• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    “حزب الله” بين فائض السلاح وانسداد أفق “المشروع”

    السؤال الكبير المطلوب من “حزب الله” الاجابة عنه: “هل قدر شيعة لبنان أن يبقوا أخصاماً لنصف اللبنانيين ومنبوذين من معظم العرب ويبذلون التضحيات لمواجهة غالبية دول العالم؟”.

    تأسست استراتيجية “حزب الله” على مواجهة اسرائيل عبر مقاومة مسلحة استطاعت فرض انكفاء العدو الاسرائيلي عن لبنان عام 2000 وصموده في مواجهة العدوان على لبنان في حرب تموز، وأمن ذلك له تفوقاً عسكرياً داخلياً في مواجهة الأطراف اللبنانية الأخرى وتفوقاً سياسياً لمقاتلته عدواً يجمع معظم اللبنانيين والعرب على العداء له، وانضوى في محور اقليمي ممانع يناهض دول الاعتدال العربي ويتهمها بالتخاذل والتنكر للقضية الفلسطينية، بحيث كانت هذه الوضعية مثالية لدوره داخل لبنان وخارجه.

    أدت نتائج حرب تموز الى وقف عمليات “حزب الله” ضد اسرائيل، ثم لجأ الحزب الى استعمال سلاحه في الخلاف السياسي الداخلي في لبنان. وهكذا يكون “حزب الله” قد اخفق مرتين، واحدة في تعطيل وظيفته الاساسية، وأخرى في نظر من كان يعتبره فوق الانقسامات الأهلية والسياسية، لبنانياً وعربيا. لكن ذلك لم يطل تأييد قاعدته المتكونة من غالبية الطائفة الشيعية، التي اعتبرته ضماناً لغلبتها الداخلية ولحمايتها من اسرائيل، تضاف اليها مجموعات يسارية وقومية عابرة للطوائف تعتبر المواجهة مع الغرب واسرائيل رأس اولوياتها، ان لم تكن الأولوية الوحيدة.

    بقيت الخسائر التي طالت مؤسسات اقتصادية شيعية في جميع القطاعات الصناعية والزراعية والتجارية في حرب تموز، دون تعويض عنها من أية جهة رسمية أوحزبية بل تم الاكتفاء بتعويض البيوت السكنية ودفع مبالغ طائلة ذهب قسم كبير منها الى جيوب متنفذين حزبيين لم تطلهم خسائر حقيقية في وقت لم ينل المتضررون الحقيقيون كامل حقوقهم. وترافق ذلك بعد أشهر قصيرة من نهاية المعارك مع ظهور سلوكات من الترف وأنماط عيش واستهلاك رغيد لم يألفها الجمهور الذي قدم التضحيات، وأسس ذلك لتساؤلات هامسة داخل “حزب الله” نفسه وفي البيئة الشيعية طالت كوادر الحزب ونزاهة اطاراته.

    شكل الواقع الجديد هذا مدخلاً موضوعياً لاقامة تمايز وفصل، من جهة أولى بين تأييد شيعي لـ”حزب الله” في مواجهة اسرائيل وتأييد غلبته الداخلية لبنانياً، ومن جهة ثانية مساءلته في موضوعات محلية وانمائية اتصلت بتجربته السلبية في المجالس البلدية التي تولى ادارة شؤونها. وتحولت الانتخابات البلدية التي جرت عام 2010 حركة اعتراض جنينية لكنها شاملة في وجه “حزب الله” وحركة “أمل”، لا يتعدى سقفها التوازنات المحلية والخيارات الانمائية. تطور هذا الاعتراض لاحقاً حين تبدى لفئات شيعية واسعة فداحة الكلفة التي عليها تحملها بسبب خيارات “حزب الله”، بعد تكشف ملفات مالية كافلاس صلاح عزالدين وانهيار اعمال تاج الدين في انغولا، واقفال البنك اللبناني – الكندي، واسواق تجارة السيارات الاميركية، والتضييق على المغتربين الشيعة في افريقيا وجنوب اميركا وبعض دول الخليج، ليخرج الهمس الى صوت في العلن وصل الى مسامع أمينه العام فظهر مبرراً ومدافعاً واعداً بالمعالجة.

    وجاء الكشف عن وجود شبكات تجسس اسرائيلة يديرها ثلاثة من قيادات الصف الثاني في الحزب، واعتراف السيد حسن نصرالله بوجود ثلاثة جواسيس من “حزب الله” يعملون لمصلحة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، لينزع من أمام شرائح شيعية أخرى صورة الحزب العصي على الاختراق التي حاول أن يرسمها لنفسه. ولم يقتصر الأمر على خرق استخباري، طال جسم الحزب، يمكن أن يحدث في أي صراع أمني بل تعداه الى حوادث سرقة عدد من مخازن سلاح الحزب وبيعها من قبل نافذين كبار فيه حيث وصل هذا السلاح الى أيدي مجموعات في المعارضة السورية.

    أما الضاحية الجنوبية عاصمة الحزب وقاعدته فقد تفشت فيها ظواهر مقلقة من فوضى البناء غير الشرعي الى أزمة السير والازدحام، الى الخلافات العائلية المسلحة والاتجار بالمخدرات وترويجها، الى استتباب شبكة من المصالح والخدمات تم تقسيم مناطقها وعائداتها بين مسؤولين في “حركة امل” و”حزب الله”، وتركزت في اقتسام شبكات مولدات الكهرباء و”الساتيلايت” وتوزيع المياه على المنازل وخدمات الانترنت وغيرها، وصولاً الى فرض أتاوات مالية على المقاهي والمحال التجارية. ولم يكن أمام الحزب سوى اطلاق حملة واسعة تحت عنوان “النظام من الايمان”، والتي لم تدم طويلاً ولم تؤتِ ثمارها.

    أما في منطقة بعلبك – الهرمل فقد تردى الوضع المعيشي للمواطنين نتيجة ندرة فرص العمل، وعدم تصريف الانتاج الزراعي باسعار مربحة، والخسائر الفادحة التي اصيب بها قطاع تربية الدواجن وادت الى اقفال %70 من مزارعه، كما أدى تهريب الحليب السوري الى لبنان وغياب الدولة عن حمايته، الى تصفية قطاع تربية الابقار الحلائب وهو برنامج ساهم في تأمين موارد للاسر الريفية، كما تردى الوضع الأمني وسادت ممارسات الخروج على القانون والسطو المسلح على السيارات والمحلات التجارية في وضح النهار، وسرقة المنازل، بشكل لم تعهده المنطقة حتى في أحلك ظروف الحرب الاهلية وغياب الدولة، مما دفع تجار مدينة بعلبك لاعلان الاضراب طلباً للأمن وحماية الدولة. واستعاد بعض النافذين عادة زراعة المخدرات والاتجار بها وترويجها في مجتمع محافظ ظل محصناً طويلاً ضد تعاطيها رغم زراعته لها.

    واذا ما وضعنا جانباً الاسر التي تتأمن مداخيلها من وظائف معيليها في مؤسسات الدولة او من أقرباء في الاغتراب، فان بقية أسر المنطقة، متروكة لمواجهة الفقر والبطالة وكساد المواسم، في وقت تتمتع شريحة من كوادر الحزب ورجال دين في كنفه، بمداخيل كافية وبرعاية صحية كاملة وبتغطية لتكاليف تعليم أولادها، وتمارس نمط عيش مترفاً مأكلاً وملبساً ومسكنا.

    اعتقد جمهور من الشيعة ملتصق بـ”حزب الله” ان اسقاط حكومة الحريري هو لحظة انتصار أخرى يزيدها الحزب الى سجل انتصاراته، وان هذا الانتصار سيمكّن الحزب من دفن المحكمة الدولية ووقف تداعياتها، وانه سيؤدي اضافة الى ذلك الى تحقيق مصالح ومطالب مزمنة تطال قضاياه المعيشية، التي صوّر له الحزب ان الحكومات المتعاقبة تتنكر لها، لكن حساب الواقع كان مختلفاً عن ادعاءات التعبئة والتحشيد التي لطالما حركت هذا الجمهور في تظاهرات واعتصامات، استعملت أوراق ضغط في الخلاف السياسي اللبناني، وبدأت نخب هذا الجمهور تدرك ان قوة “حزب الله” محكومة بسقوف متعددة لا يستطيع اختراقها، سواء كان ذلك في موضوع مواجهة اسرائيل او في الواقع الاقتصادي العربي والدولي، فالمحكمة الدولية تم تمويلها برضى الحزب وصمته، والقضايا المعيشية الأساسية ما زالت كما كانت مهملة وتدار بطريقة اسوأ من السابق.

    وجاءت أحداث الربيع العربي الذي دعمت دول الغرب مساره، مع ما رافقها من صعود ملحوظ للاسلام السياسي السني على قاعدة الديموقراطية والدولة المدنية، لتظهر ان الرهان الشيعي، الذي دام طويلاً، على التحاق العرب لحظة نهضتهم بخيار ايران و”حزب الله” في مواجهة اسرائيل لم يكن الا وهما بان زيفه.

    خلال ثماني سنوات، صوّر “حزب الله” أمام انصاره، النظام في سوريا على انه شريان حياة الحزب والرئة التي يتنفس منها لتبرير انحيازه له والدفاع عنه في مواجهة قسم من اللبنانيين، وأدى انفجار الأزمة السورية واحتمال اسقاط النظام فيها، الى نقل شرائح شيعية واسعة من الشعور بالثقة والتفوق الى الاحساس بالقلق من المستقبل وأدى ذلك الى تحول حوارات البيوت والاندية الشيعية من البحث في توحيد الأمة، لقيادتها في خط المقاومة، الى التساؤل عن ضمانات الاقليات بعد الربيع العربي.

    يمتلك “حزب الله” ترسانة أسلحة هائلة، ستبقى فاعليتها قائمة الى ما بعد سقوط النظام السوري بمدة طويلة، كما يضم مقاتلين اشداء يقاتلون بشجاعة وبأس كبير، لكن احتمال ذهابه الى أية مواجهة تبدو بلا أفق، فعلى المستوى الداخلي بات جليا للحزب وأنصاره أن الاستحواذ على مفاتيح السلطة اللبنانية وقراراتها عبء عليه، أما على المستوى الاقليمي فالحزب يواجه، بعد أحداث الربيع العربي والأزمة السورية، عزلة عربية جماهيرية ورسمية، مما يجعل انخراطه انطلاقا من لبنان في أية مواجهة عسكرية تشنها الدول الغربية واسرائيل ضد الجمهورية الاسلامية مقامرة خطرة بمصير لبنان عامة ومصير الطائفة الشيعية على وجه الخصوص، وهو ما حاول السيد نصرالله خلال خطابه الأخير ان يقدمه كوفاء لدين مستحق لايران عليه. والسؤال المطروح اليوم في الساحة الشيعية ليس “كيف نرد دعما أفادنا في تحرير أرضنا وأهّل ايران لتصبح دولة اقليمية كبرى؟”، بل السؤال الكبير المطلوب من “حزب الله” الاجابة عنه “هل قدر شيعة لبنان أن يبقوا اخصاماً لنصف اللبنانين ومنبوذين من معظم العرب ويبذلون التضحيات لمواجهة غالبية دول العالم؟” الخيار الآخر متاح ولن تمنع حدوثه المكابرة.

    حارث سليمان
    جريدة النهار
    21.12.2012

    Leave a Reply