• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الفرصة التي أضاعها لبنان

    غادرت لبنان الى فرنسا في خريف عام 1975 بعد ان تحول النزاع بين المقاومة الفلسطينية وحلفائها اليساريين، والدولة اللبنانية واليمين السياسي اللبناني، حرباً طائفية، مبتعداً عن وحولها الدامية ورافضاً الشعارات التي تمزق لبنان باسمها. ومكثت مقيما في الغربة طوال خمسة عشر عاما، ولم اعد الا بعد ان وقع اتفاق الطائف وخيل لي، ولكثيرين غيري، ان الحرب انتهت في لبنان. وكم كنا مخطئين وساذجين.

    فما اسفرت عنه الحرب من صعود قوى واسماء سياسية جديدة، ومن تغير في المشهد السياسي اللبناني في ظل الوصاية السورية، العسكرية والسياسية، لم يشجعني كثيراً على “تعاطي السياسة” او الاقتراب من لهيبها، مؤثرا التعليق على احداثها من بعيد. وكلما كنت اتردد الى لبنان، كنت ازداد اقتناعاً بأن دور جيل الخمسينات والستينات في لبنان قد انتهى، وان السفينة اللبنانية باستثناء ظاهرة رفيق الحريري الوطنية العمرانية البناءة، وايجابية بعض الشخصيات والمبادرات الوطنية – باتت تائهة في خضم مجهول الافق.

    الى ان التقيت نسيب لحود في احدى المناسبات وابديت له صادقاً اعجابي بتصريحاته ومواقفه الوطنية والعلمية في مجلس النواب، فدعاني الى المشاركة في حركة سياسية كان يستعد للقيام بها مع بعض الناشطين السياسيين والمثقفين الديموقراطيين والتقدميين. ووجدت نفسي، رغم قسمي بالابتعاد عن السياسة ووحولها، ملبياً دعوته ومنضما الى هذه الحركة الوطنية والسياسية الجديدة، والتي اعادتني عشرين سنة الى الوراء، اي الى ايام “الحزب الديموقراطي” الذي كنت احد مؤسسيه مع إميل بيطار وجوزف مغيزل وحنا زكور واوغست باخوس، والذي كان طائراً مغردا خارج فضاء الطائفية والمذهبية والزعامات العائلية وذهب مع رياح الحرب الاهلية، كما ذهبت قيم ووجوه وطنية لبنانية عديدة اخرى.

    امضيت السنوات الاولى من حياة “حركة التجدد الديموقراطي” التي اطلقها نسيب لحود ومن معه من الاكاديميين والمثقفين والاقتصاديين والناشطين السياسيين والتي شرفتني بانتخابي نائبا للرئيس. وكنت اقارن بين مستوى التعاطي مع الشأن العام الذي نحياه داخل الحركة وما يجري على الساحة السياسية اللبنانية، خارج جدران مكاتبها، فأشعر بالقهر، بل بالذعر، امام اتساع الهوة الفاصلة بينهما، واتساءل: هل نحن “التجدديين” واقعيون وفاعلون في هذا المجتمع المغلوب على امره؟ ام نحن مجرد “شهود حق” عليه؟ أم مجرد حالمين بالمستحيل؟!

    ومن خلال لقاءاتي بنسيب لحود ومشاركتي في هذه الحركة التي كان يقودها، زادت معرفتي به، وبصفاء وطنيته، وتحرره من أي هوى طائفي، وديموقراطية سلوكه، وعصرية رؤيته، وحداثة تفكيره. وكغيري من أعضاء الحركة – وككثيرين غيرنا من اللبنانيين – كنت أرى فيه رائداً سياسياً جديداً مرشحاً للقيام بدور وطني كبير في لبنان. ولكن الناخبين في المتن آثروا – لسوء حظ لبنان – الاقتراع لمن يدغدغ عواطفهم أو يثير غرائزهم، لا الى من يخاطب عقولهم ويرسم لهم وللبنانيين جميعاً الطريق الذي يحقق لهم الاستقرار والازدهار ويدعم الوحدة الوطنية الحقيقية في اطار رؤية وطنية عقلانية وديموقراطيةعصرية.

    يوم خذل الناخبون نسيب لحود، بعد ان انتخبوه ثلاث مرات نائباً عنهم، سألت أحدهم عن السبب فقال: انه انسان وطني ومثقف ونزيه وراق ومخلص، ولكنه “معتدل”، ونحن بحاجة الى نواب أقوياء يقفون في وجه التكتلات الطائفية الاخرى. نعم، كانت جريمة نسيب لحود السياسية انه كان وطنياً لا طائفياً نظيفاً ومعتدلاً. أي لم يكن “قبضايا طائفياً”.

    يومها لم أجد من كلمة “أهنئه” بها على فشله في الانتخابات سوى قولي له: “يبدو ان السياسة في لبنان لا تستحق أمثالك”.

    لقد استمر نسيب لحود وحركة التجدد الديموقراطي معه – في نضالهما مع القوى السياسية والوطنية التي تجمع بينها أو تقرب بينها المبادئ والقيم الاستقلالية والسيادية والتقدمية، وكانت له مواقفه في ساحة الشهداء مع قادتها. وكان من طبيعة الامور والمنطق السياسي أن تتوجه اليه الانظار عند اقتراب استحقاق انتخابات رئاسة الجمهورية عام 2008. وفي المهرجان الذي نظم له في “البيال” وأعلن فيه ترشيحه للرئاسة، كان حظه في النجاح أقوى من حظ غيره من المرشحين، لو لم تلعب المصالح الاقليمية، كالعادة، دورها في الساحة السياسية اللبنانية. ومن قال بأن رؤساء لبنان عموماً يختارهم النواب اللبنانيون بحرية، أو الشعب اللبناني؟!

    مرة أخرى جرت الرياح بغير ما يشتهي اللبنانيون المخلصون لوطنهم والواعون لمصلحته في هذا العالم والعصر الجديدين، وراحت الرئاسات والحكومات والحقائب “تصنع” في العواصم العربية، ووفق توازنات اقليمية ودولية. آخر همّ فيها هي ارادة اللبنانيين.

    لقد رحل نسيب لحود عن هذه الدنيا، كما رحل فؤاد شهاب، وقادة وسياسيون آخرون، ممن أرادوا بناء وطن ينعم فيه أبناؤه بالحرية والعدالة والمواطنية والعلم والحداثة، وضاعت على لبنان، مرة أخرى، فرصة وطنية وسياسية.

    باسم الجسر
    جريدة النهار
    09.02.2012

    Leave a Reply