• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    نسيب لحود كان شامخاً كقامته

    بغياب نسيب لحود فقد لبنان قامة كبرى، وخسر الوطن رجل دولة، اطل على السياسة كبيرا، وغادر الدنيا كبيراً.

    سأذكر بعض تجربتي معه، منذ تعرفت اليه وامسى صديقاً اعتز بصداقته. كان ذلك منذ اكثر من اربعة عقود. كنت ضابطاً منفياً الى “وادي التيم” وكان مهندساً شابا واعدا يشرف على بناء معمل الجية الحراري. كان المكتب الثاني حاكم البلد المطلق نهاية الستينيات خصما مريراً لوالده سليم لحود.

    وقد اصابت هذه الخصومة الابن المهندس واصدقائه ونحن منهم.

    اكثر من مرة رأى نفسه متوجهاً بعد نهاية عمله الى حاصبيا لزيارتي فنجلس معاً على ضفاف نهر الحاصباني يخبرني عن همومه وتطلعاته وآماله. تعرفت الى والده الراحل سليم لحود فكنت ازوره مرة بعد مرة في مكتبه في بناية الكمال في ساحة الدباس. وكل مرة استدعى الى الشعبة الثانية لسؤالي عن علاقتي به وبوالده.

    عند وفاة والده بداية السبعينات وكان نائباً بدأ التحضير لانتخابات فرعية، وكان من الطبيعي ان يشغل هو مكانه. قمنا وشلة من اصدقائه ومنهم الصديق ايلي بيطار، بتأسيس الماكينة الانتخابية اللازمة وبدأنا العمل، الا انه فاجأنا قائلا بحزن وترفّع أنه تخلى عن المقعد لعمه العقيد فؤاد كي لا يسبب انشقاقاً عائلياً.

    رغم انه كان في الخط المقابل لفؤاد شهاب والمدرسة الشهابية، الا انه كان في صميم نفسه شهابياً بامتياز على الاقل لبناء الدولة. وذكرته بذلك بعد عشرين عاما في باريس عندما استضفته على غداء يوم كنت ملحقاً عسكريا في العاصمة الفرنسية، وقلت له ان اول من اعتنق، واقتنع، بضرورة بناء الدولة التي عمل لها فؤاد شهاب هو العميد ريمون اده، الخصم الاول للشهابية، والثاني هو انت، فابتسم موافقاً ولم يعلّق.

    عندما عيّن نسيب لحود سفيرا في واشنطن، بعد اتفاق الطائف لم تكن لديه خبرة ديبلوماسية، ولم يكن ديبلوماسيا بطبيعته، الا انه وبشهادة الكثيرين كان خير ممثل لبلاده، راقياً ومترفعاً ومتجرداً وجامعاً بين الخلق والاخلاق.

    باعدت بيننا الظروف والايام اشهرا، وربما سنوات. الا اننا كنا على تواصل لم ينقطع، وكنت اشعر ولو التقيته بعد سنة، اننا كنا معا في اليوم الذي سبق.

    منتصف التسعينات تقدم بالاشتراك مع الرئيس حسين الحسيني ونواب آخرين بمشروع قانون يضمن استقلال السلطة القضائية، ويشكل الخطوة الاولى في مسيرة بناء الدولة، الا ان هذا المشروع لا يزال في الدرج حتى تاريخه.

    في جلسة هادئة جمعتنا وأحد الاصدقاء، قلت له بأن من يعمل في السياسة عليه ان يكون مرناً، وذكّرته بقول “كلوز فيتز” بأن “السياسة هي فن الممكن”. فقال ان هنالك مبادئ وطنية لا يمكن المساومة عليها. وما قيمة الانسان اذا ربح العالم وخسر نفسه؟ اليس هذا ما يقوله السيد المسيح؟

    نسب لحود صديق وفيّ لمن صادق، وسياسي شفاف مارس السياسة بعكس مفاهيمها فكان صادقا، ونزيهاً وصلباً لا يساوم على مبادئه، رحمك الله ايها النسيب الحسيب لا ارثيك ولن ارثيك، بل اعزي لبنان لفقدانه طوداً شامخاً سيبقى ذكره ابد الدهر محفوراً بأحرف من صفاء.

    والآن وبعد ان اصبح نسيب لحود في رحاب الله ليس لي الا ان اردد ما قاله والدي رحمه الله مؤبناً علماً من اصدقائه: يا ايها الرجل الكبير الراقد في الرّمس يحف به الذكر الطيب والخلق الجميل.

    فالى رحاب الله يا صديقي اما غصة الفراق لدى محبّيك فستبقى ما بقينا أحياء، وما بقيت لنا ذاكرة.

    هشام جابر
    جريدة النهار
    12.02.2012

    Leave a Reply