• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الولع بالمفرقعات: حبّ الحرب الجامع

    أزعم أن اللبنانيّين، وعلى عكس ما يقال، ليسوا شعباً مسالماً. وهذا موضوع المواضيع الذي يتجاوز السياسة ويتعدّاها.

    دليلي على ذلك: المفرقعات.

    فقبل أيّام قليلة جنّت سماء بيروت بالأصوات الناريّة بسبب إعلان نتائج امتحانات البريفيه (ماذا لو كانت الدكتوراه؟). ودوماً في الأعراس والمناسبات الاحتفاليّة الأخرى يحصل شيء من هذا.

    لا أتحدّث عن بلوغ هذه الرغبة سويّتها الهمجيّة حين يُستخدَم الرصاص الحيّ احتفالاً بخطبة زعيم أو انتخاب زعيم آخر إلى منصب رفيع، بحيث يسقط قتلى وجرحى وتُصاب سيّارات وأملاك خاصّة وعامّة. بيد أنّي أزعم أن المفرقعات شكلٌ مخفّف من أشكال الرغبة الهمجيّة تلك.

    فالحال أن شعباً لا يكفّ يتخوّف من الحروب، ولا يتوقّف عن إعلان كراهيّته لها ولاحتمالات تجدّدها، يُفترَض به أن يمتلك حساسيّة رفيعة ضدّ صوت الرصاص أو الأصوات التي تذكّر به وتحيل إليه. وهذه حساسيّة غريبة عن اللبنانيّ المتوسّط، ما يسمح بالظنّ إن لسان حاله يقول: ما دمنا لا نستطيع إطلاق النار فلنعوّض عن ذلك بالمفرقعات. فالأخيرة مثل الزجل التفاخريّ إلاّ أن الصوت المتضخّم يحلّ فيه محلّ الكلمة المتشاوفة.

    والأمر، في آخر المطاف، يندرج في ثقافة ترفدها قيم متخلّفة مشتركة بين الجميع تدور حول “الرجولة” و”الكرامة” و”إثبات الوجود قياساً بجماعة أخرى”. أمّا إذا أضيفت الأدلجة الحزبيّة إلى منظومة القيم الأهليّة تلك، فعندها تغدو “الوطنيّة” و”المقاومة” وسواهما من القيم الحديثة مصدراً إضافيّاً لهذا السلوك “العنفوانيّ”.

    صحيح أن اللبنانيّين، للوهلة الأولى، يحبّون السلام. وفي هذا يشبهون سائر البشر الذين يفضّلون، من حيث المبدأ، ألاّ يقتلوا ويُقتلوا. لكنّ الصحيح أيضاً أنّهم، للوهلة الثانية، يحبّون الحرب. وهذا ما يفسّر أنّهم كانوا، في اللحظات الحاسمة، ولا زالوا، ينحازون إلى مسلّحي طوائفهم. وإلاّ فكيف نفسّر أنّهم، في 1975، باشروا حرباً كان من الواضح إضرارها بمصالحهم، كما شرعوا في هدم تجربة كانت، بمعايير الشرق الأوسط كلّه، ناجحة وواعدة؟

    ويمكن الذهاب أبعد للقول إنّ هذه الانحيازات العميقة وتلك الرغبات الدينيّة تفسّر لنا، ولو جزئيّاً، لماذا لم تنشأ حركة سلميّة جماهيريّة في لبنان. لكنّ ما هو أخطر من ذلك، وهنا نعود إلى السياسة الراهنة، أنّ الوعي الموصوف ينطوي على حبّ لا يُحدّ لسياسات العنف ورموز القوّة. هكذا نسمع كثيرين يقولون، مثلاً لا حصراً: “على رغم كلّ شيء، فإن صدّام حسين كان قبضاياً تحدّى أميركا”. وحتّى بين نقّاد “حزب الله” وكارهيه، تتردّد تلك الرغبة في أن نكون “نحن” المقاومة لا “هم”، وهي رغبة تأتي على شكل حسد يصعب كتمانه.

    والمفرقعات، في هذه المنظومة الثقافيّة الرديئة، مثل الاستعداد للجريمة الذي لا يرقى إلى قرينة كافية. فالذي يزعج الآخرين بها لا يهمّه الآخرون. والذي لا يقنع بصوته الفرديّ يسعى من خلالها إلى تأليف صوت جماعيّ أو اختلاقه، بحيث “يتعملق” على حساب أفراد وجماعات أخرى. إنّها، حصراً وحكماً، حساسيّة الحروب الأهليّة.

    حازم الأمين
    NOW Lebanon
    27.07.2009

    Leave a Reply