• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    نســيب لحــود: معــك ندفــن بعــض أحلامنــا

    بنبل يقارب الخفر مات نسيب لحود. استأذن الحياة بدماثته المعهودة وانسحب الى الصمت. اكتشف، على الأرجح، ان هذا الزمن لم يعد زمانه. هو الأرستقراطي الأخلاق واللغة والتخاطب. لم تحمله زعامة طائفية ولا مناطقية ولا حزبية ضيقة الى الشأن العام. ابن العائلة السياسية المتنية الذي قاطع الحرب، لينخرط بعد انتهائها في معالجة آثارها.

    التزم نسيب لحود قناعاته حتى لو عارضت المزاج العام. فشارك في الانتخابات النيابية حين قاطعها المسيحيون، معتبرا ان انكفاءهم «خطأ تاريخي». تأخروا في الإقرار بصوابية خياراته.

    جاء نسيب لحود الى السياسة متأبطا أحلامه، محاولا اشراك اللبنانيين بها. بشّر بالدولة المدنية الديموقراطية المستقلة. دولة تتسع لجميع ابنائها على اختلافهم وخلافاتهم، سقفها القانون والعدالة والشفافية.

    لم يكتف بالبشارة منسحبا الى كهنوته. ترجم اقواله ممارسة برلمانية في الوقت الصعب. في معارضته استخدم الحجة والمنطق والارقام. قدم مقاربات مختلفة وقراءات مغايرة لممارسات السلطة، لكنه لم يتجاوز مرة آداب العمل السياسي وأخلاقياته. لم يقطع الجسور مع احد. على العكس ساهم في ترميم الكثير منها بعيدا عن الادعاءات وبأسلوب محافظ ينسجم مع شخصيته.

    حين انخرط في الشأن العام جمّد كل اعماله في لبنان. دُهش اللبنانيون من أدائه. هم الذين ما اعتادوا مثل هذا النموذج في الحياة العامة. راحوا يراقبونه متحينين الفرصة لتأكيد نظرياتهم عن فساد السياسيين وازدواجية شخصيتهم.

    خرج نسيب لحود من المطهر مكللا باحترام الناس. أثبت لهم ان بإمكان السياسة ان تكون فعلا، ادارة للصالح العام، وأن السياسي يمكن ان يكون نبيلا ومترفعا ومحترما وجريئا ومحاورا وديموقراطيا، وغير فاسد ومفسد.

    فكيف نودع غدا نسيب لحود من دون ان ندفن معه بعضا من احلامنا في بناء دولة حديثة. دولة تؤمن بحقوق الانسان والديموقراطية. دولة، لممارسة السلطة فيها آداب وللمعارضة فيها اصول. لا حكم يعلو فيها على القانون ولا شرعية فيها لأية سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك. دولة منفتحة على كل العالم وتجاربه لكن لها «داخلها» المقفل على الإملاءات الخارجية والرغبات.

    ألم يتعرض نسيب لحود للتجارب؟ ألم يعرف بالملموس كم يمكن ان تكون الضغوط كبيرة وقوية؟ بلى، عرف ولمس واختبر. لكنه لم يتنازل عن قناعاته.
    وفي ذلك شيء من بطولة.

    كانت آلامه الشخصية والوطنية ثقيلة حتى على تلك البنية الصلبة. لكنه حملها وتحمّلها بثبات وصبر.
    وفي ذلك شيء من قداسة.

    لكن الرجل لم يطمح الى البطولة ولا القداسة. كان يكفيه بعض انسانية وعدالة في القضية الفلسطينية التي احتلت في قلبه مكانة خاصة. وكان يرضيه ان يكتشف اللبنانيون قدرتهم على صياغة مستقبل لهم، على اسس تنبع من تاريخهم وتنوعهم وبذور ديموقراطيتهم فيبنون دولتهم المنشودة.
    لا يُختصر نسيب لحود في عجالة. في سيرته محطات شواهد. منها كيف يمكن ان تكون السياسة عملا نبيلا اصلاحيا، وكيف يمكن للسياسي ان يترك بصمات ايجابية؟

    لكنني احب ان اتذكر نسيب لحود ضاحكا من القلب، على ندرة صوره الضاحكة. اخبرني يوما انه كان مولعا بقيادة السيارات بسرعة شديدة وأنه كان يحب مطاردة الفتيات وأن والده استنسب وضعه في القسم الداخلي من مدرسة سيدة الجمهور ليحد من «شيطنته».

    الدهشة التي ارتسمت على وجهي، جعلته يضحك من قلبه قبل ان يضيف «لم أكن دائما على هذا القدر من الرصانة.. لقد عشت عمري بكل مراحله».
    مع ذلك، ايها الخلوق النبيل، أحرقت المراحل الاخيرة وغادرتنا قبل ان ترى حلمك وحلمنا يتحقق بوطن يشبهك قيما وأخلاقا واستقامة.

    دنيز عطالله حداد

    جريدة الّسفير
    03.02.2012

    Leave a Reply