• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    كوريا الجنوبية تترك بصمتها في الشرق الأوسط

    ترتبط سياسة “التوجه الى الخارج” ارتباطاً طبيعياً بالصين، وعن وجه حق. لكن من وجهة نظر شرق اوسطية، برز مؤخراً بلد أصغر حجماً بات يرسخ موقعه أكثر فأكثر ويستحق الاضاءة عليه. في العام 2009، تفاجأ الجميع عندما فازت مجموعة من شركاته الرائدة بعقد بقيمة 20,4 مليار دولار اميركي لتشييد اربع منشآت لانتاج الطاقة النووية في الامارات العربية المتحدة، بعد ان تفوقت على شركات عريقة فرنسية وأميركية. هذا الحدث دفع البلد بقوة الى الصفوف الامامية، لكنه كان بالفعل مجرد محطة في سلسلة طويلة من مشاريع بقيمة مليارات الدولارات في الخليج العربي وباقي الشرق الاوسط منحت كوريا الجنوبية بعداً جديداً في المنطقة.

    كان معدل الدخل في كوريا الجنوبية مشابهاً لمعدل دخل أكثر البلدان فقراً منذ 50 عاماً، لكنها تتميز اليوم باقتصاد رائد من بين اقتصاديات العالم الاكثر تطوراً. وكوريا الجنوبية رائدة في قطاعات الاتصالات وتكنولوجيا الانترنت، والبحث والتطوير وصناعة السيارات على سبيل المثال لا لاحصر، وحلّت سابعة من حيث صادرات السلع في العام 2010، حيث تفوقت على المملكة المتحدة. وفي العام الماضي، سجل اقتصادها نمواً قدره 6,2% على الرغم من الازمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم.

    صحيح ان الحاجة الى الطاقة كانت الدافع الأساسي وراء اهتمام كوريا الجنوبية بالمنطقة، لكن بعد ان اقيمت الروابط الضرورية، رأت الأطراف جميعها فائدة تعزيز الصلات الديبلوماسية والاقتصادية والثقافية. فلا ترى كوريا الجنوبية ان الشرق الاوسط مصدر 70% من وارداتها النفطية و48% من واردات الغاز الطبيعي فحسب، لكنه يشكل ايضاً سوقاً واسعاً لم يجر استكشافه استكشافاً وافياً بعد. وإذ تسعى الى توسيع دورها الديبلوماسي تماشياً مع حجم اقتصادها الذي يضعها في المرتبة الثانية عشر عالمياً، تأخذ اليوم على عاتقها مسؤوليات جديدة، فتشارك في تعزيز الأمن وضمان الاستقرار من خلال نشر قواتها في المنطقة. في خلال السنوات العشر الماضية، اوفدت كوريا الجنوبية بعثات حفظ السلام الى العراق وجنوب لبنان حيث ما زالت حتى اليوم. وتمركزت وحدة من جيشها تتألف من 350 عنصراً في عرض البحر قبالة الساحل الصومالي منذ العام 2008، لاجراء عمليات مكافحة القرصنة. وفي العام 2011، بدأت مهمة تدريب القوات الاماراتية وتنظيم التمارين المشتركة معها، ومن المفترض ان تدوم هذه المهمة عامين. لهذا الغرض نشر 130 عنصراً من الجيش الكوري الجنوبي في الامارات كجزء من وحدة “الأخ”. ووفقاً لقائد هذه الوحدة العقيد شوي هان أوه، يساهم نموذج التعاون العسكري الجديد هذا في الارتفاع بصورة البلد، وهو البلد الذي يهدف بالمناسبة الى تحقيق اربعة مليارات دولار من صادرات الاسلحة بحلول العام 2020، ليصبح من بين الدول العشرة الاولى المصدرة للاسلحة عالمياً. وبطبيعة الحال تأمل كوريا الجنوبية أن يأتي جزء من هذه الحصة من بعض الدول في الشرق الاوسط. وهي اليوم تخوض نقاشات مع العراق لبيعه طائرات تدريب عسكرية من طراز T50 في اطار صفقة شبيهة بصفقة “النفط مقابل الطائرات”، ومع الامارات العربية المتحدة لبيعها طائرات بدون طيار، على ان تنقل اليها التكنولوجيا ذات الصلة بالاضافة الى تكنولوجيا الصواريخ البالستية والقنابل الكهرومغناطيسية.

    من وجهة نظر عربية، تثمل البلدان النامية في شرق آسيا سوقاً مؤاتياً لتنويع صادراتها النفطية. بالاضافة الى ذلك، ان مليارات الدولارات التي تضخها شرق آسيا في المنطقة مقابل تزويدها بالطاقة تعادلها من حيث القيمة المشاريع التي تنفذها هذه البلدان نفسها في المنطقة، في ما يبدو دورة مفتوحة من تدفق الاموال بالاتجاهين تفيد الطرفين معاً. ومقارنة بالبلدان الغربية، يبدو ان بلدان شرق آسيا بعامة وكوريا الجنوبية بخاصة، اكثر ميلاً لنقل التكنولوجيا، حتى في المجالات الحساسة كالتكنولوجيا النووية، كما سيتضح للامارات وربما المملكة العربية السعودية أيضاً، أو في مجال الدفاع كجزء من التعاون العسكري المتزايد والأهم، نظراً الى الاستقطاب الحاد بين دول الخليج المدعومة من الغرب من جهة وايران من جهة اخرى بشأن برنامج ايران النووي وطموحاتها الاقليمية، تقدم كوريا الجنوبية خياراً اقل جدلية لكافة الاطراف. فهي تروج لنفسها لتكون البديل على الرغم من رسوخها في المعسكر الغربي، ونجحت في ان تنأى بنفسها عن المشاحنات السياسية الانقسامية فيما تستفيد من الفرص التي تتيحها لها هذه التوجهات الغربية.

    الا ان كوريا الجنوبية تواجه عقبات عدة في الشرق الأوسط: (1) فهي تبني على ميزتها الاولى وهي التنافسية، التي تدعمها المنتجات الجيدة نسبياً بأسعار جيدة نسبياً. وقد تخضع تنافسية كوريا الجنوبية للتشكيك اذا ما انحرف احد هذين العنصرين المتغيرين عن المسار. فالعملاء والمستهلكون لا يبحثون دوماً عن المنتجات الفاخرة باهظة الثمن. وخير دليل على ذلك الصفقة النووية مع الامارات. فاتحاد الشركات الفرنسية بقيادة “اريفا”، الذي كان يعتبر ان له الافضلية، يشتهر بمفاعلاته النووية الأكثر سلامة وأمناً مقارنة بنماذج المفاعلات المتطورة من الجيل الثالث المتوفرة حالياً. الا ان شركة الطاقة الكهربائية الكورية وشركاءها فازوا بالعقد استناداً الى السعر المقدم وتاريخهم في انجاز المشاريع انجازاً سريعاً. (2) تعد كوريا الجنوبية البلد الثاني من حيث عدد بعثات التبشير المسيحية وراء الولايات المتحدة الأميركية. أثار الرابط الواضح بين الحكومة الكورية ونشاط المبشرين شكوكاً كانت متوقعة في منطقة متدينة ومحافظة في الغالب. ولا بد إذاً من إيجاد أسس اخرى للتبادل الثقافي؛ (3) بعد ان ركزت كوريا الجنوبية على كردستان من خلال الصفقات النفطية ومشاركتها في البعثات العسكرية والإنسانية وإنشائها مشاريع بناء، وجهت إليها بغداد انتقادات حادة، خوفاً من أن تشجع النزعة الانفصالية في الاقليم الكردي. ومن المفيد ان تكتسب كوريا الجنوبية فهماً أعمق للمنطقة وشعوبها ودينامياتها.

    على الرغم من هذه العوامل كافة، من المتوقع أن تتزايد تبادلات كوريا الجنوبية مع بلدان الشرق الاوسط على نحو لافت في السنوات القادمة، كما يتضح من خلال المشاريع المخطط لها في المنطقة. فتجربة كوريا الجنوبية في التنمية الاجتماعية الاقتصادية أو في الانتقال الى الديموقراطية تؤهلها للاضطلاع بدور أساسي في منطقة تصبو الى التنمية والديموقراطية معاً.

    منى سكرية
    جريدة المستقبل
    02.03.2012

    Leave a Reply