• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    المقاومة” و”الربيع”: إما الوحدة وإما الطلاق”

    على امتداد التاريخ اللبناني الحديث أثبت جنوب لبنان أنّه صنو الحرية، لهذا قاوم وانتصر على الإحتلال ودحره نهائيا. لكن يجب التذكير أنّه لم يكن ليصير مجد لبنان لولا انحيازه المطلق لاحرار العالم ووقوفه الابدي في وجه كل عدو وكل طغيان. فقد علمتنا هذه الارض ان الحرية هي بوصلة الجنوب كما الشهادة بوصلة الانتصار.

    المقاومة، بعد تجربة خاضها الجنوب ولبنان، ولا يزالان، هي مقاومة الظلم أينما حلّ وكيفما كان، وقضية الإنسان العربي اليوم في سوريا والبحرين وفي مصر وليبيا في كل بلاد العرب هي الحرية، التي بها وحدها يعيد الإعتبار لذاته عند نفسه وعند الآخرين. ولأشهر خلت كانت السلطة على امتداد أرض الضاد، وقبل ربيع العرب، تقدم خياراً واحداً: إما السلطة وإما الحركات الإسلامية، اما الاستقرار الامني وإما الحرب الاهلية، لكن ما يحدث الآن في العالم العربي رغم كل محاولات التشويه يظهر شرائح واسعة من الشباب في الدول تنتفض أمام الأفق المسدود في وجهها فيما التيارات الإسلامية تتابع هذه الحركات ولا تقودها.

    فقد كشف ربيع الثورات العربية عقم الإنقسام بين الإعتدال والممانعة، وفكك الملازمة بين مواجهة العدو ونظام الحزب الواحد، وعرّى قيام الإستقرار على إلغاء التعدد والتنوع والإختلاف. فالإختلاف مصدر حيوية وسبيل إبداع وابتكار، في حين أن الإستقرار اللاغي للإرادات هو خروج من التاريخ.

    يؤسس هذا الربيع منطقاً جديداً للتحالفات والإنقسامات لتشكل محاور جديدة، لم تعد تقوم على فرز المؤيد للمقاومة الممانِعة والمختلف معها، أو فرز الحريصين على الإستقرار الداخلي عن المهددين له، بل يقوم على الفرز بين مؤيد وداعم للحرية والكرامة والإنسانية من جهة، ومتنكر ومناهض لهذه الحقوق والقواعد ومنتهك لها من جهة أخرى.

    فالثورات العربية في جوهرها انتفاضة للكرامة الوطنية والفردية، هدفها تحرير المواطن من مصادرة السلطة المستبدة واستنقاذ الدولة من الذين اعتبروها ملكاً لهم، وإعادة اعتبارها طرفاً محايداً يخص الشعب بقدر ما يخص السلطات. وليست ملكاً لمن يحكم البلد.

    وفي اشراقاته المصرية والتونسية، تسابق الكثير من السياسيين اللبنانيين بالتبشير بعصر جديد، ولكن عبر تطويع دينامية التغيير وحقائقها لمنطقهم السياسي وحساباتهم، من دون بذل اي جهد لقراءة ما يجري باعتباره درسا يجب التعلم منه وأخذ العبر. اذ لم يستطع متبنو “خطاب الممانعة” استيعاب حقيقة انه من الممكن خروج شعب عربي على حاكمه من دون ان يضع في سلم اولوياته محاسبة هذا الحاكم على علاقاته مع العدو. ولم يستطع هؤلاء ادراك ان شعوبا تثقلها الاغلال لا تستطيع ان تقاوم.

    فهل من مبرر لسؤال لماذا ينتفض الشعب السوري على نظام الحكم فيه؟

    يعرف الجميع ان الشعب السوري منذ عقود يخضع لحالة الطوارئ التي تكرس الاستباحة الكاملة لحقوق الشعب من قبل الأجهزة، وتشرّع معاقبة أي قول أو سلوك أو نشاط لا ترضى عنه الأجهزة الأمنية، ولا يصب في هدف تعزيز سلطتها وتأكيد سيادتها على الشعب والبلاد.

    وكان الضرب والأذى الجسدي من الأمور اليومية، أما الشتائم المذلّة فقد أصبحت عملة التداول اليومية داخل الدوائر الرسمية حتى من قبل أعضاء الإدارة من غير جهاز الأمن.

    وتحولت الإهانة المعممة في الواقع إلى تقنية سلطوية هدفها بناء العلاقة بين أصحاب السلطة وأبناء الشعب كعلاقة سيد بعبد، وقادر بعاجز، ونبيل بصعلوك، مهما كان وضع الفرد ومكانته الاجتماعية والعلمية.

    فالبلاد لا تقاد سياسياً، بل تديرها مجموعة من الأجهزة الأمنية، فلا يمكن القيام بأي أمر، قولاً أو عملاً، مهما كان محدود الأهمية، دون أن يمرّ بالأجهزة الأمنية وينال رضاها وموافقتها.

    ويمكن القول إنّه لا يوجد عاقل كان يعتقد ان ثورة الكرامة والحرية ليست قدرا في سوريا لتتخلص من السطوة التي تسببت بهذا الكم من الإهانة والإذلال مما تعرض له الشعب، عبر أجهزة العقاب والتنكيل والميليشيات والسجون المرتبطة بها، التي تسمى فروع الأمن، ولا وظيفة لها سوى حرمان الأفراد من أي أمان، وتقديمهم لوحوش مافيات السلطة والمال الضارية.

    ولعلّ اكثر ما تكشفه ثورة الكرامة والحرية في سوريا اليوم هو الازمة الاخلاقية لدى العديد من القوى السياسية اللبنانية. ويمكن تلمس هذه الازمة بشكل فاضح ومريب في محاولاتها تفسير ما يقوم به الثوار السوريون على انه “مؤامرة اميركية لاستهداف المقاومة ضد اسرائيل”. والمتسلحون بالتحرير والغاء الطائفية السياسية من هذه القوى يتورطون في وصف ما يجري من ثورة بالمؤامرة الطائفية او المذهبية بدعم غربي هدفه القضاء على الشيعة والمسيحيين او تهجيرهم.

    أيضا لعلّ مقولة “سورية الاسد” التي استفحلت في الخطاب اللبناني، الممالىء للنظام السوري لعقود، تجد تفسيرها اليوم لدى شرائح سياسية متنوعة في المجتمع اللبناني، وهو أنّ سوريا الدولة والدور هي مرادف لآل الاسد. ولا معنى حقيقيا لسوريا سورياً وقومياً في معزل عن الاسد، سواء كان الاب الراحل او الابن الصامد والسلالة الآتية. هكذا لم يجد اصحاب المقولة ضيرا في الترويج لها وتبنيها، في وقت يرذلون بموضوعية خطابية كل ما يتصل بالاقطاع السياسي وبالعائلية ممن حاول احتواء لبنان واختصاره سواء عبر “الحريرية”، او سواها، ممن سعى ويسعى لاختصار البلد او الطوائف والمذاهب في تاريخه الحديث بعائلة ما.

    هكذا ينكفىء الخطاب المقاوم والممانع والتحريري نحو دوائر عصبية ينهل من امراضها، ويستقوي بها ويدجج جمهوره بمنطق انقسامي، ويطلق العنان لكل ادبيات الانقسام المذهبي المتخلف، فقط لمواجهة مقولة التحرر ومسارها، فحين يصعب الرد على مطالب الحرية والكرامة ومقاومة الظلم والتسلط والمصادرة للشعب السوري، تستحضر المؤامرة كجواب وينتعش الخطاب المذهبي، وتستجلب الروايات الدينية في محاولة اسقاط تعسفي محبوك بدجل على العقل والدين. لا لشيء الا لتبرير سحق المظلوم ودعاة الكرامة الانسانية في المقلب الآخر، ليتحول مطلب حرية الشعوب الى رجس من عمل الشيطان. لا بل تستكمل هذه الثقافة السياسية مسيرتها المريبة والمأزومة لتعلي من شأن القوة في مواجهة قوة الحق، فيصبح قتل المدنيين عملا مشروعا، لا بل بطوليا، من قبل اجهزة النظام في سوريا، ما دام هؤلاء لا يسلمون بحكمة هذا النظام ورموزه.

    في مؤدّى هذه الثقافة ان احدا غير النظام السوري واتباعه لا يستحق ان يستمر، لا بل تتحول مقولة ارادة الشعب والخيارات الحرة للمواطنين الى مقولات استعمارية، ويتخلى بعض دعاة المقاومة في لبنان بسرعة بهلوانية عن مقولة راسخة في خطابها وهي انّ الانظمة العربية والاسلامية المستبدة هي من يمنع هذه الشعوب من مقارعة اسرائيل ومشاريع السيطرة الاستعمارية على المنطقة ويحول دون عيشها بكرامة. هكذا عند اول تحدّ تتهاوى منظومة المقاومة كتعبير عن ارادة الشعوب وتطلعاته الى الحرية. وهكذا يتخلى “حزب الله” عن تعاطف الشعب السوري ودعمه، ليقف في صف النظام الاستبدادي حين تعلق الامر بخيار الشعب السوري. وحينها بدأ التشكيك بثورة مصر وبثورة تونس الى حد تمني (يرشح من مواقف دعاة “الممانعة والمقاومة”) عودة مصر وتونس الى ما كانتا عليه قبل التغيير الاخير والمستمر.

    أما في لبنان، ومع امساك احزاب الممانعة بمفاصل السلطة، تتكشف صورة السلطة بوضوح، لتبدو المقاومة، او الناطقون باسمها اليوم، اقرب الى الانظمة، ليس بصفتها سلطة تتغوّل الدولة فحسب، بل في سيرها على خطى النظام العربي، وفي استخدامها العصبيات وصراعها وسلطة الدين وسطوة الامن كوسيلة للبقاء من جهة، وبتشكيكها المتنامي بالثورات العربية وما تحققه من تغيير لمصلحة الانسان من جهة أخرى. وفي المحصلة نجح حاملو لواء “المقاومة والممانعة” اليوم في تحويلهما الى نظام وسلطة رسمية. لكنها سلطة لا تترجم مصالح الشعوب وتطلعاتها، بل تسقط في حبال النظام العربي حين تعلن عبر سلوكها المستفز ان انهياره يعني سقوطها.

    وان لم يضع الثوار السوريون المسألة القومية على رأس شعاراتهم، فإنّ سبب ذلك يعود الى كون تلك المسألة متمثلة بـ”الممانعة” التي شكلت رأس حربة قهرهم واذلالهم منذ “حرب تشرين 73”.

    السوريون يحتاجون الى الحرية كي يصفحوا عن الممانعة الرثة لذا انخرطوا في المقاومة بمعناها العميق وليس بمعناها الاستبدادي الذي يستخدم بندقيتها لتأبيد حكم عائلي.

    “المقاومة”، هي فكرة وتاريخ ونمط عيش ومصير وخيار في الوقت نفسه، وهي أيضا فلسفة ورغبة وثقافة ومآل حتمي أمام الظلم …وهذه “المقاومة”، لا مبالغة في القول إنّها لا يمكن أن تكون إلا جزءا من ربيع العرب، ولا يمكن ان تقف المقاومة ضد الربيع، لأنّها في داخلها ربيع مستمرّ… وإلا فإنّ الممانعين، الذين بعضهم قضى وهو يقاتل، وبعضهم تاجر بمن قضى وهو يقاتل، يضعون المقاومة تحت مقصلة التاريخ وشتائه.

    علي الأمين
    جريدة النهار
    09.10.2011

    Leave a Reply