• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    في غياب استراتيجية للمياه

    كلما تأزم موضوع المياه، ان لناحية الندرة او النوعية، وكلما اشتكت منطقة او حي او فرد، حول توزيع المياه، وكلما انعقدت ندوة او مؤتمر او اجتماع بين خبراء حول الموضوع، تبين كم يفتقد لبنان الى استراتيجية لادارة هذا المورد الحيوي والحياتي.

    الا ان الاستراتيجية تعني اولا، دراسة المعطى من الموضوع المقترح وضع استراتيجية له، ودراسة مشكلته وإشكالياته وبيئته الطبيعية، ودراسة استعمالاته كافة، والبحث في وضعه القانوني والفني والتقني … ومن ثم كيفية إدارته، وحفظ ديمومته.

    من هنا فإن البحث في استراتيجية المياه، ولا سيما في علاقته بما يسمى التنمية المستدامة، لا يفترض ان ينفصل عن البيئة الطبيعية العامة التي تحيط به، بكون هذا المورد نفسه، مرتبطا بطبيعة جيولوجية معينة، وبمناخ معين، وبمساحات جغرافية محددة من جهة وغير محددة من جهة اخرى. بالاضافة الى ارتباطه بنوعية السكان وطرق تفكيرهم وعيشهم وتحصيل معاشهم، ومعتقداتهم حول هذا الموضوع وغيره.

    فوضع استراتيجية للمياه، لا ينفصل عن وضع استراتيجية لحفظ وحسن التعامل مع باقي الموارد في الطبيعة، ولا ينفصل عن الرؤية العامة لكيفية ترتيب الاراضي وتقسيمها ايضا. فكلما قل الغطاء الاخضر، زاد انجراف التربة وزاد الجريان بسرعة، وخف التسرب الى باطن الارض وتغذية المياه الجوفية والينابيع المتفجرة.

    وفي العودة الى المعطى الاول لوضع الاستراتيجية، يفترض ان نعرف اولا ما هي مصادر المياه في لبنان. واذ يعتبر مورد المياه في لبنان متجددا، بكونه يأتي من المتساقطات السنوية من امطار وثلوج. وجب علينا بعد ذلك قياس حجم هذه المتساقطات وما الذي يبقى منها بعد تبخر قسم منها وجريان القسم الآخر الى البحر (الذي لا يعتبر هدرا) ويساهم في تغذيته، وتسرب القسم الآخر الى باطن الارض لتغذية الاحواض الجوفية ايضا.

    هذه هي المعادلة ودورة المياه الطبيعية التي يفترض المحافظة عليها للحفاظ على ديمومة هذا المورد، والتي تتطلب حماية المصادر ومحيطها من قمم الجبال الى شاطئ البحر.

    يجمع خبراء المياه في لبنان، على غياب الدراسات والارقام الدقيقة حول كل هذه المعطيات الاساسية. واذ بتنا نعرف ما هو حجم المتساقطات منذ ما يقارب 30 سنة بشكل موثق وفي بعض المناطق فقط (اربعة الى خمسة مراصد)، نكاد نجهل تماما ما هو حجم الثلوج المتساقطة والمتراكمة سنويا، والتي تساهم بشكل كبير في تغذية الآبار الجوفية بعد ذوبانها، وكيفية تعزيز هذا الموضوع بأكلاف بسيطة بدل بناء السدود المكلفة.

    كما ان الحديث عن ارقام وحجم التبخر ليس الا من باب التكهن، وكذلك الامر بالنسبة الى قياس الاحواض الجوفية، كما بالنسبة الى رصد الينابيع المتفجرة، ورصد اعداد الآبار الارتوازية ووضعيتها (التي في معظمها عشوائية وغير شرعية او غير مدروسة من قبل الادراة المعنية) وحجم السحب منها (وضبطه بعدادات وبدلات محقة)، بالاضافة الى اعادة النظر بوضع الينابيع «المملوكة» من شركات، خلافا للقوانين (التي تعتبرها ملكية عامة)، والتي تقوم ببيع المياه، في الداخل والخارج، دون حسيب او رقيب!

    ثم من درس الاستخدامات كافة وكيفية الترشيد فيها، وحجم الهدر في الشبكات وسوء التوزيع؟ ألم يسأل الناس في المناطق التي لا تصلها المياه ابدا، او في تلك التي لا تصل اليها المياه بشكل كاف: من اين يأتون بالسيترنات كلما طلبناها؟ هل من خارج لبنان؟ واذا كان الجواب هو بالطبع لا. فيصبح الاستنتاج البديهي التالي هو ان المشكلة في سوء التوزيع وليس في الندرة.

    إذاً قبل ان نتحدث عن القلة والحاجات وضرورة وضع مشاريع للتخزين عبر السدود وغيرها، علينا ان ندرس كيفية التوفير والترشيد في الاستخدامات كافة، ولا سيما بعد اتخاذ الإجراءات الأساسية بحماية المصادر من التخصيص والسرقة والمشاريع المسماة «سياحية» المستهلكة والملوثة.
    فمجرد إعادة درس الاستخدامات المختلفة، يتبين ان ضبط تلك المنزلية سهل عبر استبدال العيارات بالعدادات، وهذا الاجراء افعل بكثير من حملات التوعية حول الترشيد. كما يفترض اجراء تغيرات كبيرة في السياسات السكانية والاسكانية، وتنظيم الاسرة وتحديد النسل وتغيير نظم التربية، نحو ثقافة التوفير لا التنمية.

    كما يمكن إلزام الصناعات المستهلكة بكثافة للمياه، بإعادة معالجتها وتدويرها واستخدمها في حلقة مقفلة. وترشيد الاستخدامات في الزراعة عبر اعادة تشجيع الزراعات التقليدية البعلية وتغيير طرق الري. وتشجيع التغيير في النظام الغذائي نحو زراعة واستهلاك الاغذية التي لا تحتاج الى الكثير من المياه، والتقليل من تربية الحيوانات في المزارع التي تستهلك الكثير من المياه، والتقليل من استهلاك منتوجاتها من لحوم ومشتقات، والعودة الى النظام الغذائي المتوسطي التقليدي الذي يعتمد على الحبوب والخضار والفواكه، والمنتوجات المجففة… الخ
    اما الترشيد في الاستخدامات في السياحة، هذا الموضوع المسكوت عنه في معظم الدراسات المائية في لبنان، والذي تقول بعض التقديرات الاولية انه يتجاوز باضعاف الاستهلاك في الصناعة على سبيل المثال، ولا سيما في المسابح الخاصة صيفا، وفي الفنادق، فأمر لا بد منه، اذا صدق المتشائمون انفسهم حين يتحدثون عن ازمة مياه.

    اما التوفير الاهم الذي يفترض ان يبدأ الاخذ به قريبا، فهو في معالجة الصرف الصحي في لبنان، اذ يمكن الاستفادة من خلال معالجة هذا الموضوع بحماية مصادر المياه الجوفية من التلوث، وإعادة استعمال المياه المبتذلة بعد معالجتها في الزراعة، في المناطق الزراعية، او اعادة الاستخدام في السياحة، لتزويد المسابح صيفا التي تغير مياهها كل يوم كما تدعي، والتي تعالجها اصلا، كلما لعب فيها اولادنا، بالاضافة الى استخدامها في ري اشجار وأزهار وسطيات الطرق بعد نزع اللوحات الاعلانية منها.

    وهو اقتراح نضعه امام الذين يخططون الآن لإنشاء 8 محطات على طول الشاطئ اللبناني، ويخططون لرميها في البحر بعد معالجتها.

    اما حول امكانية توليد الطاقة من المياه، فالاولوية فيه للاماكن الطبيعية وليس الاصطناعية (السدود).

    فإذا كان الخبراء في لبنان، والادارات الرسمية المعنية، لا تملك كل هذه المعطيات الاساسية حول وضع المياه في لبنان، فكيف تتحدث عن الحاجات وتحدد المشاريع للمستقبل؟ ولماذا اختصار كل هذه الاجراءات الممكنة والموفرة والتي تؤمن العدالة في التوزيع لكل الناس… بإجراءات مكلفة كبناء السدود؟ ثم اذا كانت الكلفة المقدرة لبناء السدود المقترحة في الخطة العشرية ما يقارب المليار دولار، لماذا لا يصرف بعض هذا المبلغ لشراء ما يسمى تلك «الحقوق المكتسبة» على المياه، فتبيع الدولة هي المياه لفترة معينة لاسترداد هذا المبلغ، بدل ان يذهب لافراد عبر الشركات الخاصة اليوم؟

    هي اسئلة واقتراحات ايضا برسم المسؤولين الذين سيجتمعون بعد ايام في المجلس النيابي لدرس الموضوع.

    حبيب معلوف
    جريدة السفير
    24.02.2009

    Leave a Reply