية في الوجدان العربي (والاسلامي عموما) هي قضية مقارعة اسرائيل.

    ادارة 14 آذار للصراع الداخلي والخيارات والقرارات التي اتخذتها (او لم تتخذها) في محطات مفصلية مهمة كان لها دور كبير في تمكين حزب الله من انتزاع هذين الاحتكارين. مثلا: الاتفاق الرباعي مكن حزب الله من الاحتكار الاول، وغياب الموضوع الاسرائيلي عن جدول اعمال 14 آذار وبعض الاخطاء والهفوات التي ارتكبت اثناء وبعد حرب تموز 2006 مكنت حزب الله من احكام قبضته على الاحتكار الثاني.

    وقد حصلت هذه الخيارات في ظل تغير جوهري في طبيعة الحركة الاستقلالية، حيث تقلص تدريجا دور المكون المدني والقوى العابرة للطوائف او الناسجة للتحالفات المتعددة للطوائف (قرنة شهوان، المنبر الديموقراطي، حركة التجدد)، بالتوازي مع تعاظم دور القوى ذات اللون الطائفي الواحد، وبالتوازي مع اقفال الباب نهائيا امام اي تعددية في الوسط الشيعي.

    طبعا لا يمكن اغفال واقع ان القوى المدنية والعابرة للطوائف تقاعست عن بلورة حضورها وبناء قدراتها الذاتية وتوحيد رؤيتها وتطوير افق اجندتها السياسية وصياغة جدول اعمال اصلاحي وليس الاكتفاء بشعارات واهداف اساسية مهمة جدا (الحرية والسيادة والاستقلال) وانما غير كافية، وتقاعسها خصوصا عن التصدي بوضوح للخيارات والقرارات الخاطئة (او اللاقرارات في بعض الاحيان).

    كل ذلك ادى الى الانقطاع عن مكونات هائلة في المجتمع اللبناني غير معنية تحديدا باجندات الاحزاب الطائفية الرئيسية المكونة ل14 آذار وتحويل اهم حركة سياسية شعبية في تاريخ لبنان الحديث الى تحالف بين ثلاثة او اربعة احزاب تتنافس على السلطة مع ائتلاف آخر يضم 3 او اربعة احزاب أخرى.

    الآن ومن هنا، الى اين؟

    في اللحظة الحالية يبدو من الصعوبة بمكان ترميم البنية الهيكلية ل14 آذار. لكن مهما يكن من امر، المهمة الأولى (او بالاحرى المهمة المباشرة) ليست العبور الى الدولة المدنية. هذا هدف استراتيجي رفيع وضرورة وطنية، لكن الوصول اليه يتطلب مسارا صحيحا وآليات ملائمة.

    المهمة المباشرة اليوم هي بناء القطب المدني اللاطائفي او العابر للطوائف الذي سيدفع ويراكم في الاتجاه الصحيح، سواء بقيت 14 آذار او لم تبق، من داخل 14 آذار او من خارجها لا فارق. الفارق هو في الاجندا والخيارات. الفارق هو في فتح الغيتوات وكسر الاحتكارات الطائفية وسائر الاحتكارات. الفارق هو في تنطح هذا القطب المدني لقضايا الاصلاح السياسي والاقتصادي والعدالة الاجتماعية وللقضايا الوطنية وفي طليعتها قضية ادارة الصراع مع اسرائيل.

    ان بناء قطب مدني متعدد الطوائف، وجدول اعمال وطني واصلاحي، هما المدماك الاساس ليس في عمارة الدولة المدنية فحسب بل في حماية الحرية والاستقلال والسيادة التي دفعنا ثمنا غاليا لاستردادها.

    Leave a Reply