• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    لا تنسوا نسيب لحود

    خسرنا للتو فلذة من ذواتنا ووجداننا برحيل هذا الانسان الكبير والسياسي النبيل. سبقني كثيرون في الكتابة عن نسيب لحود، قبل ان تحين فرصتي هذه، وكانوا متقاربين جدا في رواية ما عرفوه وعرفته عنه ومنه، ما يؤكد نصاعة الشفافية التي تمتع بها، بل كان مثالا لها. ويكفي هذا الاجماع غير القابل للدحض على اننا، مع نسيب، كنا ازاء نموذج لبناني يصعب تكراره. وكما لم ننس ريمون اده يجب الا ننسى نسيب لحود، اذ كانا يجسدان معيار الاستقامة والنزاهة.

    في الجيل الحالي للسياسيين، مرتهني البلد والناس، كان نسيب البوصلة والمقياس، حامل اختام المصلحة الوطنية بلا احقاد ولا نعرات، متشبعاً بروح الوطن – الرسالة، والوسطي اللاطائفي الذي يقبل الآخر كل آخر بالفعل وليس بالقول فحسب. كان مدركا المصالح ودوافعها ومترتباتها وهذا ما مكّنه من الترفع عليها. وطالما كان هنا كنا نعرف ان لدينا رئيسا جاهزا، الرئيس – الحلم الذي تمنيناه، لانه الكنز المرجعي لكل ما ندر في سياسيي جيله من مبادئ ثابتة واخلاق رفيعة ومواقف قوية مبكرة لا تساوم على الدستور والقوانين والدولة والمؤسسات.

    انظروا من حولكم وقارنوا. كلهم علموا ويعلمون انه كان مختلفا. احبوا فيه ما لا يستطيعون ان يكونوه، اما الذين خاصموه وهو لا يعرف المخاصمة فكرهوا فيه كونه مرآة تعكس لهم صورة لا يحبونها عن انفسهم، وفيما كان يتصرف كأنه نذر نفسه حارسا للثوابت: السيادة، الحريات، الديموقراطية والدولة المدنية، كانوا يتبارون في المتاجرة بها، بل ذهبوا ابعد. كانوا ولا يزالون غربان الحرب الاهلية المستمرة، وهو كان عنوان السلام الاهلي، لكنه رحل قبل ان يرى ولو بداية لهذا السلام بانكفاء الميليشيات و”ثقافتها” المستشرية، وعودة للحكم الى كنف المدنيين.

    مضى نسيب وفي نفسه حسرات كثيرة على تدهور واقع البلد، وعلى تكالب القوى السياسية على سحق القيم وتطويب اخطائهم باعتبارها الصواب وتكريس ارتهاناتهم على انها امجاد يضعونها في رصيد لبنان الذي لم يعد احد منهم يعرفه او يتصور له مستقبلا مختلفا. باعوا انفسهم ويبيعون مستقبل اولادهم. كان نسيب دائم الهجس بالشباب ويشعر بقلق كبير من مصادرة السياسيين الملوثين لحاضر الشباب وغدهم.

    كان نسيب رقما صعبا بالنسبة الى دمشق عندما كانت عاصمة نظام الوصاية، فكل من زارها وحتى جواسيسها زادوها اقتناعا بأنه الرجل المحترم المناسب، لكنه لم يكن يناسبها ليلعب دور الوجه الجميل لنظامها البشع في لبنان. كانوا يعيّرونه بأنه مستقل يصعب استتباعه ونظيف يعسر ابتزازه. كان العيب فيهم، إذاً، وليس فيه. وهو على اي حال كان آخر من يلهث وراء منصب، حتى لو رغب فيه ليخدم البلد والشعب. لذلك لم يكن يناسبه هو الآخر ان يكون دمية في يد سوريا او سواها.

    عبد الوهاب بدرخان
    جريدة النهار
    08.02.2012

    Leave a Reply