• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    نسيب لحود والزمن الجميل

    كنا نعدهم على الاصابع واحدا واحدا، هؤلاء اصحاب القامات الشامخة والوجوه الواضحة والرؤوس المرفوعة، الذين لم ينحنوا يوما امام اغراء مال اوسلطة، فلم يبيعوا ولم يشتروا ولم يناوروا ولم يتأبطوا ذراع وصي او محتل، ولم يريقوا ماء الوجه على اعتاب ذوي السلطان لينالوا خطوة او موقعا.

    كنا نعدهم على الاصابع واحدا واحدا، هؤلاء النبلاء المحترمين الصادقين الذين لم يحترفوا الزنى السياسي على ارصفة العواصم، ولم يشربوا نخب الوطن نهارا ليشربوا دمه ليلا، هؤلاء الزاهدين بالثناء والمديح، الذين لم يستجدوا يوما تصفيقا وتطبيلا شعبيين عبر نبش القبور ونبش بشاعات الطوائف والقبائل والمناطق، فهم هم في السر كما في العلن، في الداخل كما في ساحات الامم.

    كنا نعدهم على الاصابع هؤلاء المقيمين في الرصانة والمعرفة والحكمة والهدوء، فلا اسفاف، ولا ابتذال، ولا ثرثرة، ولا تلفيق تهم جاهزة، فهم هم في العسر واليسر ثابتون في اناقة الحديث واناقة السلوك، هم هم في كل الازمنة نظيفو الكف، انقياء القلب، مرتاحو الضمير، متعففو اللسان وسط هذه الغابة السياسية من الصخب والضجيج واللغو الكلامي، في هذه الغابة من الالسن الخشبية فهم هم مترفعون متعالون عن التصنيف والتعميم والتشهير والصراخ والسباب والشتائم، مقيمون في صفائهم، كما الصحو الازرق، ثابتون في اقتناعاتهم، كما جذوع الزيتون.

    كنا نعدهم على الاصابع واحدا واحدا، هؤلاء الذين يعترفون بذكائنا ومعرفتنا، ويحترمون ذاكرتنا الفردية والجماعية، فلم يزوّروا التاريخ وحافظوا على نقاء المصطلحات من التلوث الحزبي والطائفي، فلم يعتبرونا اغبياء ولم يكذبوا علينا، ولم يمسخوا احداثا ووقائع وتواريخ عشناها لحظة لحظة وحفظناها عن ظهر قلب، هؤلاء الذين لا يتسلقون كلمات الوطن والحرية والدين ليدخلوا خلسة للسطو على كل ما ادخرناه من مقدسات وثوابت في ذاكرتنا الوطنية والانسانية.

    نعدهم على الاصابع هؤلاء بناة الجسور والمساحات المشتركة بين اهل الاختلاف في السياسة والثقافة والدين، فالأبواب الضيقة والزواريب الملتوية لا تتسع لقاماتهم وقلوبهم المعجونة بحب الارض والبشر، موصدة في وجه فحيح الاستعلاء والبغضاء.

    نعد على الاصابع هؤلاء الديموقراطيين حتى العظم، الاحرار الذين يدفعون اثمان اقتناعاتهم وترفعهم من رصيدهم الخاص، لا من اعمار الآخرين، هؤلاء الديموقراطيين من اهل العلم والثقافة والحداثة والمساءلة، هؤلاء الحالمين بوطن جميل مؤسس على الاخلاق والنبل والعدالة والموضوعية، هؤلاء المؤمنين بحق وحرية وقبول الاختلاف، فلا يسقطون افكارهم وآراءهم وكأنها حقائق مطلقة او آيات منزلة لا تقبل نقاشا او مراجعة. نفتقد هذا الصنف الذي لم يرفع في وجهنا يوما اصبعا او صوتا او مسدسا او تهمة جاهزة سلفا. محطة كلامهم: “اعتقد” و”في رأيي انا”. فلم يطلوا علينا يوما بمزاج سيء او بمنة او بتسديد حساب على موقف اتخذوه.

    نعد على الاصابع هؤلاء الديموقراطيين المجددين الذين تفاخر بهم امام الديموقراطيات العريقة، تفاخر بأنك تنتمي الى زمنهم دون ان تحرج او تخجل اذا جمعتك بهم رفقة طريق، ودون ان تقلق من فضيحة تخرج فجأة من تاريخهم الشخصي او الوطني، ودون ان تفاجئك صفقة او سمسرة او مناورة عندما يحين وقت الحصاد، دون ان تخاف عندما تغمض عينيك ان يبيعوك خلسة في اسواق النخاسة.

    نسيب لحود من الديموقراطيين الاحرار الذين يسائلون ويعارضون ويوالون دون ان يقيسوا الوطن على مقاس مصالحهم وطموحاتهم الفردية، هو من هذا النوع على قياس الوطن، هذا النوع من السياسيين الذين ينتخبهم الناس خارج صناديق الاقتراع، خارج مناطقهم ومذاهبهم ولوائح الشطب المفخخة بكل هجين وطارئ.

    هؤلاء الشجعان لا يليق الموت بقاماتهم، ففي غيابهم صقيع الفراغ ووحشة الازمنة الرمادية، وقساوة انقلاب المقاييس. ولانهم يعدون على الاصابع فان رحيهلم ثقيل، ولكنهم حاضرون وفي استحضارهم تتكسر قوارير العطر وتنفتح الخوابي المعتقة، وكما ضوع الطيب فهم يطلون بهدوء وينسحبون بهدوء دون ان تمحو الدروب آثار خطواتهم.

    نيسب لحود، انت كل هؤلاء، انت زمن لبنان الجميل والحلم بغد ربما يكون آتيا.

    أنطوان الخوري طوق
    جريدة النهار
    24.02.2012

    Leave a Reply