• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الرابع عشر من آذار: المعاناة والردّ

    سيفتقد جمهور 14 آذار في الندوة البرلمانية المقبلة وجوهاً مَحَضَها ثقته منذ ماقبل ولادة “ثورة الارز”، بعضها بسبب من “اناقته” السياسية وتعففه عن الأسفاف الذي وسم طبقة السياسيين، او جلّها، منذ تعيين “نواب الشواغر” مطلع عهد الطائف، وبعضها الآخر بسبب طليعيته في الاستشراف السياسي، ورؤيويته، وجرأته.

    وهذه التوصيفات لا تعوّض الواقع ولا تشفي من مرارته. ذلك ان بعض قوى 14 آذار يتعاطى بانتهازية سياسية مع الحدث الانتخابي ويفضّل خوض حرب داخلية في وجه حلفائه لتثبيت وهم حجمه، على حساب كل المبادئ التي تبناها واستنسخها عن احلام المليون ونصف مليون لبناني الذين نزلوا الى ساحة الشهداء في ذلك اليوم من عام 2005، ولم ينفكوا مذذاك يلبون النداء كل عام، ليؤكدوا ثباتهم على موقفهم.

    لم تنتظر تلك الحشود دعوة من قائد او زعيم… بل انطلقت الى قلب المدينة بدفع من اقتناعاتها بأن حرية الوطن تستحق كل التضحيات، وبأن الدولة وحدها هي السقف الضامن للجميع، وبأن المواطنية هي الرابط الذي يجمع كل اللبنانيين.

    يومها، لم يكن فوق رؤوس الحشود علم غير العلم اللبناني. لان الحساب الجاري حينها كان وطنيا بامتياز. ولان الحسابات الضيقة، الايجابي منها والسلبي، ادخلت الاعلام “الصغرى” تحته في ما بعد، حتى كادت ان تنافسه لدى بعض حامليها، وتضخمت عندهم “الاحلام الصغرى” وتورّمت الأنا الحزبية المريضة التي قمعتها في 14 آذار 2005 قوة الارادة الشعبية الاطغى.

    يومها كان الحزبيون بكل تنوعاتهم نقطة في البحر المليوني، حتى يصح القول ان ساحة الشهداء ضمت الاحزاب والقوى السياسية المعروفة ذات الرخص القانونية وبحرا بشريا عفويا لا علاقة له ببنيتها، انتزع رخصته وإذن ممارسته السياسية من الشعب والارادة الشعبية، دون غيرهما.

    امام عزوف بعض الوجوه الموثوق بها عن الترشح، من نسيب لحود الى سمير فرنجيه ومصطفى علوش والياس عطاالله، وحصار غطاس خوري ومصباح الاحدب وغيرهما، تقف 14 آذار الشعبية مذهولة تجاه كلفة الانتخابات على طموحها. ويزيد ذهولها حين تلمس “دلال” محترفي السياسة الطارئين على حس الجماهير، ممن تسقط مبادئ السيادة من حساباتهم الى حد الاستعداد للانقلاب عليها والذهاب الى الضفة الاخرى، كرمى لمقعد هنا، ومقعد هناك. وتدفع بذلك اطرافا آخرين، شركاء، الى منطلق مماثل.

    لكن ما يحوّل الذهول احباطا هو ما سماه النائب وليد جنبلاط “عودة النعرة الانعزالية”. وهذه رجعت بالفعل، لكنها هذه المرة ليست حكرا لفئة او طائفة دون غيرها. فالواضح انها اختصاص كل الاحزاب والقوى في الضفتين، حتى من ينتقدها ويتخوف من خطرها.

    ويعود “الفضل” في رجعة “الانعزالية” الى “حزب الله”. فهو انعزل بجمهور بحاله على قاعدة الدين والمذهب والجغرافيا، والتقديمات الاجتماعية، واختراع ماض، وتحديد مستقبل، وانتساب الى استراتيجية سياسية اقليمية، وقيادة غريبة عن العروبة ولبنان، وتكليف شرعي في الدين والدنيا.

    “حزب الله” يفعل، ولا يقول: عمِل لتعديل اتفاق الطائف منذ خرجت الوصاية السورية، ولم يكشف ورقته الا امس، حين نقل الى العلن عنوانه السري في المعركة الانتخابية وهو اعادة النظر في هذا الاتفاق. يبقى ان يكشف لاحقا ان ذلك سيصب في مصلحة احلال المثالثة بدل المناصفة.
    “اقتطاع” “حزب الله” طائفة بكاملها، او محاولته الطاغية لتكبيلها بسلاحه وماله، وضع بعض الطوائف الاخرى في حال انكفاء على ذاتها، يشجعها كلام قيادات فيها، في 8 آذار و14 آذار، على “المجتمع المسيحي” ومخاوف مزعومة لديه، أُتبعت بمحاولة “تحصّن” انكرت مثلا على “تيار المستقبل” ان يدعم ترشيح غطاس خوري في الجبل، وهو عضو “لقاء البريستول” الشهير، وقد صارت مسيحيته منقوصة. واجهض الرفض فرصة امام “تيار المستقبل” لتأكيد ذاته كاطار تنظيمي عابر للطوائف.

    كان جمهور 14 آذار، حاضن احزابها وتنظيماتها وليس العكس. ينتظر ان تطغى عناوين السيادة والاستقلال والحرية على ادق تفاصيل تركيب اللوائح. وان يكون ذلك تحت مصلحة المواطنية، لا وشائج الطائفية وتقاسم المقاعد.

    لكن ما جرى، خلف الكواليس وامامها، لم يش بذلك، وهو ما يضع جمهور 14 آذار الفعلي، المترفع عن الحسابات الضيقة، وهو الاطغى عددا والاصلب وطنية، امام خيار لا ثاني له: الثبات على مبادئه، والرد على الانتهازية السياسية والمحاصصة الابتزازية بـ”هضمها” لمصلحة استعادة الاكثرية النيابية. فاذا كان بعض الاحزاب والقوى في 14 آذار قد اساء الى نفسه والى ارادة الجماهير بممارسة الصغارة السياسية وحسابات الدكاكين، فان المحاسبة لا تكون في الامتناع عن الاقتراع لمعاقبته، بل بالتصويت للوائح “ثورة الارز” يوم 7 حزيران على علل تركيب قوائمها، والانطلاق بعد ذلك لتأسيس وعي تنظيمي يحضن جمهور 14 آذار ويكون مختلفا عن الموروث من مخلفات صيغة 1943، وتركة الحرب الاهلية – العربية الدولية، وزمن الوصاية، اذ لا يمكن ان تنتصر ثورة الارز بينما تعشش بين ضفتيها لغة طائفية، ومنطلق “محاسبجية”، ورؤية ضيقة إن ابتعدت عن العائلة لا تتخطى حدود المنطقة والرعية. فلا يستوي الكلام على الاستقلال الثاني، فيما بعض قواه يستعير من الاستقلال الاول منطقه وامراضه وادواته.

    الانتخابات ليست سوى مَطْهَر جديد تمر به انتفاضة الارز، وامتحان لإرادة شعب اعترف من ارتقوا الى قيادته في 14 آذار 2005، انه سبقهم في الرؤية والمواجهة.

    عتب هذا الجمهور ولومه واحباطه ليست سوى تأكيد جديد لطليعيته بالمقارنة مع قيادات الاحزاب والقوى التي لحقت به الى ساحة الشهداء، واقتراعه يوم 7 حزيران للوائح 14 آذار، على رغم ملاحظاته، لن يكون سوى تكريس لهذه الطليعية. بعده يوم آخر، لان البديل هو العرض الاسوأ: “شكرا سوريا”، ووداعا اتفاق الطائف.

    راشد فايد
    جريدة النهار
    21.04.2009

    Leave a Reply