• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    آخر ما تبقى من الجمهورية – نسيب لحود: الصعب الممتنع

    تفتقده، إذ ينسحب بهدوء إلى منصبه الأخير.

    تفتقده، إذ يعطي للصمت قيمة كبرى، افتقدها لبنان، مذ تبنى الثرثرة وامتهن الصخب.

    تفتقده، لأن هدوءه سياسة وصمته قيمة عليا، ولأنه في منتهاه الحزين، يوقظ فينا حنينا إلى الوقوف أمام قامته المختلفة، الفارعة بلا ادعاء، الصارمة بلا عبوس، المؤمنة بلا تعصب، السالكة في السياسة، بثقل الواثق، وصلابة المصيب، وشجاعة بقياس التطلع… كل ذلك، برقة وخفة وإيحاء وما يشبه البوح.

    تختلف معه، وتحترمه. دائماً، له مكان يتسع لاستقباله، يدخله، كأنه منه، بطريقة مختلفة. وتتعامل معه، على خلافك معه، كأنك في الحسرتين: حسرة الاقتراب الممتنع، وحسرة الافتراق المؤلم… كأنك تريد أن تزيح الخلاف معه، كي تكونا معاً… ولا تكونا. هو في موقعه وأنت ضده، وتلتقيان على ود احترام ونبل.

    كم كان ذلك نادراً!

    كم صار ذلك أكثر ندرة!

    كم بات لبنان، يشبه القبضة! كم أضحت لغته لعنة يتقن الشتم فيها، أهل من لا أهلية لهم، إلا الاقامة في المناصب السيئة.

    تفتقده، إذ ينفتح باب المجلس النيابي، فلا تجده فيه… جار عليه ذوو القربى، القريبون والبعيدون… الديموقراطية عند هؤلاء، قليلة الأخلاق، كثيرة السفسطة، قصيرة القامة، تحتاج إلى نظافة الكف والتماع الاخلاق وزاد القيم والصدر المشرّع لقبول الآخر. وهم يضيقون بكل من لا يشبههم، دينا وتحزبا وتشرذما وتسلطاً.

    تفتقده، يعتلي منصة الكلام، ليناقش موازنة أو مشروعاً، يومها، كانت قاعة المجلس يلتئم نصابها بالكامل، لسماعه. يقول بالأرقام ما يشير إلى نفق الديون المظلم. سمعوه وعملوا عكس ما قال. وها نحن في الظلمة الداكنة. لا ضوء في نفق الخمسين مليارا. ولا خروج من العتمتين: عتمة الديون وعتمة العيون المفتوحة على المزيد من الاستدانة.

    تفتقده، يخوض المعارك ضد الفساد، وعقلية الفساد، وشعبية الفساد، وصناديق الفساد، ولوائح الفساد، وأصوات الفساد… تفتقده، لأنه اعتزل المشاريع الخاصة، وحرّم على نفسه مشروعية المساهمة «بالإنماء والإعمار» وملياراتها الفائضة. ما كان حراماً سياسياً عنده، نصت عليه أخلاقه وقيمه، كان حلالاً سائباً، في أزمنة الصفقات المدوية، والصناديق التي دلقت أموالها على كل ذي مذمة وصاحب مذلة وفاعل ارتكاب.

    تفتقده، يوم كان لبنانياً لكل لبنان. تتمناه في سدة الرئاسة، صاحب فخامة، قادما إليها من مسالك الديموقراطية.. خاب ظننا. العسكر أكثر انتظاماً وامتثالا واعتلاء وتشبثاً، من الديموقراطيين. نصيب العسكر في لبنان، وافر وجزيل. لأن «الديموقراطيين» يستطيبون التبعية، ويقتنعون بما يقوله القناصل ويمتثلون لطلباتهم… الحلم به رئيسا، كان أضغاث مراهقين. كان لوثة أمل. كان كلام خرافة. الديموقراطية ولبنان ضدان.

    تفتقده، خصماً نبيلاً، وحليفا ممكنا، ونداً مقنعاً… كما تفتقده صديقاً حاراً ورفيقا ودوداً، وتتمنى له، ما يستحقه، لكن، ما لا يستطيعه ايضا.

    أذكره، متفقا معه، ومختلفا كذلك… التقينا على… كثير من كثير، واختلفنا على كبير من الكبريات. جمعتني به سيرته وديموقراطيته ونبله وما اتسم به من صفات ندرت عند سواه. وكان احترامي له سياسة دمثة. ولما انتمى إلى «القرنة» ودعته حزيناً. حاورته على عجل، فما اقتنعت ثم انقطعت. القطيعة مني وليست منه، لأنه صاحب وصل لا ممتهن قطع. كانت قطيعتي سياسة غير دمثة.

    ثم اختلفنا على سلاح المقاومة، هو هناك وأنا هنا. وكنا إذا تصادفنا، صمتنا. لا هو يقدم وأنا على حرد… غير أني كنت أتمنى ان أكون معه، لا حيث هو، بل حيث أنا… وكان ذلك مستحيلا.

    خسرته قبل خسارتي الأخيرة له. ليتني أفصحت له عما لديّ من احترام دائم، رغم المسافات السياسية بيننا. من كان مثله، يعامَل باقتراب. فهو أهل قربى في مطارح لبنانية، فيما من هم قريبون إلي، أهل عداء في مسالك التساكن اللبناني.

    برحيله، نستعيده… ما بعد رحيله، يلزم ان نستعيده أكثر. فحياته، نسيج خاص، يحتاج الى ان يكتسي به، كثير من اللبنانيين.

    من سيقلده من بعده؟

    هل لا أحد؟

    نصري الصايغ
    جريدة السفير
    04.02.2012

    Leave a Reply