• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    خمسة تحديات لبنانية لمرحلة ما بعد الأسد

    لا شك في أن سقوط نظام الأسد في سورية، عاجلاً أم آجلاً، سيزيل أحد المعوقات الأساسية للتطور السياسي والمدني في لبنان. غير أن هذا التغيير وحده ليس كافياً لنقل لبنان نحو الدولة القوية المستدامة لجميع أبنائه.

    فعلى الفرقاء السياسيين الذين يحضرون أنفسهم للاستفادة من انتهاء سيطرة النظام السوري على لبنان، ألا ينظروا إلى الاحداث الجارية في سورية على أنها منة إلهية، يكفي انتظار مجيئها لتتبدل كل المجريات فجأةً لمصلحتهم. إن التغيير هناك لن يساهم إلا في تأمين بيئة أكثر ملاءمةً للتطوّر، وفرصة لمعالجة جدية لعدد من التحديات التي يواجهها لبنان.

    فصفحة استخدام العنف أو التهديد باللجوء إلى العنف لتحصيل مكاسب سياسية يجب أن تطوى إلى غير رجعة. في هذا الإطار، تشكل المحكمة الخاصة بلبنان أول محاولة جدية لمحاسبة من تورط في عمليات عنف سياسي. فعلى لبنان اقتناص هذه الفرصة الثمينة لوضع حد لمرحلة الإفلات من العقاب، بعدما كان الاغتيال السياسي سهل الاستخدام للكثيرين من اللاعبين على ساحته.

    ومهما كانت المواقف من المحكمة، يجب الآن التعامل مع هذه المؤسسة كأمر واقع. وكما أظهرت الأزمة الأخيرة حول دفع المستحقات من تمويلها والمخرج الذي ابتُكر لحل المشكلة، لا قدرة للبنان أن يخرج عن الشرعية الدولية، ما قد يؤثر مباشرةً في قطاعه المصرفي، وهو نقطة قوته وضعفه في الآن معاً. فلا مفر إذاً من الالتزام الكامل بكل مقتضيات المحكمة، بما في ذلك توقيف المشتبه بهم وتسليمهم إلى العدالة.

    ومع سقوط نظام الأسد سيفقد «حزب الله» أحد أبرز داعميه، وبذلك ستزيد عزلته الإقليمية. ومع تحوله إلى وضعية أصعب مما هي عليه وضعيته اليوم، من الضروري أن يمتنع أخصام الحزب عن أي تصرف «انتصاري» سيفاقم حتماً الشرخ المذهبي القائم. على العكس، فإن الجرأة السياسية مطلوبة لمناقشة تسوية سياسية جديدة في لبنان، وتنازلات مشرفة بين مكونات المجتمع تضمن تخلي «حزب الله» طوعاً عن منظومته العسكرية. فمع فقدان حليف كالنظام السوري سيكون على «حزب الله» التعامل مع معارضيه من خلال نظرة لبنانية، ستفرض حلاً لبنانياً لمشكلة السلاح، مع الاعتراف بصعوبة هذا المسار.

    كذلك لن تبقى علاقة أي نظام جديد في سورية بإيران و «حزب الله» على ما هي عليه اليوم، ومن المحتمل أن تغدو هذه العلاقة قريبة من العدائية. وأخطر ما يمكن أن يلجأ معارضو «حزب الله» إليه عندها، هو الاستقواء بالنظام الجديد في سورية للانقضاض على طرف لبناني آخر، مثلما درجت العادة في لبنان على مدى العصور. إن استبدال هيمنة سورية قديمة بهيمنة جديدة، مع حلفاء جدد، سيغلق الباب على أي تطور في الواقع اللبناني. فلا خيار للبنان وسورية بالتالي إلا بناء علاقات ندية بين دولتين متساويتين، تحترم كل منهما سيادة الدولة الأخرى.

    إلى ذلك فمع مستوى دين عام للناتج المحلي يناهز 135 في المئة، على لبنان العمل سريعاً للسيطرة على ماليته العامة. فالجباية يجب أن تتحسن وأبواب التهرب من الضرائب يجب أن تقفل. وفي المقابل، على لبنان إظهار دقة أكبر في الإنفاق العام. فلا مفر من تعزيز الشفافية في إجراء العقود الحكومية والإفصاح التام عن كل الحسابات العامة تجاه الجمهور. ويبرز في هذا الإطار وضع قطاع الكهرباء، الذي يكلف المالية العامة سنوياً ما يقارب 1.2 مليار دولار جراء سوء الإدارة والفساد و «الهدر التقني»، مما يرتب إعادة نظر شاملة في المؤسسة وإصلاحها بنيوياً على كل المستويات. كذلك يجب إقفال مزاريب الهدر الكبرى في مجلس الجنوب وصندوق المهجرين، مثلاً حصراً. ففي السنوات الماضية كلّها، انحصرت انجازات هذين الصندوقين بـ «تهجير» مبالغ مالية طائلة نحو… العدم.

    إن تحرير الاقتصاد سيكون شرطاً أساسياً لتحفيز النمو وتأمين فرص العمل. لذلك يجب اتخاذ عدد من الخطوات أبرزها: رفع حماية الدولة عن الوكالات الحصرية، وهي أحد أهم أوجه الاحتكارات التي تكبّل الاقتصاد اللبناني؛ وتحرير قطاع الكهرباء والسماح لمنتجي طاقة مستقلين الدخول على الشبكة وتحسين الخدمة أداءً وكلفةً؛ وتحرير قطاع الاتصالات من ملكية الدولة المكبلة للمنافسة والتطوير؛ والانتقال نحو خصخصة إدارة بعض المرافق العامة كإهراءات القمح في بيروت، ومرفأي بيروت وطرابلس، أو كازينو لبنان.

    ومع سقوط الأسد، سيزداد تلقائياً مستوى الحرية في لبنان. أما الهدف الحقيقي، فهو تأمين أكبر قدر من الحرية خيارياً وليس صدفةً. وأول خطوة نحو هذا الهدف تكمن في كسر الاحتكارات الطائفية في كل مفاصل الحياة العامة. أما نقطة البداية فقانون انتخاب جديد يعتمد النظام النسبي ومجموعة من الإصلاحات الأساسية كبطاقة الاقتراع المطبوعة مسبقاً وضبط فعلي للإنفاق الانتخابي.

    كذلك على لبنان الشروع في تدعيم أساسات نظام سياسي غير طائفي، من خلال درس آليات إنشاء مجلس للشيوخ يمثل الطوائف ويستطيع أن يعالج فعلاً وعملياً المخاوف الطائفية، بالتوازي مع مجلس نيابي غير طائفي. كما يجب وضع قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية، يخول المواطنين أن يختاروا الدولة كحَكم في المفاصل المتعلقة بحياتهم الخاصة، كالزواج والطلاق والإرث.

    إن غياب مراحل طويلة من تاريخ لبنان المعاصر، وبخاصة منذ 1945، عن كتب التاريخ، تسمح لكل مجموعة طائفية أو سياسية أن تزرع قراءتها الخاصة للأحداث في ذهن الأجيال الجديدة، ما يسهل استحضار الانقسامات والنزاعات عند كل منعطف يختلف فيه اللبنانيون في المستقبل.

    والحال أنّنا لا نملك أوهاماً أو حتى آمالاً في أن تحدث مثل هذه الثورة السياسية تلقائياً. إلا ان السبيل الوحيد إلى الدولة التي ينشدها اللبنانيون الليبراليون، وإلى النظام السياسي الذي يسعون الى قيامه، هو مسار تدريجي لا بل مؤلم، مسار يعتمد على إنجاز إصلاح تلو الإصلاح، خطوة خطوة. وسيكون عليهم اقتناص الفرص إذ الإيمان بالدولة، كما كل إيمان آخر، لا يتحقق بين ليلة وضحاها.

    إن انهيار نظام الأسد السياسي والمخابراتي سيخلق فراغاً مفاجئاً على الساحة اللبنانية، وقد يقلب المعادلات. وفي اللحظة التي يحاول فيها اللاعبون السياسيون التقليديون تبديل تحالفاتهم والتأقلم مع التغيير، على الإصلاحيين الليبراليين أن يبادروا سريعاً، قبل أن تضيع هذه الفرصة وتقضي عليها القوى المحافظة. فمهتهم لا تقتصر على الدفع قدماً في معالجة التحديات المذكورة آنفاً، إنما أيضاً البناء عليها من خلال قرارات جريئة وفورية، والتغيير الحقيقي مرتبط بنجاحهم في هذه المهمة.

    نديم لحود
    جريدة الحياة
    24.01.2012

    Leave a Reply