• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    نسيب لحود في حديث أخير: لم أكن مرشّح النصف + 1

    في القاعدة أن الجمهورية تنتخب رؤساءها. وفي الاستثناء أن رؤساء صنعوا الجمهورية. نسيب لحّود رابع في هذا الاستثناء. صنع فؤاد شهاب الجمهورية بعدما انتخبته. ونُظِرَ إلى حميد فرنجية على أنه صانع جمهورية قبل أن يُقصى وبعدما أقعده المرض. الثالث ريمون إده. رؤساء مدى الحياة

    هذا الرجل هو ابن النظام الحالي وصورة مناقضة له. جذوره في شجرة سياسية عَبَرَت أجيالها الثلاثة المتعاقبة في حكم لبنان أكثر من نصف قرن. في كل منها كان ثمّة أحد ما منها، وأحياناً أكثر من واحد. إميل لحّود الكبير في الجيل الدستوري، وسليم لحّود في الجيل الشمعوني، وجميل لحّود في الجيل الشهابي. في الأجيال الثلاثة، كان بين أبناء تلك الشجرة مَن اقترب من الرئاسة. التصق إميل الكبير بالرئيس بشارة الخوري.

    وكان سليم أبرز الأسماء التي رغب الرئيس كميل شمعون في ترشيحها لخلافته عام 1958. ورشّح كمال جنبلاط جميل مرتين للرئاسة عامي 1964 و1970 أخفقتا لأن جنبلاط لم يصمد طويلاً في خياره.

    هكذا أتى إلى انتخابات الرئاسة من تجربة مألوفة في العائلة. لم يُكتب لأي من أبناء الشجرة إلا أن يقف في ظلّ الرئيس، ولا يصبح خلفه: أن يكون خياراً في اللحظة الصعبة.

    نسيب هو ابن الجيل الرابع. لم يأتِ إلى النظام في أعقابهم كما أنسباؤه، وكل منهم دخل إليه بعد آخر ـــ أو معه ـــ لمتابعة الدور. انقطع حضور العائلة في النظام والحكم في سنوات متأخرة من الحرب بعد غياب فؤاد لحّود، فلم يكن لنسيب ـــ وهو يدخل النظام الجديد المنبثق من اتفاق الطائف ــــ أن يقطف بعد ثمار التسوية. لم يشارك في صنع الحرب والانهيار وقتل «لبنان القديم». انضم إلى النظام كي يدافع عنه. أول سفير لاتفاق الطائف في واشنطن، ثم أصبح نائباً ووزيراً. مرشّح دائم للرئاسة منذ عام 1995. لكنّ أياً من الاستحقاقات الأربعة مذ ذاك لم يجر بلا تواطؤ على الدستور.

    كُتب الكثير عنه بعد رحيله. وسيُكتب الكثير عنه أيضاً عندما يستحق افتقاده أكثر، عن تجربة استثنائية لا تشبه إلا صاحب رؤية لرئيس. كتب «رؤية للجمهورية»، بيد أنه كتب كذلك ـــ وهذا هو المهم ـــ رؤية لرئيس لم يُعطَ أن يكونه كي يأتي.

    سألته في 8 كانون الأول 2011، في حضور مستشاره الإعلامي أمين سرّ حركة التجدّد الديموقراطي الدكتور أنطوان حداد في مكتبه في الأشرفية، هل كان فعلاً مرشح النصف + 1، فأجاب: «عندما رشّحتنا 14 آذار، بطرس حرب وأنا، لم يكن ذلك على أساس انتخاب بنصاب النصف + 1، بل ترشحنا لانتخابات الرئاسة في موعدها الدستوري. اعتبرت 14 آذار آنذاك ترشيحنا مرونة في تعاطيها مع الاستحقاق. لا تفرض مرشحاً على الفريق الآخر، بل تقترح اثنين كي يصار إلى التوافق على أحدهما. حدث ذلك أشهراً قبل بدء المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس. مذ طُرح ترشيحنا، بدأت ترد أخبار عن وسطاء جدّيين ذهبوا إلى حزب الله لاستطلاع موقفه، فلم يُبدِ تجاوباً.

    كنت مقتنعاً تماماً بأن المادة 49 من الدستور تتحدّث عن نصاب الانتخاب وليس عن نصاب الانعقاد. نصاب الانتخاب في الدورة الأولى هو الثلثان، وفي الدورة الثانية النصف +1. كان ذلك اقتناع معظم أفرقاء الأكثرية التي كانت تملك نصاب الانتخاب في الدورة الثانية. لم تشر إلى هذه المسألة من باب التهديد، بل من اقتناع كامل بما أوردته المادة 49. لم تكن هذه وجهة نظر الفريق الآخر، فعدّ موقفنا نكاية. كنا نتحدّث في القانون وليس في سوى ذلك. لكن هل كان هناك قرار لدى فريقنا بانتخاب بالنصف +1؟ بالتأكيد لا. لم يكن هناك إطلاقاً أي قرار بذلك. بل كان الاتفاق الذي تداولناه في اجتماعات ثنائية، جميعنا في 14 آذار، انتظار الوصول إلى المهلة الدستورية ثم نجتمع عندئذ كي نقرّر الخيار الأقل ضرراً وخطراً على البلد، والمكاسب التي يمكن أن تترتب عليه: الفراغ الرئاسي أم انتخاب الرئيس بالنصف + 1 وفق المعطيات التي تكون قد توافرت عندئذ. لم نقل مرة إننا سننتخب رئيساً بهذا النصاب، ولم نتفق عليه حتى. ولم أكن مرة مرشح النصف + 1. تركنا القرار إلى الوقت المناسب. كنت وبطرس حرب مرشحي 14 آذار، وكانت لكل منا وجهة نظر مختلفة من تفسير المادة 49. طبعاً دافعت عن وجهة نظري لأسباب قانونية، وكذلك لأسباب سياسية.

    اعتبرت التلويح بالنصف + 1 موقفاً تكتيكياً مفيداً في ذلك الوقت كي لا نعطي الفريق الآخر ورقة يستخدمها ضدنا في الاستحقاق، رغم أنه يمثل الأقلية ونحن نمثل الأكثرية، وهي أنه قادر على تعطيل جلسة الانتخاب ساعة يشاء. بذلك نعطّل الدستور. كان من المصلحة التلويح بالنصف + 1 كي تعتقد 8 آذار بأننا قادرون على اتخاذ هذه الخطوة، فتجلس معنا إلى طاولة التفاوض والاتفاق على الرئيس. لوّحنا بهذا الخيار كي لا نعطي الأقلية فرصة للتعطيل ونحرم الغالبية من سلاحها الدستوري القوي، وهو منعها من استخدام أكثريتها، ولئلا يصبح الرئيس المقبل أسير الأقلية عندما تهدّد بتعطيل النصاب، لأنها تريد هذا ولا تريد ذاك.

    لكن هل كنا فعلاً نريد استخدامه؟ أؤكد لك لا، في ذلك الوقت. لم نتخذ به قراراً أبداً. كان الأمر يتوقف على قرار فريقنا عند ولوج المهلة الدستورية. لم يعنِ ذلك أنه احتمال غير وارد. لذلك ارتأينا انتظار المهلة الدستورية قبل اتخاذ القرار. هذه هي فلسفة موقفنا من نصاب النصف + 1. طبعاً لم يؤيّد البطريرك مار نصر الله بطرس صفير هذا الموقف. لم أثر الموضوع معه في أي من زياراتي لبكركي. في المقابل لم يكن إصرار بعض أفرقاء 14 آذار على التهديد العلني بالنصف + 1 (رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع) إلا جزءاً من اللعبة السياسية. كانا في صلب ما اتفقنا عليه، ولكنهما ذهبا في المناورة السياسية إلى أبعد من الآخرين. كنا نعي خطر انتخاب رئيس بالنصف + 1، لكن لم يكن من المقبول التخلي عن هذه الورقة».

    وهل أيّدت واشنطن وباريس نصاب النصف + 1، قال لحّود: «لم يكن هناك تشجيع من أيّ منهما، رغم كل ما قيل وشاع عن أن إقدامنا على هذا الخيار سيؤدي إلى اعتراف المجتمع الدولي برمّته بالرئيس الجديد، باستثناء سوريا وإيران، وإلى فرض أمر واقع جديد في لبنان».

    أضاف: «النصف + 1 لم يكن قراراً، بل خياراً. قرارنا الأصلي ترشيح مَن يمكنه قيادة تسوية مع الفريق الآخر. لكننا أصررنا على ورقة التلويح كمدخل إلى التسوية تلك. لسوء الحظ التقطت 8 آذار الفكرة، واعتبرت التمسّك بالنصف + 1 كحق لنا تحدّياً لفرض رئيس للجمهورية من صفوفنا».

    لم يشأ لحّود الترشح رسمياً إلا بعدما ضمن تأييد 70 نائباً من الغالبية، أبرزهم نواب رئيس تيّار المستقبل النائب سعد الحريري وجنبلاط. تحدّث معه أيضاً، ومع الحريري، نواب من خارج حلفائه و14 آذار، من نواب الأطراف ـــ وبينهم زحليون ـــ عن استعدادهم للتصويت له إذا ترشح. تراوح عدد هؤلاء بين ثلاثة وأربعة نواب. تيقّن لحّود من عدم تأييد نواب كتلتي الرئيس نبيه برّي وحزب الله وكتلة الرئيس ميشال عون التي تدعمه هو. في 13 أيلول 2007 عقد مؤتمراً صحافياً أعلن فيه ترشحه استناداً إلى برنامج حكم أعدّه سابقاً. توقع أن يجد حزب الله في مضمون «رؤية للجمهورية» ما يساعد على تأييده. فلم يفعل.

    رفضت 8 آذار ترشيح لحّود وحرب، وبات الجميع في مأزق التعطيل. ومن غير التخلي عنهما، حاولت الغالبية تقليص فسحة التناقض مع الفريق الآخر. سمّت النائب روبير غانم، فرفضه جعجع. طرح البطريرك الوزير السابق ميشال إده، فرفضه الحريري. طرحت الغالبية أيضاً اسم الوزير السابق الشيخ ميشال الخوري فرفضه حزب الله. التقى جنبلاط وجعجع على رفض ترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان. أيّد الأول لحّود، وفضّل الثاني حرب اسماً أول ولحّود ثانياً، لكنه لم يدعم اسماً ثالثاً. مَالَ رئيس الحكومة فؤاد السنيورة إلى لحّود أولاً ثم إلى النائب والوزير السابق جان عبيد مرشح برّي، وهو يتشدّد في رفض حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

    تدحرجت الأسماء واحداً تلو الآخر، بينما اسما لحّود وحرب ظلا في رأس المفاضلة لدى 14 آذار. إلى أن اجتمع السنيورة وجنبلاط والحريري في 22 تشرين الثاني 2007، عشية نهاية ولاية الرئيس إميل لحود، في غياب الشركاء المسيحيين في 14 آذار، واتفقوا على تأييد قائد الجيش للرئاسة مرشحاً توافقياً بينهم والفريق الآخر. بعد بضعة أيام، 28 تشرين الثاني، كشف تيّار المستقبل خيار ترشيح سليمان. فوجئ الرئيس أمين الجميّل وجعجع، وكذلك الشخصيات المارونية والمسيحية في الائتلاف الموالي، وأخصّهم المرشحان المعلنان لحّود وحرب، وغضبوا. استدرك الحريري الثغرة المهينة، واجتمع بهم تباعاً في قريطم لتبرير قرار لم يناقشه أقطاب 14 آذار جميعاً، وتجَاهَلَ موقف أركانها المسيحيين، وأساء إلى تعهّد كان قد قطعه هذا الفريق عندما أعلن أنه لن يساوم على ترشيح عضوين من صفوفه هما لحّود وحرب. في 2 كانون الأول 2007 ـــ وكانت الرئاسة شغرت ـــ اتخذت الأكثرية موقفاً علنياً جامعاً بتأييد انتخاب قائد الجيش، خيارها الوحيد.

    سألت لحّود هل غشّته، وحرب، 14 آذار عندما تمسّكت بترشيحهما ثم تخلّت عنهما فجأة وسرّاً بتأييد مَن كان معظمهم يرفضه. ردّ: «لا. لا أعدّ ما حصل غشّاً. ربما كان موقفاً واقعياً. إلا أنني اعتبرته تصرّفاً غير أنيق. كان في الإمكان مثلاً أن يدعواني وبطرس حرب إلى الاجتماع ومفاتحتنا بالعقبات التي تمنع انتخاب أحدنا، والظروف التي تملي ترشيح العماد سليمان، وتالياً إيجاد مخرج لائق لانسحابنا من انتخابات الرئاسة ودعم ترشيح قائد الجيش. أكيد لم تكن هناك مؤامرة. كان المطلوب إيجاد المخرج الأنيق ليس أكثر».

    غداة 22 تشرين الثاني 2007، وقبل أن يُكشف اتفاق السنيورة وجنبلاط والحريري على سليمان، ذهب السفيران الأميركي جيفري فيلتمان والفرنسي برنار إيمييه إلى لحّود، تباعاً، فصلت بينهما ساعتان، وأبلغا إليه رسالة مقتضبة، مفادها أنه سيكون من غير اللائق عدم إطلاعه على الاتفاق على ترشيح سليمان.

    قالا له: لا يسعنا إلا أن نعلمك ذلك.

    لم يقل فيلتمان مرة، في أكثر من اجتماع عقده بلحّود،خلال أشهر قبل الاستحقاق الرئاسي وإبانه، إنه يؤيّده للرئاسة، ولا تحدّث أمامه عن مواصفات تشبه محدّثه. لم يسمع تأييداً من أي ديبلوماسي أميركي زاره للإصغاء إلى رأيه في الرئاسة اللبنانية. بيد أن فيلتمان أفصح تماماً عن موقفه من لحّود في البرقية رقم 1659 في 23 تشرين الأول 2007، قبل شغور الرئاسة، وقرنها بعبارة سرّي، كشفتها وثائق ويكيليكس. في هذه البرقية وضع لائحة بالمرشحين للرئاسة صنّفهم بين مرشحي 14 آذار ومرشحي التسوية ومرشحين دائمين ومرشحي التعديلات الدستورية ومرشحين ثمانينيين ومرشحين غير ملهمين.

    كان لحّود في رأس اللائحة، وكتب عنه فيلتمان الآتي: «من المعروف أنه أفضل المرشحين. هو ابن عمّ الرئيس إميل لحّود، ولكنّ سياستيهما مختلفة تماماً. لنسيب موقف معاد بقوة لسوريا وعلاقته وثيقة بالعربية السعودية (أخت زوجته كانت تزوّجت الملك عبد الله)، ممّا يجعل ترشيحه خطاً أحمر حتمياً بالنسبة إلى المعارضة الموالية لسوريا. الأمل الوحيد لنسيب لحّود في تسميته هو أن تقوم 14 آذار بانتخابه بالنصف + 1. وهذه خطوة مثيرة للجدل، أعلنت 8 آذار أنها غير دستورية. لحّود الذي كان نائباً في البرلمان قبل أن يخسر مقعده في المتن لمصلحة كتلة عون، صوّت ضد التعديل الدستوري لتمديد ولاية إميل لحّود. تتحدّث كتلة عون والذين يدعمونها بشكوك عن زواج لحّود بسنّية، في حين يتهمه حزب الله بعلاقات حارة أكثر ممّا ينبغي مع الولايات المتحدة، إذ كان سفيراً للبنان في واشنطن. يعتبر لحّود أنظف المرشحين. ذلك أنه أوقف في لبنان كل أعمال شركته الهندسية الناجحة بعدما دخل المعترك السياسي. يرى بعض الناس بالفعل أنه لن يُسمح له أبداً بأن يُصبح رئيساً للجمهورية، لأنه لا يمكّن السوريين من رشوته أو ابتزازه».

    المواصفات نفسها، والأسباب نفسها المانعة لوصوله إلى الرئاسة، كان قد سمعها فيلتمان من السفير السعودي عبد العزيز خوجة عندما قصده في مقرّ السفارة السعودية في 5 نيسان 2006، واطّلع منه على محضر اجتماع خوجة بالأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله في المساء السابق واستمر ساعتين.

    في برقيته إلى حكومته رقم 1072 في 6 نيسان 2006، وُضعت في خانة سرّي، كتب فيلتمان في الفقرة 3: «قال خوجة إنه سأل نصر الله عن مرشحين آخرين محتملين للرئاسة (سوى عون في الفقرة 2)، فأفصح له نصر الله أن نسيب لحّود قد يكون الأفضل من حيث الكفاية والاستقامة والإطلالة الدولية. وافق خوجة. قال نصر الله إنه ليس لنسيب علاقات مع شيعة لبنان. أكثر من ذلك، فإن رؤيته للبنان في المدى البعيد لا تلتقي مع رؤية حزب الله. لا يعتقد نصر الله بأن الشيعة سيكونون محميين في ظلّ حكم نسيب. وأخبر نصر الله خوجة بأن حزب الله سيقف عقبة في وجه رئاسة نسيب لحّود بمعزل عن أي أفضلية لعون الذي يناقض لحّود أكثر من أي مرشح آخر. وبينما لاحظ خوجة أنهما ناقشا طويلاً موضوع نسيب فقط، قال إنه شعر بأن نصر الله «أوصد الباب تماماً» في وجه أي مرشح من 14 آذار. وقال خوجة إنه لا يستطيع توقّع هل حزب الله سينزل إلى الشارع كي يستبق وصول نسيب أو أي مرشح من 14 آذار إلى الرئاسة. لكنه اعترف بأنه احتمال».

    نقولا ناصيف
    جريدة الأخبار
    06.02.2012

    Leave a Reply