• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    نسيب لحود القماشة السياسية النادرة

    رنا نسيب لحود في اتجاه وثبات مضيئة، لوطن تراكمت فيه الاوجاع، واثخنت جسده الجراح، وثقلت عليه المحن… كان هذا الرجل الذي ودعناه على الرجاء، يذهلني في جدية البحث،وصدق الالتزام، وصفاء الرؤية، ونزاهة السلوك. فبدونا نفهم من خلال ادبياته المطلة من عقل ثاقب، أن الوثبات لا يدركها، الا من ولد من النور وسطع. والنورانيون في لبنان باتوا قلة، لكوننا فقدنا القيم، وانحدرنا الى قاع مظلم، وبدونا في ازمنة الجفاف.

    ادركت نسيبا في عمق النضال. لم يكن نضاله مترجرجا او عشوائيا. فقد نما ذلك كله من ابحاث ادمن على الخوض فيها، وجذب اليه في المسرى النيابي او الوزاري، او في مدى الطموح الى رئاسة كانت تليق باطلالته العميقة والانيقة، مجموعة من الاكاديميين والباحثين ليقرأوا معه المستقبلات ويعدوا له العدة ليتسلق على اعمدة منحوتة من نور ويطل على الغد الآتي.

    ذاق العمل السياسي على اساس انه التزام العقل، فينزل العقل المحتوى في جوف العمل، ويفتح نافذة نحو القلب، فيتألق ببهاء المحبة. العقل ان شرّع نوافذه على القلب فانه يطل على المدى الواسع، ويذهب منه نحو اللامدى، وبخاصة اذا نحا صاحبه نحو التزام العدل والحق التزاما كاملا. على هذا الاساس تحرر نسيب لحود من الخطاب السياسي الذي مجه الناس. كنت ارى في قلب خطابه لبنان المجبول بالقيم الخلقية والانسانية والروحية. عنده ان السياسة تولد من رحم الاخلاق، وتتجلى كما تزهو بها. تلك قاعدة علمنا نسيب لحود ان نلتزم بها في التوق لتجسيد الديموقراطية الحق والحرية الحق والانسانية الحق. وتحدد الاخلاق مناهج الحياة والرؤى، فتفصل الخاص عن العام، وتحدد آفاق كل منهما. نسيب لحود اتبع تلك القاعدة، حين قرر فصل اعماله الخاصة عن عمله الوطني.

    لم تكن السياسة والنيابة مدى للترف، بل مارس النضال مطبقا ما كان احد كبارنا يقول: “الذكي هو الذي يوصل نفسه، اما العبقري فهو الذي يوصل بلده الى القمة”. جمهورية الاحلام، هي جمهورية القمم العالية، التي نشأ عليها نسيب في بيته العريق، ورثها من والده، وصقل بها وعمل على تجسيدها سواء في الديبلوماسية او في دنيا السياسة. وتفاعل بها تفاعل عقلانيا وبصورة فائقة التهذيب. انكشف تحليله السياسي من العراقة، وارتكزت قراءته على المعطيات التي فاحصها العقل ومشرحها، وبنتيجة ذلك كان يبدي رأيه بموضوعية وتجرد، وبكل احترام لنفسه وللآخرين، وبأمانة لوطن احبه حتى الثمالة وترك كل شيء من اجله حتى يزهو في محيطه العربي، موئلا للديموقراطية والعدالة وحقوق الانسان.

    ليست الديموقراطية ديموقراطية الاتفاق، بل هي ديموقراطية الخلاف، والخلاف الرصين بداءة حوار ينبع من روحية التنوع الذي صاغ لبنان المعاصر والحديث. ولن يبقى اي معنى للعروبة الحقيقية اذا فقدنا هذا التنوع بحيثياته السياسية والثقافية.

    فهم نسيب لحود موضوع التجدد الديموقراطي، ليس في آليته كتجمع او حركة لقاء بين مجموعة ديموقراطية، بل كاطار يجب ان يشمل لبنان في تجديد الحياة السياسية فيه على اساس المواطنة، حيث تذوب الطوائف والمذاهب، وتتأسس احزاب جديدة ترسخ ذاتها بهذا الجوهر، فتنتفي الصفة الطائفية والمذهبية عن الاحزاب لتلتقي في الوطن المؤسس على المواطنة، وفيه تستعيد الديموقراطية معناها الحقيقي والكامل.

    لم يتحقق توق نسيب لحود، ولكن حركة التوق ورثناها نحن منه. وآمنا معه ان لا بد من فجر جديد، ينبلج فوق تراب لبنان وفي دنيا العرب. وترك لنا مجموعة قيم لا بد من ان تكون الحافز لنا لنتطلع الى غد زاهر. رحل الرجل الكبير بالجسد، ولكنه بقي في الرؤى والتطلعات، وسيبقى صوته الهادر والهادئ في آن المنساب من هدأة العقل، اطارا لنتذكر ان علينا ان نستحق وطنا للحق، حتى لا يذوب وجهه في صراع الامم.

    عدت يا صديقي لتترك جسدك بين صنوبرات بعبدات محفوفا بجمال لبنان. وانت لم ترحل في المطلق، بعدما رسخت نمطا فريدا معانقا المستقبل، لنكتشف ان لنا هوية ووجودا كتبا بدم مسفوك. وحده الدم رحم الولادات الجديدة، وعلمتنا ان لبنان يستحق ولادة جديدة له.

    جورج عبيد
    جريدة النهار
    08.02.2012

    Leave a Reply