كل أكثرية تبدأ أقلية
September 30th, 2008عضو اللجنة التنفيذية في “حركة التجدد الديموقراطي” د. منى فياض ترد في مقال نشرته صحيفة النهار على مقال لطلال عتريسي.
لا أرغب عادة بالسجالات، ليس تعففاً أو تعالياً بل بسبب طبعي في الانسحاب والتجنب عندما أستطيع الى ذلك سبيلاً . لكن انتصارية الدكتور طلال عتريسي المتسرعة وشماتته المتشفية من خصومه وتحريضه الضمني عليهم، أخرجه عن “اعتداله وموضوعيته” اللذين طالما نجح في إقناع محدثيه وجمهوره بامتلاكهما.
بعد مقدمته الإطلاقية التي تبشرنا بعدم إمكان وجود “طريق ثالث” ليس في لبنان فقط بل في العالم أجمع كما بيّن لنا. وهذا بديهي في إطار الفكر الأحادي المطلق، فالعالم مقسوم: خيّر وشرير، أبيض وأسود، خط أول شرعي وصالح وشريف وخط ثانٍ شيطاني وعميل وخائن. فلماذا يُتعب البعض أنفسهم ويختبئون خلف تسمية ثبت بالملموس عدم صلاحيتها عالمياً؟
أما الثنائية - “أمل” و”حزب الله” - التي أشار إليها، والتي فريق ثالث يعلن استقلاليته عنها، أفهم الاستقلالية هنا أنها عن هذين الخطين الشيعيين المهيمنين على الساحة الشيعية، وليس بالضرورة عن 8 و14 آذار. لكن الكاتب سرعان ما يخلط بين هذه الاستقلالية عن الثنائية المذكورة والاستقلالية عن التيارين السياسيين المذكورين اللذين يقتسمان لبنان. وهنا أيضاً يعجز الفكر التعميمي والإطلاقي عن تصور وجود تمايزات، مهما تكن، فيحيل هدف وجود تيار شيعي ثالث - يراه ايضاً متجانساً موحداً ولا يحتمل التمايزات في داخله - لوظيفة وحيدة هي إعلانه الاستقلالية عن التيارين الكبيرين 8 و14 آذار. لا يعود وجود هذا التيار الى دحض حصرية الثنائية المذكورة للتمثيل الشيعي من قبل “أمل” و”حزب الله” – وكأن لاوعيه يرفض إمكان هذه التعددية في الطائفة - فيفترض ان وظيفته الحصرية هي الاستقلالية عن 14 آذار و8 آذار. لكن ضمن هذا المنطق لماذا نسميها “ثنائية شيعية” إذاً ما دامت متجانسة سياسياً ومن تيار 8 آذار؟
في المنطق الداخلي للمقال قفز من التمايز عن الخاص – طائفة شيعية - الى التمايز على المستوى الوطني العام. هذا ما يفترضه عادة الفكر الشمولي الذي يمثله لنا كاتب هذا المقال والذي لا يقبل بوجود أية تمايزات.
نترك الان التوصيف الشكلي والسياسي العام ونأتي الى التفسير “المؤامراتي” والذي يصب في الميدان الأخلاقي: فغاية رموز “الفريق الشيعي الثالث” لم “يكن مجرد تبيان وجود الاختلاف ام الحق في ذلك بل وجد لتجريح الثنائية والإساءة إليها و”توهينها” من خلال اتهامها بأن ما تدعو اليه ليس من التشيع في شيء… وتقود الشيعة الى التهلكة والتصادم مع الدولة ومع باقي اللبنانيين والمذاهب والطوائف”…!!! يفترض هذا ايضاً حصر تفسير التشيع بجهة واحدة وبطريقة وحيدة إطلاقية. لا وجود لتأويلات أخرى.
لكن اللافت ان يكتب هذا الكلام بعد أحداث 7 و 8 آيار الموصوفة؟ وكأن كل ما يعدّده كمؤامرة لم يتحقق وبقي أضغاث أوهام. بالطبع فهو لا يفترض حصول شيء مهم في هذا التاريخ ويقبل ما حصل في بيروت كأمر طبيعي، فهل يحتل صاحب البيت بيته؟ ومن هذا المنطق الأبوي يصبح اللجوء الى العنف طبيعياً، لأي سبب كان، فمن حق صاحب البيت والوصي عليه ان يقوم بتأديب من يرفض الامتثال لأوامره وسياسته…
على كل حال أترك للقراء الحكم على تهمة التآمر فالاحداث والوضع الذي وصل اليه الاحتقان الداخلي والمذهبي جديرة بالاجابة عنها، وكان الأجدى بالكاتب الحريص على وطنه وطائفته خاصة – وأمته الإسلامية بالمناسبة نفسها - أن يجد أن تحذير “الفريق الثالث الشيعي” كان في محله وأنه لو تم الاستماع الى ما نصحه به بعض أفراده لما وصلنا الى هنا ولما كان هناك من داعٍ أصلاً لأن يقوم “حزب الله” بالبحث عن المصالحة حيث يتسرّع أيضا الكاتب في التشفي وتسجيل النقاط: أين هم أصحاب الخط الثالث من المصالحة؟ لماذا لم يسارعوا الى مباركتها؟ بالطبع كل لبناني يباركها فهذا لزوم ما لا يلزم، واعتقد أن هذا الفريق كان يفضّل الحكمة والمسالمة واستخدام طريق الحوار من الأصل كي لا تصل الأمور الى هذا الدرك. على كل حال في تدارك الاوضاع حكمة نرجو ان لا تكون متأخرة ولا آنية أو تكتيكية.
أما عن “هؤلاء الشيعة او المثقفين المتعالين الذين كانوا قبل لحظات من انضمامهم الى التجمع الشيعي يدعون الى علمانية تطمح للتجدد ألخ… ويستغرب الكاتب انهم كتبوا وتكلموا وقدموا انفسهم كشيعة! أود أن ألفت نظره إلى أن أحد أسباب تعثر هذا التيار الذي يشير اليه الكاتب يعود على ما اعتقد الى أن كثيرين من الشيعة المقصودين الذين لا تشملهم الثنائية الحصرية لم يرغبوا في ان يحصروا وجودهم بمذهبهم.
وهنا يحتار المرء ماذا نسمي هؤلاء الأفراد عندها اذا نفينا عنهم “شيعيتهم” وحقهم في الانتماء اليها؟ اما عن استغراب الكاتب ان يدلي “هؤلاء العلمانيين المنفرط عقدهم” بدلوهم؟ فبالمناسبة أشير الى أن كتابتي مثلاً لم تكن لا إعلان انتماء متجدد للشيعية ولا لمجرد كوني “شيعية”! بل لكوني مواطنة لبنانية توصّف ظاهرة عاينتها عند فئة، لا تقبل أن تعرّف نفسها الا انطلاقا من شيعيّتها، من الناحية النفسية والسوسيولوجية والانتروبولوجية. وهذا حق أي مثقف ومواطن ولا يستدعي إذناً من أحد عادة إلا اذا صار الأمر يتطلب فحص دم وجينات لتأكيد صحة الانتماء الى الطائفة المتحفزة. ولمعلومات الكاتب، لسنا من نختار انتماءاتنا العضوية. فهل يجب علينا ان نفهم من اعتراضه، اننا كعلمانيين لا يحق لنا لا إبداء الرأي ولا الكتابة أو التحليل ولا التجمع في كل ما يخص الطوائف في بلد الطوائف والمذاهب؟ هل يعني هذا انه يريد الحجر على مثل هذا الفكر ومنعه وإسكاته في المطلق؟ ولن يحق له أيضاً لا بالوظيفة أو المناصب وهي متروكة له (قد تساعده هذه المقالة على ذلك) ولجماعته على كل حال لأن لا أحد “يجرؤ” على التعدي على هذه الحقوق الحصرية لممثلي الطائفة السياسيين طالما أن النظام السياسي نفسه قائم على الطائفية والمذهبية والمحاصصة!؟
حسناً لتمنع المناصب او الوظائف وليضطهد أفراد الخط غير الموجود، كما هو حاصل فعلاً، لكن ماذا نفعل عند الزواج والولادة والموت والإرث؟ هل تحرم هذه الفئة من الطقوس المتّبعة عادة ويطلق الحُرم بحقها؟ ام أن الكاتب ومرجعياته سوف يسمحون بتطبيق قانون أحوال شخصية مدني؟ والسماح بفصل الدين عن الدولة والسياسة وإلغاء الطائفية السياسية؟ وهذا سؤال يطال بالطبع سائر الطوائف وموقفها من علمانييها.
يطول الرد على كاتب المقالة من قبل “فرد من الأفراد القلائل المنعزلين الشيعة”، الذي يقبل منه هذا التوصيف ويعي تبعاته بعيداً عن حضن الجماعة ودفئها ويحتمل النتائج دون أوهام. وهذا الفريق الشيعي الثالث، يضم بالطبع من يعتبرون أنفسهم أفراداً فقط لا ينطقون باسم جماعات مؤلّفة ولكن هناك أيضاً من يعتبرون أنفسهم جزءاً من جماعة.
أما عن “فشلهم” في جذب آخرين وعدم جذب سوى “الفضائيات التي فتحت امامهم ابوابها بسهولة لافتة ومبالغ فيها ومن دون تمييز… الخ”. فيحيلنا أيضاً إلى أن على كل من يرغب في الظهور على الفضائيات أن يخضع لفحص إما لـ DNA أو على الأقل لمستوى المعرفة أو الالتزام المناسبين. لكن المناسبين لمن؟
وإلى ماذا يؤدي كل ذلك؟ المنع والقمع والرقابة؟ على كل حال إن أول ما تعرّض للهجوم في 7 أيار كان إعلام “المستقبل” المحرّض من تلفزيون وصحافة (وكأنهم يستأثرون بالتحريض مقابل الإعلام البروباغندي البريء 8 آذار وحلفائهم) والتحريض هذا استوجب ما يستحقه من عنف. والسؤال لو أن السلطة الحصرية بيد كاتب المقال وجماعته المطمئنة ماذا كان علينا ان ننتظر لجهة التعامل مع المشكوك بدورهم وولائهم والناطقين بألسنتهم الذاتية! الاستنتاج: ليس للأفراد القلائل أن يبدوا آراءهم المتعارضة مع الجماعة.
أما الأدهى من كل ذلك، فليس فقط انفتاح الإعلام عليهم بل أيضاً السفارات الغربية – والأميركية خاصة – وهنا ربما ينتج الانزعاج عن المنافسة المستجدة – غير الأكيدة على كل حال - لفئة جديدة من مدّعي تمثيل الشيعة. منافستهم للممثلين “الشرعيين” لهذه الشيعية السياسية العقائدية على أبواب السفارات الغربية التي لطالما فتحت ذراعيها ومراكزها البحثية ومنحها ومؤتمراتها وافرادها من الرسميين الى المناضلين اليساريين المعجبين بالجمهور الحزبي المتعلم والآخر “الاوتوكتوني” الذي اكتشفوه في الأحضان الدافئة لسكان القرى الجنوبية النائية.
ربما تشذ هنا السفارة الأميركية التي لم تقبل “بعد” الانفتاح على الشيعة “الشرعيين”، لكن يجب ألاّ يقلق كاتبنا وليطمئن لأن الحقبة الجديدة قد تفتح لهم أبواب السفارة الأميركية ومؤسساتها الرسمية كافة، لأنهم ممثلون أصلاً في غير الرسمية منها. وبالتالي ليوفر على نفسه عناء الشك في صدقيتهم ووطنيتهم، إن من اتصلوا منهم بالسفارات وغيرها لم يقوموا بشيء مختلف عن ممارساته مع الفئة التي يدافع عنها.
أما عن التجاهل المطبق لممارسات الطوائف الأخرى، وهناك كثرٌ لم يوفروها على حد علمي من ممثلي هذا الفريق الشيعي الثالث، ألفت نظر الباحث الأكاديمي إلى مسألتين: أولاً أن معالجة موضوع معيّن تستلزم التركيز على النقطة المعينة موضوع البحث ولا داعي للغرق بتفاصيل جانبية. ولقد سبق أن اعترض البعض على مقالتي فقط لأنها لم تنتقد القوات اللبنانية قبل أن تنتقد “حزب الله”!! يعني الاعتراض ليس على المضمون ولكن على الشكل ولنفي تهمة السكوت عن “العدو”. فلكي أثبت صدقيتي وأستطيع إبداء رأي معين في لحظة معينة لا بد من شتم الطرف الخصم او المقابل لمن أنتقده؟! وإلا فأنا أدافع عنه؟

