• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    في عمى الأبصار وسرقة الآثار

    منذ فترة والدكتور نبيل خليفة يكرر في اللقاءات التلفزيونية ان وجود النفط على سواحل لبنان هو احد اسباب الصراعات التي تلفّنا حاليا. ومع تقديري القديم لاعمال هذا الباحث المتكرّس، لم آخذ المسألة على محمل الجد.

    فكل ما يتعلق بأمر النفط عندنا لا يتعدى في الذاكرة حديث “ساندريلا”. وقد بدأ الكلام على وجود نفط في سحمر ويحمر اواخر عهد الشيخ بشارة الخوري. وحوّل المسألة كلها نكتة لا تنسى الاستاذ لويس الحاج عندما اعطى الخبر في “النهار” واحدا من عناوينه القاصمة: جاء دور باطن الارض. او شيء بهذا المعنى.

    ثم عاد حديث النفط يوم كان الاستاذ غسان تويني وزيرا للصناعة والنفط. وقد ذكر في محاضرة القاها في صيدا عام 1998 انه في الوقت الذي اقترب اعلان الكشف عن آبار نفطية، وقعت مجزرة اهدن، وطوت الحرب كنوز الملك سليمان مرة اخرى. وقد تذكّرت تأكيدات الدكتور نبيل خليفة عندما اعلن الرئيس نبيه بري اخيرا ان لديه معلومات عن وجود نفط وغاز في البحر قبالة الساحل الجنوبي. ولكن لا الرئيس بري ذهب ابعد من ذلك، ولا نحن نعرف حقيقة ما يقال ايضا عن نزاع بيننا وبين اسرائيل على وجود الغاز في البحر. وقد يبدو انه بعد النزاع على المياه والوزاني والليطاني، وتلك البحيرة الهائلة الراكدة تحت اراضي شبعا، سوف يتخذ الصراع اوجها ومنحى حارقا.

    ينبهنا ذلك الى كم نحن دولة عظمى تهتم لمتغيرات البيت الابيض وشؤون الاليزيه، ولا تلتفت الى القضايا الثانوية الصغيرة كالثروات الكامنة في هذه البقعة الصغيرة، المليئة جبالا وانهرا، والمحاطة بالمتوسط من اول الشمال الى آخر الجنوب. الحقيقة ان العهد السابق، في حملته المقدسة على الفساد وتنظيف البلد من الرعاع، القى في السجن برجل واحد هو مدير الآثار. ونسيه هناك دون محاكمة ودون قرار اتهام. ولو تسنى لاحد في الدولة العظمى ان يقرأ قليلا في كتابي التاريخ والجغرافيا، لعرف ان آثار ما فوق الارض تشكل ثروة تغني عما في باطنها. او في باطن الارض.

    جاءنا في الماضي كبار علماء الغرب ونقّبوا في جلولنا وسهولنا وبين صخورنا وبرهنوا لنا اننا معرض مثير لمراحل التاريخ، ومنجم مذهل للمعادن. اشتغل ارنست رينان على الجذور اليونانية. ثم جاء المنقب والمستشرق والباحث هنري لامنس وترك لنا في بدايات القرن الماضي تحفته: “تسريح الابصار في ما يحتوي لبنان من الآثار”(*) فاذا كل قطعة من هذه البقعة، إما أثر وإما منجم. وقد كان في امكاننا ان نحوّل بعلبك مزراب ذهب بدل ان تزدهر فيها صناعة المخدرات، وسرقة السيارات، ومجازر الجيش. وقعت المقتلة ضد الجيش لانه طارد مطلوبا صدرت في حقه 172 مذكرة توقيف. اي دولة تقبل على نفسها اصدار 172 مذكرة توقيف في حق مطلوب واحد؟

    اسمحوا لي بان اخبركم. انها الدولة التي اصدرت في الماضي عفوا عن 32 الف مطلوب بجرائم تهريب ومتاجرة بأرقى انواع الهيرويين واحلى زهرات الحشيش. 32 الف متهم لم يدخلوا مخفرا ولا سجنا ولا معتقل كشافة، صدر العفو عنهم من غير ان تجد الدولة اي حرج، في اعلان الرقم على الناس، وعلى العالم اجمع. طبعا لم يكن بين هؤلاء نجم واحد. حاذروا الاقتراب. مواد مشتعلة!

    لاحظ جنابك ان مثل هذه القضايا الثانوية لا تُطرح في الدول الكبرى المنهمكة في صنع سياسة الشرق وتقرير مصيره. حاول ان تطّلع على برنامج نيابي واحد فيه تلميح الى القضايا التافهة كالحياة اللائقة، والعمل، ومحاربة الفقر، ورفع اذلال الضمان الاجتماعي عن الكرامة البشرية. حاول ان ترى رابطا واحدا بين قضايا الناس والذين يتسابقون على تمثيلهم في مدرجات ساحة النجمة.

    ولكن ربما ايضا ليست للناس قضايا، ولا هي تريد من يحكي باسمها، او من يكتب عنها. وربما اننا قاصرون عن استيعاب الثقافة الوطنية الجديدة التي تصوّر كارلوس اده على انه مشرد في كسروان، في حين ان العماد عون ثابت فيها أباً عن جد. وعندما افكر في رجال نادرين ساطعين كالالماس، مثل حسين الحسيني وجان عبيد، اقول في نفسي، وهل يستحق الناس هذه الرفعة السياسية والوطنية؟ وهل يستحق المرشحون اكثر مما كافأهم به العماد عون: “ستين سنة و70 يوم”. وسنة كبيس لمن يريد الاعتراض.

    نحن بلد يجوع ويتسول ويقترض، فيما نحن نائمون على ثروات طبيعية لا مثيل لها حولنا. سوريا تأتيها المياه في اكثرها من تركيا، وهذه السنة لم تهطل امطارها الا بنسبة 30 في المئة. والعراق، بلاد الرافدين، كذلك.

    قبرص، على مسافة 120 كيلومترا، تعاني كل سنة شح الامطار. والاردن، بلد نهر يوحنا، يطلب المياه من سوريا. ونحن انهارنا سائبة، ومياهنا سائبة، واذا بنينا سدا ذهب ريعه الى الفساد والسرقات، وتعذر تدشينه قبل دفع العمولات.

    لوّثنا المتوسط، وأصلعنا الجبال، ودمّرنا البيئة، وحرثنا في جمال الطبيعة. الناس تحسدنا على عشرة آلاف كلم2 ونحن نمعن في تشويهها بالتجاوزات، والرشوات، والخراب السياسي، والتوتر المستمر، وقتل الجيش لانه حاول اعتقال مطلوب بموجب 172 مذكرة توقيف.

    عندما اختير النواب بالتعيين، شعرت، انا المؤمن بالحرية بعد ربي، بغبطة الانتصار. لقد امكننا ان نعطي اللبنانيين رجالا مثل جان عبيد ونسيب لحود على رغم انوفهم. رفعنا مستوى النيابة من غير ان نتوسل اهل المتن تأمل الفارق بين نسيب لحود ومنافسيه.

    بالتعيين لا يسقط غسان تويني على 78 صوتا، وجان عزيز على 45، ويخرج بيت سلام من العمل السياسي.

    وبالتعيين لا نبحث لسيد الاصول البرلمانية وامير اللحمة الوطنية حسين الحسيني عن لائحة تُغامر بقبوله.

    يجب ان نتأمل قليلا في مرآتنا الشخصية، وليس في الصور المعلقة. علينا ان نعرف لماذا خذلنا فؤاد شهاب الذي كان اول من حاول دمج الهرمل والجنوب في الجمهورية، منذ كان قائدا للجيش، خصوصا اننا نرى الى ماذا وصلنا في المنطقتين، اذ تعتبر الدولة، عدوا خارجا على القانون. الا يستحق هذا الوطن وقفة واحدة امام الضمير والعقل وبديهيات المنطق والاخلاق؟

    عندما توفي ريمون اده، كنت لا ازال التقي الاستاذ نسيب لحود على نحو مستمر منذ عام 1968. تناولنا الغداء شبه الاسبوعي قرب مكتبه في سن الفيل. وكمثل اي لبنانيين تناولنا مع الطعام احوال البلد. وقلت له يومها، حظوظ الاوادم والانقياء في لبنان قليلة. سوف يحاربونك لان نظافتك ادانة للابتذال الوطني المنتشر. اللبناني يطلب نفعا لا وطنا. ويوظف القديسين في معاركه السياسية كمخاتير لا كأخيار واولياء.

    وقلت للاستاذ لحود، بما تتحمله صداقة السنين من مونة وتحمله من حسن نية: الناس تكن لك احتراما شديدا، ليس في دائرة المتن فحسب، بل ايضا في وسع لبنان، فلماذا مقعد يقاتلك عليه الصالحون او الطفيليون معا؟ دع المقعد لمن يتوسله لانه لا يملك شيئا آخر، واما انت فاخلف ريمون اده في كرسي الرئيس الذي يريده لبنان ويسقطه اللبنانيون. الرجل الذي يرتفع من غير ان يصل”.

    كان جواب الاستاذ لحود مقنعا في حينه: “هذه لا تلغي تلك”. وكان ذلك قبل عقد من الزمان. وهو زمن تردى من مرحلة يخسر فيها نسيب لحود مقعدا الى مرحلة لا يجد فيها مقعدا. لا تهتم. مقعد لبنان لا يزال محفوظا.

    سمير عطاالله
    جريدة النهار
    22.04.2009

    Leave a Reply