• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ذاكرة أخرى”: ما لم تكتبه الصحف تكتبه أنت اليوم.. تجربة في “تنقيّة” الذاكرة الجماعيّة”

    إنّه الإثنين ۱٤ نيسان ۱۹۷٥. تستيقظ باكرًا (جدًا). هذا إذا ما تسنّى لك النوم بُعيْدَ ذلك الأحد المشؤوم. تهبّ لشراء ما تيسّر من صحف.. وقتها بالكاد الإذاعة اللبنانيّة هي صلتك بالخبر. تقرأ…

    الصفحة الأولى، “مانشيت” صحيفة “النهار”: “حادث عين الرمانة: ٣٠ قتيلاً وعدد من الجرحى. عرفات يستنجد بالملوك والرؤساء العرب. والجميّل يتّهم إسرائيل بافتعال الحادث. جنبلاط وأحزاب اليسار يطالبون بـ”حلّ الكتائب وطرد وزيريها”…

    في المقابل، تحمل “مانشيت” صحيفة “السفير” الآتي: “لبنان يُدين الكتائب ويُطالب بحلّها. ٢۷ قتيلاً في مذبحة عين الرمّانة. الدولة تقتحم المنطقة فجرًا إذا لم تُسلّم الكتائب المسؤولين السبعة”.

    إنّه “الحدث التأسيسي” عينه للحرب اللبنانيّة. ولكن معالجة الخبر سوف تخضع لأهواء الإلتزام والتوجّه السياسي.. شتّان بين قراءة “وسطيّة – يمين”، وقراءة “يساريّة” ملتزمة لأقصى حدّ. لوحتان إيزائيّتان: على اليمين، صحيفة “النهار”، تقابلها على اليسار، صحيفة “السفير”…

    هذا باختصار موضوع “معرض” حمل عنوان “ذاكرة أخرى”، نظّمه قطاع الشباب في “حركة التجدّد الديموقراطي” بالتعاون مع نظيره في “الحزب الإجتماعي الليبرالي” الدانماركي. استمرّ لثلاثة أيّام من ۱٢ وحتى ۱٤ أيار ٢٠۱٢، في قاعة “Solea V” في منطقة سن الفيل جسر الواطي، مقابل “مركز بيروت للفنون”.

    على درب صليب الحرب اللبنانيّة، تمّ اختيار ٢٦ مرحلة أو تاريخًا يروي أبرز محطّات أحداثها.. من العدد الصادر بتاريخ ۱٤ نيسان ۱۹۷٥ الذي تناول اندلاع هذه الحرب (تاريخ ۱۳ نيسان)، وحتّى قرار صدور العفو العام عن جرائمها، عدد ۱٥ آب ۱۹۹۱. سوف تمرّ فيما تمرّ المانشيتات على التواريخ المفصليّة الآتية: إندلاع الحرب، السبت الأسود، سقوط المقاطعة الرابعة وحرب الفنادق، سقوط الكرنتينا والنبعة، سقوط الدامور والناعمة، سقوط تلّ الزعتر، الدخول السوري، إغتيال كمال جنبلاط، إجتياح الـ ٨٢ الإسرائيلي، إستشهاد الرئيس المنتخب بشير الجميل، مجزرة صبرا وشاتيلا، حرب الجبل، حرب التحرير، إتّفاق الطائف، حرب الشرقيّة (حرب الإلغاء)، إجتياح الجيش السوري لقصر بعبدا وسقوط الجنرال عون، ملفّ المخطوفين، وصولاً إلى قانون العفو “الشهير” …

    بداية، قدّم المعرض (جدول) مقارنة لطريقة مقاربة الجهتين المتقابلتين في لبنان لموضوع “الحرب اللبنانية”. اليوم في الـ٢٠۱٢، بعد مرور ۳۷ سنة على حادثة البوسطة الشهيرة، ولتاريخه، أيّ مقاربة موضوعها “الذاكرة الجماعيّة” لـ”ساغا” الحرب لم تحصل. بالكاد أعمال فرديّة سينمائيّة أو أدبيّة وبعض المبادرات الأحاديّة الجريئة التي لم ترق بعد إلى المستوى الوطني الجماعي العام. وما زلنا طبعًا بعيدين بأشواط عن تجارب أفريقيا الجنوبيّة، ألمانيا الشرقيّة، وحتّى الجزائر في موضوع الإنحناء على “ما حصل”، وبالتالي تنقية المفردات والدالات، تنقية “الجملة” من أجل التوصّل إلى قاموس واحد مشترك تيمته ذاكرة الحرب، بعيدًا من المصطلحات التي “لوّثت” الخطاب السياسي وسرديّة الأحداث، تمهيدًا لعمل يهدف أوّلاً وأخيرًا إلى “المصالحة والغفران” (في بناء الأوطان).

    تجدر الإشارة إلى أنّ التجربة في قسمها الأوّل نجحت في “خطف” وسحر أولئك الذين أمواّ المعرض: ترى الفرد منهم مسمّرًا أمام “تابلوييد” الصحف، يقرأ المانشيتات وكأنه للتو استيقظ من غيبوبة سريريّة امتدّت طيلة فترة الحرب، يكتشفها للمرّة الأولى. سيقارن سرديّته الذاتيّة وما عَلِقَ بذهنه عن الحرب بالسرديّة الكبرى التي “فُرضت” عليه أو انتمى إليها تبعًا لأهواء أو للإلتزام بالحيّز الجغرافي، العشائري، المناطقي، الحزبي، السياسي، الطائفي، المذهبي، الإيديولوجي… ردّة فعله سرعان ما ستتبلور، وسيعرضها على شكل “تعليقات” حملتها قصّاصات ورق ألصقها على الخبر. وما حُرم منه هو خانة “التعليقات” التي اعتادها على حاسوبه الشخصي، ومنهم بالفعل من أضاف تعليق “Like” أو “Dislike”…

    عمّا نتحدث؟

    بيت القصيد. ما سيجعل من مبادرة قطاع الشباب في “حركة التجدّد الديموقراطي” ونظيره في “الحزب الإجتماعي الليبرالي” الدانماركي -تجربة رائدة- Pilote، طريقة مبتكرة دون أدنى شكّ، قيّمة، فريدة ونادرة..هو أنّ زائر المعرض مدعو إلى تجربة “تفاعليّة” كونها سوف تسمح له بأن “يعلّق” على ما يقرأ، عبر إلصاق “وريقة “على جنب الخبر الذي استرعى انتباهه واهتمامه، باللون الذي يريد وبالعبارات أو حتى بالرسم الذي يريد. (بعض ألوان الورقات التي استعملت للتعليق تتوافق مع تلك التي تبنّتها الأحزاب والتيّارات اللبنانيّة اليوم).

    تعليقات المشاركين في “ذاكرة أخرى” تنوّعت كثيرًا. تراوحت بين الـ۷ والـ ٢۷ تعليقًا كمعدّل عام على كلّ موضوع من المواضيع الـ٢٦ التي تمّ عزلها. مع ملاحظة، على ما يبدو لم يؤثّر مكان العرض على “توجّه” وتنوّع الآراء، في خير استشفاف للانقسام الذي يعيشه لبنان اليوم على مواضيع الأمس البعيد.. والمستحضرة أبدًا (ومن هنا الضرورة الملحّة للعمل على موضوع الذاكرة لإزالة التوتّرات الكامنة…)

    التعليقات أتت بلغّات اللبنانيّين الثلاث (العربيّة، الفرنسيّة والإنجليزيّة). تحليل سريع ودراسة للمحتوى لعيّنة من التعليقات – طبعًا لا تتوسّل الصرامة العلميّة على هذا المستوى من القراءة، فهي مقاربة أكثر منها من دراسة- وبغضّ النظر عن الطابع الجديّ أو الفكاهي للتعليق.. تسمح لنا برسم تصوّر (profile) تقريبي لزائر المعرض:

    – “الحيادي” مع موقف الناظر عن بعد –recul- بمفهوم عدم الإنتماء لأيّ فريق، ينتقد ما حصل و”الجميع”. هو ينتمي إلى “لبنان”، يعرض أحيانًا لحاله كـ”ضحيّة”. ولا ينسى اتّخاذ المواقف القاسية من الجرائم المرتكبة ضد الأبرياء والعُزّل؛ مع كثير من “أنا خاطئ” –mea culpa- . مفارقة، هذه الشريحة لم تكن الأكبر. (عيّنة من التعليقات: “تنذكر وما تنعاد. ما في حرب بتخلص بعفو عام. عفو لم يعفِ عن وطن. حرب الآخرين على أرضنا. إستنكار لمجازر صبرا وشاتيلا. من عمر ۱٨إلى ٤٤، ضاع شبابي. Plus jamais ça… ومنهم من تخوّف من الحرب القادمة، والمستمرة، الخ ” مقدّمة لحرب جديدة، هستيريا التحريض الطائفي”. “الهستيريا ما زالت تعصف”. “أبي أعطانا أسماء حيادية لكي لا نذهب ضحية الطائفية”. La guerre habite en chacun de nous, elle n’est pas encore finie. صراع ثلاثة أوهام واحد مسيحي وآخر يساري إسلامي وثالث فلسطيني وقد وقعت الأوهام الثلاثة في مشروع الهيمنة السوري الواقعي..

    – “الملتزم”، نرى في مواقفه دفاع أو صكّ براءة (لفريقه) عمّا حصل. نوع من إعادة الاعتبار لفريقه (يستهدف الفريق الآخر..وأحيانًا المواقف الحياديّة). عيّنة من التعليقات: “إعرف عدوّك، الغريب عدوّك”. “في هذه الفترة كان لا بدّ من الدفاع عن لبنان”. “التدخل السوري لم يكن لإنهاء الحرب بلّ لتمديد الحرب”. “عقبال حلّ حزب الله”.

    “الميليشيا في زمن السلام أسوأ من الميليشا في زمن الحرب”… وكذلك يتعجّب من استعمال صحيفة “السفير” لكلمة “تطهير” في معرض حديثها عن سقوط الدامور.

    “الحركة الوطنية ترفض الاحتلال السوري..سبحان يلي بغيّر وما بيتغيّر”. “وهلّق لوين؟؟” ردّ عليه: “هلّق لسحب سلاح حزب الله”. “لماذا لم يعتذر أحدهم من فلسطينيّي تلّ الزعتر؟”؛ “سوريا ما زالت تتدخّل، شيئًا لم يتغيّر”. وعن اغتيال كمال جنبلاط وبشير الجميّل نقرأ عند الملتزمين: “السوري هو من يقتل… ۱٦/ ۳/۱۹۷۷ = ۱٤/٢/٢٠٠٥: نفس اليد” (في اشارة الى اغتيال الرئيس رفيق الحريري)،الخ. عن اغتيال بشير الجميّل أيضًا : ” Beaucoup d’espoirs sont morts après cet attentat !! “.

    ملاحظة أولى: بعض هذه التعليقات هي إلتزام بلبنان أوّلا وأخيرًا. لست أمام عبارة “مطاطة”، نوع من خانة مختلف أو Divers التي اعتدناها في استطلاعات الرأي. ولكن أمام حال الانقسام في البلد وانعكاسها على خيار المفردات، كان لا بدّ من تصنيفها بالموقف “الملتزم”. ملاحظة ثانية: أتوقف ههنا أمام تعليق أصرّ كاتبه بأن ينقله من مانشيت إلى مانشيت، كلما أشار النصّ إلى الشهيد كمال جنبلاط. كان ليكتب في كلّ مرة: “Les complexes de Kamal Joumblatt ont détruit le Liban”، ما معناه “تعقيدات كمال جنبلاط هي من دمّرت لبنان”. ولا أعلم إذا ما هو المعلقّ نفسه الذي توسّل هذه المرة الرسم الكاريكاتوري (أنظر الرسم)، كمال جنبلاط يقول “لقد أضعت فرشاة أسناني”.

    ومن التعليقات القاسية التي حملتها الأوراق، نطلّ على حالة الاحتقان في الشارع المسيحي بشكل خاص، وحصّة الأسد جاءت من نصيب الجنرال ميشال عون: Aoun le héros de la Guerre.. سرعان ما يأتيه الجواب: Aoun le zéro de la guerre . يكتب أحدهم أيضًا، “عون الرئيس المقبل للجمهوريّة اللبنانية”. يرد آخر كاتبًا: “سوريا أو لبنان؟”. “لماذا نقارن دائمًا عون بالسفّاح جعجع؟”. “هذا الشهم الذي ترك زوجته وبناته وهرب”. “دون كيشوت ترك جنوده يُقتلون”. “لو بقي في فرنسا”. “طارت أعصاب الجنرال وما زالت (طائرة) بعد ٢۳سنة”. “ومعها طار البلد”. “عون أكبر كذبة في تاريخ لبنان”. “العماد دون كيخوت”. “لولا حماقات وحروب الجنرال لكانت المناطق الشرقيّة صامدة حتى اليوم”، ورد عليه: “أليس من الحماقة أن تستعمل عبارة “المناطق الشرقيّة” اليوم يا بطل؟؟”. “من بعث صدّام حسين في العراق إلى بعث الأسد في سوريا تغيّرت الأحوال والجنرال واحد يلتحق بالأقوياء ويخسر”. “العماد حاربها حين كانت في لبنان وهادنها حين خرجت قرار صح” (موقف دفاعي). “الظاهرة ميشال عون” = صدقت السفير ولو لمرّة وحيدة”. “عفو عن عون بـ۱٥ سنة سياحة لفرنسا و”أدّروا” جهود جعجع بـ۱۱ سنة بفندق وزارة الدفاع هيدي بدّا TNX Double”.

    ننهي. ليست (حدود) التصنيفات المذكورة آنفًا مغلقة بإحكام، إنّما بدلاً من ذلك، يوجد بالأحرى تقاطع بينها. أردنا من هذه التقسيمات بشكل عام محاولة لتسليط الضوء ولإبراز خطوط الصدع الاجتماعيّة السياسيّة. ومن هنا الحاجة أبدًا إلى مشروع وطني تُستنفر له بشكل خاص شرائح المجتمع المدني، وهو المعني أوّلاً وأخيرًا بذيول ورواسب الحرب الأهليّة من أجل وطن ينظر إلى المستقبل، وقد تحرّر من عيوب الماضي.

    ومن يدري -وبالأحرى تمنّي- لمتابعة هذه التجربة، تطرّقها مستقبلاً، لا للحصر، إلى نشرات الأخبار (وافتتاحياتها) والبرامج السياسية التي توسّلت الوسائل البصريّة-السمعيّة، ودراسة كاريكاتور تلك الفترة، والشعارات والملصقات التي حملتها جدران بيروت، الأغنية السياسيّة، الخ. تمني برسم قطاع الشباب في “حركة التجدد الديموقراطي”، وباقي شرائح المجتمع المدني والندوات المختصّة المعنيّة.

    مارون صالحاني – منصور بو داغر
    NOW Lebanon
    18.05.2012

    Leave a Reply