• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    النخبوي رحل متوحداً

    ليس اقل من الاسى على فقده كقيمة وصفات نادرة وانسان مطبوع بالترفع، يثير غياب النائب السابق نسيب لحود شعوراً بالخوف الحقيقي على رعيل النُّخَب الذي لا مكان له في هذا المنقلب اللبناني الهابط. رحيله الحزين والهادئ بل الصامت، بدا اشبه بسيرة نخبوي متوحد، لم يفقده لبنان بوفاته امس، بل قبل ذلك، حين لم تفسح “السياسات” للبنانيين ان يختبروا ويعاينوا رئيسا من خارج النادي المألوف. حتى ان تقاعده المرضي القسري لاقل من ثلاث سنوات، غدا في رمزيته انعكاسا مفجعا لابتعاد، او لإبعاد “رجل الدولة” الذي لم يتخل في كل مسيرته عن التشبث بهذه الصورة مهما كلفت من اثمان سياسية.

    نسيب لحود من موقع السفير الى موقع النيابة الى الموقع السياسي في “قرنة شهوان” و14 آذار و”حركة التجدد” الى الموقع الوزاري والى موقع المرشح الرئاسي، ما كان في كل من هذه المواقع الا رافعة النخبويين ورجل الدولة والوجه الوسيم المشرق للقيم السياسية والسيادية والشخصية. ولعل اقصى ما كان يجسده في هذه المنظومة القيمية انه شكل صورة الخصم السياسي الشريف لخصومه، تماماً كالحليف الذي يفرض القواعد النظيفة في المحالفة. ولعله ايضا من اسف شديد، الى جانب الاسى على رحيله، ان يستشعر اللبنانيون خواء القيم في وطنهم مع جمهورية لا تقيم اعتبارا للكبار وتلهو بيومياتها الفارغة بكل ما يدفع الكبار الى التوحد حتى النهاية، سواء كانت قسرية او طوعية.

    وضع نسيب لحود رؤيته للجمهورية مرشحا للرئاسة كأنه يطمح الى “الجمهورية الفاضلة”. ولكن اين كان لبنان منها آنذاك، وقبل ذلك وبعد ذلك؟ فالرجل، وليس وحده، آمن بان الحكم هو صنو الرجل، وهو ما يفعله وما يفرضه بقواعد وصفات ذاتية اطارها الدستور. ومع ذلك انتزع الاعجاب والاعتراف بذلك الاطار الخاص الذي اختطه لنفسه، لكنه وجد في مواجهته ما يحول دون فرصة نادرة لأمثاله في صنع تجربة سياسية لا تخضع للمعايير الرائجة وتفتح المدخل واسعا امام النخب.

    شاء القدر ان يبعده عن الحياة الوطنية عقب الانتخابات النيابية الاخيرة كأنه يكمل خطا بيانيا في الصراع الدائم بين رمزية هذا الرعيل و”قواعد” اللعبة السياسية الجارفة الحارقة. شيء ما جعله يقترب من تجربة العميد ريمون اده، على اختلاف الطبائع. العميد هو الرمز الاول لرئيس في ضمير اللبنانيين مُنع من الرئاسة ومَنع نفسه عنها لرفضه المساومة. نسيب لحود قدم نفسه للرئاسة ولم يوفر جهدا، لكن ايضا بمواصفات لم يساوم عليها. وبرحيله الحزين لا يبقى سوى الحزن على النخب في وطن يلفظ القيم وينحدر.

    نبيل بومنصف
    جريدة النهار
    03.02.2012

    Leave a Reply