• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    أسئلة قلقة أم تخويف مسيّس؟

    لا تغيب الاسئلة القلقة، والخائفة احيانا، عن حديث المستقبل عند الكثيرين من مسيحيي العالم العربي. غير ان ثقل الاسئلة والهموم، وهو متفاوت، شيء وتأجيج المخاوف، وهو عملية غالبا ما تكون مهندسة، شيء آخر. ولعل تعظيم المخاوف حينا واصطناع ترتيب جديد لها حينا آخر يستعجل تحقيق ما يخشاه اصحاب تلك الاسئلة. ومن شأن المخاوف المضخمة، ذات الدوافع الملتبسة والمرشحة دائما للاستثمار السياسي، ان تحجب عن الانظار قيما مسيحية اصيلة وان تعيق التفكر الجدي في احتمالات الازمنة الآتية. حسبنا الاشارة الى الوان المبالغات في الكلام عن مخاوف المسيحيين والقصص التي تؤيده ومنها ما يستند، في زمن الانتفاضات والتحولات العربية المذهلة، الى مقارنات متسرعة بين اوضاع العراق ومصر وسوريا. ففي تسرعها المقصود تفقد وتُفقد الذاكرة. ويفوتها ان انظمة الاستبداد، على رغم اختلاف الحالات الثلاث، اخافت المسيحيين وخوفتهم من مواطنيهم مرة، واظهرت نفسها مدافعة عنهم ومطمئنة لهم مرة اخرى. وعلى هذا النحو، اخضعتهم بعد مفاقمة خوفهم واستدعت ولاءهم بحجة حمايتهم. وهي في ذلك توسلت، حسب الممارسة المعروفة، ادامة سيطرتها.

    الا ان كثرة من المسيحيين العرب، على اختلاف انتماءاتهم الكنسية واتجاهاتهم السياسية والفكرية وفي مدى تاريخهم المعاصر، لم تر نفسها على الدوام بصورة اقلية يأسرها الخوف من الغالبية ويتحكم بسلوك عدائي ضدها، يستعين بقوى خارجية تارة وبتحالفات داخلية طورا، بين اقليات تواجه الهيمنة او تحاذر مخاطر الهامشية. صحيح ان المسيحيين العرب، من حيث هم اقلية دينية، حافظوا على هويات لهم خاصة وعانوا حرمانهم من بعض حقوق المواطنة، ولو انهم في مرات كثيرة، بل في اكثرها، تساووا مع مواطنيهم المسلمين في هذا الحرمان. لكنهم في كل حال عملوا مع سواهم، منذ اواخر القرن التاسع عشر، من اجل الا يُحجر عليهم في شخصية جمعية واحدة واقلوية تجعل منهم بمثابة جماعة اتنية صلبة او شبه قومية. وصحيح ايضا ان عددا منهم عرف توترا بين هموم الاقلية تبدد هذا التوتر من طريق التزام قضية الحريات للجميع والدفاع عن حقوق الناس كلهم وتعزيز المواطنة وبناء دولة الحق.

    وايا يكن من امر الصعوبات والاخفاقات التي عرفها المسيحيون، لجهة تناقص اعدادهم النسبية وتراجع ادوارهم، ولاسيما في السياسة والثقافة، وتعرضهم لضغوط او مضايقات، فان ثنائية الاقلية المنكفئة والغالبية الطاغية لم تُغلق عليهم ولم تطبع مواقف مجموع المسلمين حيالهم، على نحو لا فكاك منه. بل ان مشكلات المسيحيين كانت في معظمها تعبيرا عن مشكلات المجتمعات العربية كلها، ما يتصل منها بالمساواة والمشاركة السياسية او ما يختص بالتنمية والنهوض الثقافي. ولم يغب ذلك عن عدد كبير من رعاة الكنائس المسيحية ونخبها الدينية والثقافية، كما تبينه كتاباتهم ووثائقهم الكنسية ونداءاتهم، فضلا عن ممارسات مؤسساتهم التربوية والاجتماعية وغيرها من الهيئات التي تعنى بما يُعرف تحت مسمى الشهادة المسيحية او الحضور المسيحي. وفي الحقبة المعاصرة، تكاد لا تجد نصا مسيحيا ذا صفة مرجعية يضع ما صار يدعى هواجس الاقلية في تناقض مع توجهات الغالبية. اذ لم يؤد تزايد القلق عند فئات من المسيحيين، افصحوا عنه جهارا ام كان مدار همس بينهم، الى جنوح مسؤولين روحيين في اتجاه التخويف. بل جاء الاهتمام به في صورة دعوة الى مصارحة لا تضع المسلمين والمسيحيين في صفين متقابلين. ولم يتردد هؤلاء المسؤولون في سلوك الطريق، الضيق احيانا، بين التهويل بحراجة اوضاع المسيحيين والاستهانة بها وتأكيد الصفة العابرة لتلك الاوضاع المتسببة بالقلق. وبوجه العموم خلت لغتهم من الحدة، مجروحة كانت ام جارحة، وان لم يضربوا صفحا عن الازمات التي “تمتحن وجود المسيحيين وشهاداتهم”. واجتنبوا التفسيرات التآمرية عن افراغ العالم العربي من مسيحييه التي، فضلا عن خفتها واستخفافها بالعقول، تدفع المنقادين وراءها الى العزوف واجترار مرارة الخيبة او الى تبن لفظي للغة الخطابة شبه الوطنية القائلة بالتصدي بالكلام لخطة مفترضة تعمل لتفتيت العالم العربي.

    ان هذه المواقف المتعاقبة والمنسجمة التي عرفناها في العقود الماضية، وقبلها مساهمات المسيحيين في حركة النهضة العربية منذ اوائل القرن الماضي، لم تفقد معناها، بل تستحق ان تستعاد وتتجدد في زمن التغيير العربي الكبير. فلا يقع المسيحيون، او بالاحرى يوقعون، في اقلوية عقيمة ومعطلة لدورهم في الاسهام في هذا التغيير. ولا يحسبون، او يحسبون انفسهم، كتلة متجانسة بقوة الخوف ومتراصة في وجه كتلة واحدة ومتماسكة بفعل نوازع الهيمنة. فالمسيحيون مواطنون ليسوا بالضرورة متشابهين في خياراتهم، وليسوا، في اي بلد، جمهورا يسير صفوفا وراء زعيم سياسي اوحد او شخصية دينية اولى. والمسلمون متعددو الاتجاه وليسوا في معظمهم اسلاميين، والاسلاميون منهم متنوعون ولا يمكن وصفهم جملة بالتشدد من دون تمييز بين كثرة لا تقول بالعنف وقلة تتوسله. والتمييز هذا امر بديهي. بيد ان ما نسمعه، هنا وثمة، يؤكد لنا ان بداهته لا تعفينا من تكراره. وهو احد عناصر الوقاية من الانزلاق المستعجل الى جر المسيحيين نحو التوجس عن نيات الاكثرية الدينية او العداء لها.

    غير ان عنصر الوقاية الاول من الانزلاق الخطر، بل من الجنوح المدمر، يبقى الموقف الاخلاقي. ويعني هذا الموقف الا يجد المسيحيون انفسهم في غربة عن التوق الى الحرية، ومتساهلين مع عنف الاستبداد الدموي ضد المدنيين وساكتين عن الاساءة الى كرامة الشخص الانساني، بحسب التعبير المسيحي المعروف. بالطبع لا يجيب الموقف الاخلاقي مما يجري في سوريا عن كل التساؤلات القلقة عند المسيحيين. الا انه في تأكيده التضامن مع ضحايا القمع وطالبي الحرية، يحفظ اصحابه من الوقوع فريسة التخويف المسيس، الذي يضعف قدرة المسيحيين على المشاركة في صياغة مشروع للمستقبل ويجازف بمصائر ادوارهم.

    طارق متري
    جريدة النهار
    22.09.2011

    Leave a Reply