• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    السياسة لم تمت، بل انحدرت واختزلت

    السؤال عن موت السياسة بدا لي مستغرباً؟ لماذا يطرح الآن؟ فيما بدا العام 2005 كمحطة مفصلية استعادت فيها السياسة وجودها في لبنان بعدما كانت ميتة حقاً لأن القرارات السياسية تتخذ من خارج الحدود!! وأي موت هو مع كل هذا الضجيج السياسي والانقسام السياسي الذي عبرت عنه الانتخابات التي سبقتها تجاذبات طفحت خلالها شاشات التلفزيونات بالبرامج السياسية التي تغطي مساحة النهارات والمساءات اللبنانية! بحيث يبدو معها لبنان كتلة مجبولة وطافحة بالسياسة.

    سألت نفسي كثيراً: ما الموجب لهذا السؤال بهذه الصيغة؟ «موت السياسة»!

    هذا يتطلب تعريف ماهية السياسة في ذهن السائل؟

    السياسة بحسب التعريف اللاتيني هي «فن إدارة المدينة». والمدينة في الزمن الإغريقي هي المدينة ـ الدولة الآن بسبب تشابه تنظيمها مع الدولة الحديثة (سلطة مركزية، مؤسسات وجهاز دبلوماسي..). أما في معناها العام فالسياسة تدل على الاطار العام لمجتمع منظم ونامٍ.

    أما ماكس فيبر فيتراوح تعريفه للسياسة بين قطبين، يذهب من سياسة قطع بنكية وسياسة نقابية من خلال أحزاب أو سياسة مدرسية.. منتهياً بـ«سياسة امرأة ماهرة تبحث عن حكم زوجها». نلاحظ هنا إلى أي مدى يوسع فيبر مفهوم السياسة. لكنه يضيف معنىً آخر للسياسة، محدداً وحصرياً: «هي كل ما يتعلق بإدارة المجتمع السياسي، أي الدولة». يمكن إذاً فهم السياسة بمعنيين، معنى ضيق يعتبرها كممارسة للسلطة بين مختلف الأفرقاء السياسيين أو الأحزاب السياسية. وآخر عام وشامل، وبهذا المعنى لا تفنى السياسة ولا تموت فكل نشاط هو سياسي. حتى عسكرة الأنظمة وممارسة العنف الذي يخرس السياسة له في نهاية المطاف غاية سياسية لأنه يهدف الى فرض الحل الذي يريد بالقوة.

    مع ذلك لا بد للسؤال من موجب، ربما لأنه يربط معنى السياسة بما انتهت اليه ممارستها في الديموقراطيات الغربية، حيث المواطن يمارس السياسة كحق قانوني ويومي، فيشارك في الأحزاب السياسية العريضة التي تجمع بين مصالح القطاعات المتنوعة من فئات الشعب، دون تخصيص لدين أو مذهب أو عقيدة، ويعبر عن نفسه من خلال الجمعيات والنقابات والمؤسسات المتعددة التي تشارك في السياسة عبر نشاطاتها ومشاريعها وعبر ممارسة مهمة الرقابة على مؤسسات الدولة وما لديها من وسائل للمحاسبة.

    فإذا كانت الديموقرطية هي التي تعلي من شأن السياسة، فإن الديكتاتورية هي التي تدفنها، فتمارس القمع والرقابة على أي نشاط أو تعبير سياسي للجماهير، لأنها معتبرة كغير مؤهلة ولا مؤتمنة على ذلك. وأيضاً حين يحتكر العسكر أو الحزب الواحد أو أي فئة متسلطة أخرى إدارة الشأن العام. وبهذا المعنى تكون السياسة قد ماتت في لبنان عندما أخضع للوصاية السورية، التي كانت تفرض الرؤساء والوزراء والنواب وفق مشيئتها وتلزمهم بمواقفها السياسية، ما أفرغ النظام الديموقراطي من محتواه وحوّل الانتخابات الى مجرد لعبة شكلية وتمثيلية هزلية لتثبيت نتائج محددة سلفاً.

    لكن محاولة استرداد الحياة السياسية الديموقراطية في لبنان بعد اغتيال الشهيد الحريري اصطدمت بالتحول النوعي الجديد الذي حلت فيه الطائفة، أو بالأحرى المذهب، محل الحزب أو التحالف السياسي القائم على برنامج سياسي يضم ممثلين عابرين للطوائف والمذاهب. بدأ الأمر مع محاولة احتكار التمثيل المسيحي السياسي من طرف واحد ليكون للمسيحيين زعيم، أسوة بالطوائف الأخرى، تلاه نجاح «التحالف الشيعي» المؤلف من «حزب الله» و«حركة أمل» في مصادرة القرار الشيعي، وفرض ممثليه سواء على المستوى الوزاري أو النيابي. ونجح أيضاً في منع الممثلين السياسيين المنوعين والمنتخبين من المشاركة حتى في اختيار رئيس مجلس النواب الذي يبدو أنه في طريقه لأن يكون رئيساً الى الأبد.

    الجديد الذي لدينا إذاً هو التوتاليتارية التي تتخذ من المذهب مسرحاً لها. وهو الاتجاه الذي نجحت الشيعية السياسية في فرضه حتى الآن، وهو ناجح أصلاً عند الدروز، ويبدو أنه ينحو لأن يصبح المثال المحتذى عند السنة بحيث نحصل على ميني توتاليتاريات، تتواجه وتتصارع مختبئة خلف واجهة سياسية ذات غلاف لبناني، فيما هي تعبر عن مصالح إقليمية تتصارع حيناً وتتفاهم حيناً آخر بحثا عن حلول عبر تسويات سياسية خارج منطق الدستور والمؤسسات.

    وفي هذا انحدار وابتذال للممارسة السياسية، بعدما لم يعد للانتخابات النيابية من وظيفة سوى تحويلها الى مسرح إيميائي، حيث نكتفي بالمحاكاة ما دامت نتائجها لن تؤخذ حقيقية بعين الاعتبار. وهذا ما يمنع لبنان من تطبيق النظام الديموقراطي بوجهه الصحيح بحيث تحكم الأكثرية، والأقلية تعارض وتحاسب.

    فحزب الله يمارس حق «الفيتو» بدءاً من القضايا السياسية والأمنية وصولاً الى البرامج الفنية والمسرح انتهاء بقضية منع الفنان المغربي اليهودي جاد المالح من المجيء الى مهرجانات بيت الدين! مستخدماً لهذا ممارسات من نوع احتلال وسط المدينة انتهاء بممارسة العنف المسلح في الداخل.

    والأمر لا يتوقف على ذلك، فانحدار الممارسة السياسية الديموقراطية في لبنان تسبب في ما نشهده أيضاً ونعاني منه من حيث اختلاط الأدوار وغياب البرامج السياسية الحقيقية عند المتنازعين على السلطة. فالانقسام الطائفي والمذهبي بخطوطه العريضة جعل الاختيار يتم بين الاتجاهين على خلفية الارتباطات الخارجية لكل طرف وانطلاقا من المشروع الإقليمي الذي نفترضه له. وخلال الحملة الانتخابية كانت شعارات أحد الأطراف أقرب إلى شعارات الخصم منها الى شعاراته أو خطته التي يضمرها ويعبر عنها من خلال ممارساته الفعلية، كأن يعلن انه يريد الدولة الديموقراطية أو اللاطائفية ولبنان المستقل واللامذهبي، بينما هو يحكم باسم المذهب ويفخر بتمثيل شعبي مذهبي صافٍ، أو يجهد لذلك، ويرتبط بقوى إقليمية توتاليتارية ذات أنظمة حديدية ولا تعرف سوى القيادات الأبدية. بينما الطرف الآخر المفروض انه المدافع عن الدولة ووجودها كسيدة مستقلة وعن المواطنية وما تعنيه خلت شعاراته من أي محتوى سياسي وكانت زرقة السماء وبقاؤها شعاره. وبدا في وقت ما أنه مهما كانت شعارات هذا الطرف أو ذاك، ومهما كانت خطته السياسية فجماهيره الغفيرة جاهزة لكي تتبعه بحماسة.

    ولهذا كان مبعث الإقبال الكثيف على الانتخابات النيابية، وتحت شعار الحفاظ على وجه لبنان الديموقراطي، التشرذم الطائفي والمذهبي. وما يقال عن التعدد المسيحي صحيح في جزء منه، لأن الجزء الآخر من المسيحيين الذي يعطي الانطباع بأن تحالفه مع حزب الله هو تحالف سياسي حول خطاب سياسي موحد، وهو صحيح، لكن وحدته ليست على برنامج سياسي حقيقي بقدر ما هي وحدة في وجه «هيمنة» الطائفة السنية واستهدافها في المحل الأول. إذ ما الذي يجمع المسيحي العلماني المتعصّب لزعامة الجنرال نظرياً مع الشيعي الخاضع لولاية الفقيه؟ سبق أن أكد عون أن هذه الولاية لن تفرض على الجميع ولا يخضع لها إلا الشيعة فقط؟ معنى ذلك أن الشيعة اللبنانيين الخاضعين لهذه الولاية تكون تبعيتهم للخامنئي المدافع عن مصلحة بلده إيران؟ أين هي مصلحة لبنان هنا؟ وأين هو التغني بالولاء للبنان؟ وكيف سيوفق الجنرال بين لبنانيته وإيرانية حلفائه عند حصول خلاف ما؟ ولهذا نجد ان هذا التحالف الذي يبدو عابراً للطوائف وسياسياً بامتياز وواعداً للمستقبل تحركه العصبيات الضيقة وسيكولوجية الحشود نفسها.

    من هنا نجد أن ما غلب على الاصطفافات، «السياسية» بالطبع، لكن السابقة على المنطق الديموقرطي، سيكولوجية التعصب والحشود، مع وجود عناصر مدنية ومواطنية بالطبع لكن غير غالبة. لأن المعركة من قبل قوى 14 آذار تميزت بسلوك حزبي ضيق وحسابات فردية ولم تلتزم بالممارسات السياسية المبدئية، ما أدّى إلى غياب الكثير من الممثلين الفعليين الذين يمكنهم حقيقة العمل على إرساء دولة القوانين والمؤسسات لمصلحة الممثلين ذوي الطابع الفئوي أو التقليدي الطائفي أو الميليشياوي.

    والمفارقة هنا أن هذا التنوع الطائفي والدقة في توزيع الكوتا والحصص من جبنة السلطة وكيفية اقتسامها هي التي تجعل من الديموقراطية ممكنة في لبنان، وانه لولا هذا الموزاييك الهش لما اختلفنا عن محيطنا العربي وتحولنا منذ زمن الى نظام شمولي مستبد لأنه ينتج من التجانس الديني أو الاتني وعن والتراص حول القيادات التي ترعاه وتحميه وتجلب له الدفء.

    لكن هذا التوازن الهش على علاته توصل الى ممارسات ديموقراطية نسبياً ولم يعرف خلال الممارسة السياسية التقليدية الاحتكار المستجد. وكانت المنافسة حقيقية بين مرشحي الأقلية المعارضة والأكثرية التي لم تكن تبقى كذلك بل يحصل تبادل حقيقي للسلطة. بالاضافة الى ذلك كانت جميع الطوائف والمذاهب والمناطق ممثلة في الأقلية وفي الأكثرية ولم يحصل ان فرض أي تكتل مذهبي برنامجه أو ممثليه ولم يعطل تطبيق النظام.

    بهذا المعنى هناك انحدار في الممارسة السياسية وليس موتا للسياسة، انحدار وعودة لانتظام مراكز الممارسة السياسية في دائرتين تقليديتين تسبقان تشكيل الدولة الوطنية ونظامها الديموقراطي: دائرة الأحزاب العقائدية الشمولية ودائرة الزعماء التقليديين. فغياب الأحزاب السياسية العريضة وذات التكوين الأفقي بسبب تراجع الوعي السياسي العام سمح بالتحام الشعب مع الأصوليات والعصبيات المتنوعة من قبائل وعشائر وطوائف ومذاهب وترك المجال للأحزاب العقائدية ذات النزعة الدينية والفاشية لأن تلحق بها الجماهير العائدة الى عصبياتها الأولية. وعندما لا يكون للطائفة من حزب عقائدي أو شبه فاشي تلتف حول زعيم وربما تجعل منه قائدها الى الأبد أيضاً مرة أخرى.

    لكن هناك فئة اللبنانيين المنتمين الى مواطنية مدنية غير طائفية اضطرت في هذه إما أن تختار الورقة البيضاء أو هي اختارت السيئ خوفاً من الأسوأ. لكنها لا تجد نفسها في معممة المحاصصة والتقاسم والالتحاق بالخارج ولا باتباع القيادات بشكل أعمى. وهي فئة وازنة لو أنها عملت على توحيد نفسها وطرح برنامجها السياسي الوطني والمدني من خارج الانقسام العشائري الذي فرض نفسه لأحدثت فرقاً. لكن على هذه الفئة أن تناضل لكي تتجمع وتفرض نفسها لا أن تشكو همها وتنتقد فقط ما هو سائد.

    المطلوب للخروج من هذا المأزق محاولة العودة الى تفعيل الثقافي في الممارسة السياسية واسترجاع الفكر السياسي العميق موقعه من خلال العمل على إنشاء أحزاب سياسية ـ أو تكتل واحد على الأقل ـ بحيث تتجمع القوى المدنية والديموقراطية الحقيقية في لبنان، تعمل على إظهار إمكانية العمل السياسي من خارج الاصطفافات المذهبية والعقائدية الجامدة. وتجهد لإعادة الانتماءات المذهبية والطائفية والدينية عامة الى الدائرة الخاصة والحميمة وعدم الاختباء خلفها من أجل مصادرة الديموقراطية والوطن.

    منى فياض
    جريدة السفير
    13.07.2009

    Leave a Reply