• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    في غياب الحلم

    أحلى ما فيه أنه كان حلما دائماً وأملا ثابتا، وفكرة خارجة عن المألوف. اسم الشهرة الذي حمله كان يختزل بأنه النقيض التام لكل ما أنتجته الحرب الاهلية من أمراء وضباط ورجال دين عاثوا في الارض فسادا، وما زالوا. مجرد ذكر اسمه كان يعني نفي الحرب وإنكار تجربتها المستمرة وثقافتها المقيمة.. حتى انه كان يترك الانطباع بأن تلك الحرب لم تقع أصلا، ويشيع الاعتقاد انها كانت لحظة عابرة في تاريخ الوطن الصغير.

    كان من الاسماء النادرة المتصلة بحقبة ما قبل الحرب الاهلية، التي تحفز على التأمل بين الحين والآخر في ما كان يمكن ان يبلغه لبنان من تطور وتقدم لو لم يتورط أهله وضيوفه وزواره في ذلك الخيار القاتل. كان من الاسماء القليلة التي تدفع الى الايمان بأن الفرصة لا تزال سانحة لمحو ما مضى وتعويض ما فات… مع ان الواقع مغاير تماما والمسار مقفل كليا، وقد يحتاج الامر الى جيلين لبنانيين أو أكثر لكي يشفى الوطن ويصح المواطن من أوبئة تاريخية مستعصية.

    بالتعريف، كان ينتمي الى نخبة جيل الحداثة اللبنانية التي توقفت مع الحرب الاهلية، ويندرج في فريق من اللاطائفيين، الذين أحبتهم واحترمتهم مختلف الطوائف، وحولتهم الى رموز تتحدى بهم الخارج الذي لا ينسب الى اللبنانيين سوى انهم مختلفون، مخالفون، ومتخلفون.. لا سيما انهم لم يتيحوا الفرصة لمثل هذا الرمز كي يختبر أفكاره وبرامجه وينفذ وعده بالدولة المدنية الديموقراطية.

    كاد يصنف من تلك الفئة التي غادرت حدود طائفتها الى المجال الوطني الرحب، والمدى العربي الواسع، فحازت إعجابا وتقديرا من بقية الطوائف يفوق الإعجاب والتقدير الذي نالته من أبناء ملتها. ظلمها الجميع سواء في مناصرتها أو في محاربتها، ولم يفها أحد حقها في ان تكون شريحة عابرة للأهواء والخطط الطائفية، تتطلع الى حياة طبيعية في مجتمع واحد ودولة موحدة، تدفن الحرب الاهلية مرة والى الأبد.

    كاد يعتبر خارجا عن طائفته، التي جنّت أكثر من مرة وما زالت عوارض الجنون تحكمها وتتهددها، فجنت عليه، لأنها اختارت أخطر الطرق وأسوأها الى استعادة مجدها الغابر، أو الاحتفاظ بما بقي منه، وقدمت نماذج على انحدار مكانتها السياسية والاجتماعية والثقافية التي كانت رائدة في يوم ما.. لكنها ظلت حاضرة في وعيه وفي ثقافته وفي تطلعه الدائم الى المستقبل بثقة لا مثيل لها وطموح لا حدود له.

    ذوى بسرعة وغاب قبل الأوان. كلماته الاخيرة كانت صادرة عن رمز لتلك النخبة المارونية المسيحية الضائعة، ولتلك النخبة الوطنية التائهة، وايضا لتلك النخبة العربية التي تحمي اليوم شرف الهوية، وتحفظ الانتماء الى أوطان تولد للتو من رحم الثورة الديموقراطية.

    رحل نسيب لحود باكرا. كان يستحق ان يشهد التغيير الذي كان يمثله ويبشر به، او ان يسهم في منع الانحدار الى حرب أهلية جديدة، او على الاقل ان يكمل العمر الذي اختصره أكثر بكثير مما يجب.

    ساطع نورالدين
    جريدة السفير
    04.02.2012

    Leave a Reply