• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    تجربة نسيب لحود: مفارقات رجل محترم

    كيف يمكن تقويم تجربة نسيب لحود السياسية ؟ وكيف أمكن ان يتحول وريث تقليدي الى وجه اصلاحي من داخل النظام؟ بعض مكامن النجاح والفشل؟ السقوف والتناقضات؟

    الطبقة السياسية اللبنانية، التي كان نسيب لحود احد ورثة احدى عائلاتها “المؤسِّسة” في البرلمان والادارة والجيش داخل البيئة المسيحية، تغيرت كثيرا لأن النظام السياسي اللبناني تغيّر. كان هذا النظام ولا يزال منذ تكوينه كيانيا عام 1920 ودستوريا عام 1926 نظاما طائفيا لكنه أصبح الآن نظاما أكثر طائفية مع تبلور سيطرة الاحزاب الكبيرة على طوائفه. تغيرت الطبقة السياسية الى حد أنها اليوم تعبّر عن تعايش طبقات مختلفة لا واحدة، ولو كانت تتواجد داخل هيكلية “سلطة” دولة واحدة.

    لهذا فإن الدولة التي دخلها نسيب لحود سفيرا ونائبا ووزيرا كانت قد اصبحت في مرجعياتها الداخلية والخارجية غير تلك الدولة التي تولّى اسلافه بأجنحة العائلة المختلفة دخولَها وزراءَ ونواباً وضباطاً ومدراءَ عامين.

    شاءت اقداره ان يدخل العمل العام في اول زمن استتباب مرجعية الدولة اللبنانية للرئيس السوري حافظ الاسد بتفويض عربي ودولي بعدما كان مبتعدا للعمل الاستثماري الناجح في الخارج خلال الحرب الاهلية، هذه الحرب التي لم تكن شخصيته لتسمح له بالانخراط في خضمها رغم صلة جناحه العائلي الموروثة بالرئيس كميل شمعون، بل حتى، كما يقال، رغم فترة انتساب في أول شبابه الى “حزب الوطنيين الاحرار” مر بها.

    تعرفتُ عليه للمرة الاولى في باريس في اواخر الثمانينات او اوائل عام 1990 وكان برفقة ميشال اده وطلال سلمان. ومع دخوله البرلمان نائبا معينا ثم منتخبا صِرتُ كالعديدين ألتقيه في منتديات ثقافية سياسية كان يحرص على حضورها واحيانا على تنظيمها. والملفت ان دائرة اتصالاته الشخصية ضاقت منذ اسس “حركة التجدد الديموقراطي” التي وان احاطته بعدد من الشخصيات والمثقفين ذوي السمعة الحسنة الا انها ايضا جعلته اسير ناد ضيق بدل ان يكون هذا “الحزب” فرصة توسيع علاقات لاسم كنسيب لحود كان يحظى باحترام كبير لصورته العامة في مختلف الاوساط اللبنانية وبما يتجاوز الاوساط النخبوية، من جهة، او قاعدته الانتخابية الموروثة والمكتسبة في المتن الشمالي، من جهة اخرى. وهذه ملاحظة (النادي) لا علاقة لها طبعا بسنواته الثلاث الاخيرة التي قضى معظمها في معاناة الاستشفاء في الخارج. كذلك فهي اشارة الى هامشية تجربته الحزبية قياسا بقوة تجربته النمطية كعامل في الحقل السياسي.

    كسياسي وَسَمَتْ تجربتَه المفارقاتُ التالية، هذه بعضها في حدود ما أعرفه: اكثر ما تبقى من الطبقة السياسية التقليدية في لبنان هو اليوم في البيئة المسيحية. نسيب لحود هو من الشريحة البورجوازية المتنورة في جبل لبنان وخصوصا في المتن الشمالي ذي القاعدة الواسعة لطبقة وسطى شبه مدينية حيث نسبة التعليم ومستواه متميزان تاريخيا. لكن هذه الخلفية الموروثة طوّرها نسيب لحود بل بنى بجهده صورته الخاصة الاصلاحية. لهذا كان تقليديا واصلاحيا في آن معا. ولهذا، وقد غادرنا الرجل، تصلح تجربته للدرس ما اذا كانت اصلاحيته في نظام كالنظام اللبناني عبئا على تقليديته ام عنصر قوة فيها؟ لا شك هو حاول التوفيق بين سمتي شخصيته السياسية حتى اللحظة الاخيرة وكان اعتداله، رغم حدة خصوماته السياسية حين توجد، عاملا اكيدا في ترسيخ هذه التوفيقية التي لم يكن يطرح على نفسه الخروج منها حتى في اكثر محطاته صعوبة.

    مع انه كان احد اكثر النواب احتراما للنفس حيال النفوذ السوري كسلوك عام وكتصويت، لاسيما ضد التعديلات الدستورية الآيلة للتمديد لرئيسي جمهوريتين هما الياس الهراوي ثم اميل لحود خلال البرلمانات التي شارك فيها منتَخبا في دورات 1992 و1996 و2000 حتى خروجه من النيابة العام 2005 فإنه بالنتيجة لم يشارك كنائب الا في برلمانات الحقبة السورية، ولم تُتح له فرصة الفوز كنائب في فترة مابعد الانسحاب العسكري السوري من لبنان.

    ربما يكون الخطأ السياسي الكبير الوحيد الذي ارتكبه نسيب لحود هو قبوله او ايحاؤه بقبول فتوى امكان انتخاب رئيس الجمهورية بأكثرية عادية (وليس اكثرية الثلثين الدستورية) في فترة احتدام الازمة الوطنية في البلد المنقسم على شفير الحرب الاهلية بين 8 و14 آذار. ربما سبب استدراج نفسه الى ذلك ان غرفة عمليات دولية رفيعة المستوى، ومن ضمنها عديله العاهل السعودي الملك عبدلله، كانت على ابواب التحضير لاحتمال مخرج قسري من هذا النوع يتجاوز الازمة المستعصية ويكون على الارجح نسيب لحود رجلها للرئاسة كرمز من رموز “ثورة الارز” قبل ان يطيح 7 ايار 2008 بكل ذلك ويجري تلقيه تسوويا بادارة قَطَرية. تسوية ستأتي برئيس تسوية لم يعد نسيب لحود قادرا على تمثيلها، مع انه “احد مرشحي الصف الاول للرئاسة” منذ العام 2000، على ما قال لي المرحوم رفيق الحريري ذلك العام واضاف: من يعرف متى سأربط سترتي امام نسيب لحود وانا مستعد لذلك لانه شخص محترم! هذا مع العلم ان سنوات الرئيس رفيق الحريري الاولى في رئاسة الحكومة ووجهت بمعارضة مزعجة احيانا من نسيب لحود للسياسة الاقتصادية، كذلك شهدت تأييده لبيان “الـ55” ضد الفساد والذي كان مناصره نواف سلام احد منظميه.

    كان رجلا دقيقا ولذلك كان رجل ملفات. الدقة هي الحصيلة المباشرة لذكاء واضح ومتزن. وكان كشخصية من حيث يعرف بعض دهاقنة الطبقة السياسية، لاسيما الشريحة الجديدة منها، احد عناصر تحسين سمعة برلمان مشوب بعيوب هذه الشريحة الخارجة من حرب أهلية جعلت سمعتها في الوحل.

    كان يحكم كل خطابه في الشؤون العامة نِصاب معايير دولة القانون والصراع الديموقراطي، وبدت يومياته السياسية عزفا شاقا على اوتار متنافرة لا يوحِّدها سوى رغبته بالتقيد بقواعد لعبة المؤسسات ايا تكن درجة اختلالها فادحة.

    مات رجل محترم.

    جهاد الزين
    جريدة النهار
    04.02.2012

    Leave a Reply