• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    طبيعتان لـثورة الأرز

    لا يمكن فهم المدلول الحقيقيّ لـ”ثورة الأرز” ولا استيعاب المنحى الذي بلغته “الثورة المضادة للأرز” استناداً إلى معادلات الداخل اللبناني وحده، أو الاكتفاء بلحظ المدى الذي بلغه الاستقطاب على الصعيد الإقليميّ ما بين “ممانعة” و”اعتدال”. ثمة أيضاً بعدٌ عالميّ للمسألة، ونخال أن الإضاءة على هذا البعد في الذكرى الرابعة لعامية 14 آذار 2005 الديموقراطية الاستقلاليّة تتخطى الظرف التكريميّ التعبويّ.

    فـ”ثورة الأرز” وحدها، ضمن منظومة الاعتدال العربيّ المتعدّدة المستويات والأشكال، هي التي نشأت على قاعدة الارتباط بالمشروع العالميّ لتوسّع الديموقراطية شرقَ وجنوب الحضارة الغربيّة. ولم يخطئ شباب الأرز بتشبّههم بشباب أوكرانيا وجيورجيا في أيّام انتفاضة الاستقلال، وصولاً إلى اللحظة التاريخية المنصورة والمهدورة والمغدورة في 14 آذار 2005، كما لم يخطئ خطاب الثورة المضادة حين شخّص في عدوى التوسّع الديموقراطيّ عدوّاً أوّل له، مترجماً ذلك بمقولة إن “لبنان ليس جيورجيا ولا أوكرانيا”.

    منذ السبعينيات من القرن الماضي تعاقبت موجات التوسّع الديموقراطيّ على الصعيد العالميّ، من انهيار الديكتاتوريّات في بلدان الجنوب الأوروبيّ، اليونان واسبانيا والبرتغال، إلى تهاوي الأنظمة الشيوعيّة في أوروبا الشرقيّة نهاية الثمانينيات انطلاقاً من بولندا والدور الطليعيّ لكنيستها الكاثوليكية وطبقتها العاملة يداً بيد، إلى تعزّز الديموقراطية الهنديّة وابتعادها أكثر فأكثر عن مرحلة “الهيمنة المديدة” لـ”حزب المؤتمر” فضلاً عن تجربة “نظام الطوارئ” مع انديرا غاندي، إلى سقوط نظام الفصل العنصريّ في جنوب افريقيا وتأسّس ديموقراطيّة تعدّدية نادرة في القارة السوداء، على قاعدة الاستفادة المزدوجة من تجربة حركة تحرّر الأغلبية السوداء وتجربة المؤسسات الديموقراطية للأقلية البيضاء. وفي أميركا اللاتينية كانت عودة الديموقراطية إلى التشيلي بعد أن حرّرها عصر ما بعد “الحرب الباردة” من ضرورة الاختيار ما بين الديكتاتورية العسكرية التنموية وبين الفوضى الشعبوية التي سرعان ما نكبت بها فنزويلا.

    هذا وقد ظلّ التوسّع الديموقراطيّ على الصعيد العالميّ يتوالى فصولاً مع تنظيم اندونيسيا عام 1999 لانتخابات تشريعيّة هي الأولى منذ عام 1955.

    إلا أنّ هذا التوسّع الديموقراطيّ العالمي اصطدم بعوائق لم يستطع تجاوزها بعد نهاية الحرب الباردة. فـ”الاستبداد الشرقيّ” الذي انكفأ أكثر فأكثر مع انهيار “حلف وارسو” ومع توسّع “حلف شمال الأطلسيّ” و”الاتحاد الأوروبيّ” شرقاً، ما لبث أن استعاد قدرته على التمنّع والتحايل، وبدل “ديكتاتورية البروليتاريا” صارَ يتحدّث عن “ديكتاتورية القانون” بمعنى سيطرة المخابرات على المافيات.

    أمّا بلدان أميركا اللاتينية فقد أخفى المزاج “اليساريّ الجديد” الذي راج في أرجاء القارة افتراقاً كبيراً بين مسار تمثّله تحديداً التشيلي والبرازيل ويمهّد للحاق قدر الإمكان بنموذج الديموقراطية الليبرالية الغربيّة، وبين مسار تمثّله فنزويلا وبوليفيا ويكّرر على طريقته معزوفة “الديموقراطية الشعبيّة” و”عبادة الفرد” و”الرئيس المختار مدى الحياة”.

    وجاءت هجمات 11 أيلول بشكل خاص لتذكّر العالم بتواضع مسارات الانتقال نحو الديموقراطية في العالم الإسلامي. فالديموقراطية البرلمانية الهشّة في الباكستان عُلّقت بانقلاب عسكريّ وبشبه حرب أهليّة، والإصلاحية الخاتمية في إيران انقضّت عليها ميليشيات “الباسيج” التي سحقت الطلاب في جامعاتهم. وحدها تركيا شكّلت استثناء بتخفّفها قدر الإمكان من السيطرة المباشرة للعسكر.

    أما في العالم العربيّ فقد بدا التوسّع الديموقراطيّ مؤجلاً إلى مرحلة تاريخية أخرى، بنتيجة سطوة المخابرات من جهة، ورواج الحركات الشعبويّة المتشدّدة والمعادية ثقافياً للديموقراطية الغربية، ولامبالاة الأكثريات المجتمعيّة، وغياب النخب الليبرالية.

    من جهة أخرى، بوجه هذا الركود الشامل.. وربطاً بالمشروع العالميّ للتوسّع الديموقراطيّ قامت “ثورة الأرز”. وحاولت “انتفاضة الاستقلال” أن تثبت أنّه يمكن لشعب عربيّ أن يستولد بنفسه مفاعيل التحوّل باتجاه الديموقراطيّة مستوحياً تجارب أوروبا الشرقية ومن ثم أوكرانيا وجيورجيا. ويأتي ذلك بعد أن حاصر نفسه بنفسه مشروع “زرع الديموقراطية” بواسطة الاجتياح العسكري الأجنبي كما في حال العراق.

    تنتمي “ثورة الأرز” إذن إلى الموجة الأخيرة من التوسّع العالميّ للديموقراطيّة، تلك الموجة التي ضمّت بشكل أساسي أوكرانيا وجيورجيا، والتي حاولت في البلدين المذكورين أن تتسلّح بحلم الانضمام إلى “الأطلسي” و”الاتحاد الأوروبيّ” فانقلب ذلك عليها، شبح انقسام مجتمعيّ وكيانيّ كما في أوكرانيا، وحملة عسكرية قاصمة للظهر كما في جيورجيا.

    وإذا كانت البيئات الأهلية المكوّنة لـ”ثورة الأرز” تقليديّة، واذا كان الاتصال بين هذه البيئات والعناصر الليبرالية محدوداً أو ملتبساً، فيبقى أنّ لهذه الثورة خصوصية أنّها تنتمي لوحدها في العالم العربيّ، إلى مشروع التوسّع الديموقراطيّ على الصعيد العالميّ، هذا المشروع الذي دخل في أزمة حقيقيّة في العقد الأخير جراء اصطدامه أكثر فأكثر بحصون “الاستبداد الشرقيّ” بأشكاله المختلفة، ومن ضمنها “منظومة الممانعة” في منطقة الشرق الأوسط.

    فكل منعطف تجتازه ثورة الأرز، وكل أزمة تواجهها داخلها أو مع أخصامها المحليين والإقليميين، إنّما هي انعكاس لهذا البعد العالمي، ما بين أنصار التوسّع الديموقراطيّ وأعداءه، وليس فقط انعكاساً للاستقطاب الإقليميّ، ما بين المحور الممانع والمحور المعتدل.

    وهذا التوزّع لثورة الأرز بين صفتها كمشروع “ديموقراطية في بلد واحد” مقارنة مع الجوار القريب والأبعد، وبين صفتها كجزء من المشروع الديموقراطي العالميّ، هو في الوقت نفسه نعمة ونقمة. ثمة طبيعتان متداخلتان لـ”ثورة الأرز” إذن، والسؤال يبقى: ماذا عن المشيئة؟

    السؤال ليس مجرّداً.. إننا ندّعي أنّ له علاقة بالبرنامج السياسي، والبرنامج السياسي الانتخابيّ، وبالانتخابات.

    وسام سعادة
    جريدة المستقبل
    14.03.2009

    Leave a Reply