• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    !لا خوف على مسيحيي الشرق من قيام أنظمة ديموقراطية

    كَثُرَ الحديث في الآونة الأخيرة عن أوضاع المسيحيين العرب، لا سيما بعد المتغيرات الهائلة التي شهدتها وما زالت تشهدها عدد من البلدان العربية بدءاً من احتلال العراق واستهداف المسيحيين فيه وصولاً إلى انتفاضة الشعوب العربية ضد الاستبداد والقمع في كل من تونس ومصر وليبيا وسوريا والبحرين واليمن.

    في وسط هذا التحوّل التاريخي الذي تشهده تلك البلدان، تصاعد الجدل بشأن وضع المسيحيين ودورهم في صنع هذا التحول التاريخي ليصل إلى حد تحذير بعضهم من نتائج هذا التحول بحجة أنه سيأتي بأنظمة متطرفة ويؤدي إلى تفتيت المنطقة، وتهجير المسيحيين، ويستشهد هؤلاء بما حدث لمسيحيي العراق من قتل وتهجير بعد سقوط صدام واحتلال العراق. وكأن الاستبداد هو الذي حمى وجود المسيحيين في هذا الشرق. وأن المسيحيين لم يهاجروا من هذا الشرق المحكوم بالاستبداد منذ الاستقلال، ولم تتناقص أعدادهم بشكل مخيف! ترى هل الإسلاميون في الجزائر من أصدر قانون يعاقب على اعتناق المسيحية أم النظام الاستبدادي الحاكم في الجزائر؟ فالاستبداد لم يكن يوماً حامياً للمسيحيين في الشرق، بل على العكس من ذلك، فقد شكل الاستبداد والتخلف على الدوام بيئة صالحة لانتشار الحركات الأصولية المتشددة التي ترى في الحرية والديموقراطية عدواً رئيسياً لها.

    ففي ظل أجواء من الديموقراطية الليبرالية استطاع فارس الخوري المسيحي تولي منصب رئيس الحكومة في سوريا أربع مرات منذ العام 1944 وحتى العام 1954، كما أتاحت له تلك الأجواء تولي رئاسة البرلمان السوري ليس بالتعيين بل بالانتخاب من قبل أعضاء المجلس النيابي السوري، كما أتاحت له تمثيل سوريا في الأمم المتحدة. ومن منّا لم يقرأ ما حدث بعد عودة فارس الخوري إلى دمشق بعد أن مثل سوريا في الأمم المتحدة، عندما أبرق لابنه وهو في الطائرة أن يأتيه “بالطربوش” ليغطي رأسه على عادة الناس في تلك الحقبة… إلا أن ابنه نسي ذلك، وحين نزل من الطائرة كان في استقباله عدد من المسؤولين السوريين وفي مقدمهم الرئيس شكري القوتلي وخالد العظم والشيخ بهجت البيطار وهو إمام السلفية في ذلك الزمن، وقد لاحظ الشيخ بهجت ارتباك فارس الخوري لعدم وجود ما يستر رأسه، فخلع عمامته ووضعها على رأس فارس الخوري قائلاً له: إنها تليق بك وصفق الجميع… وخرجوا في موكب جاب حارات دمشق التي كان أهلها محتشدين لاستقبال فارس الخوري تقديراً له على حسن تمثيله سوريا في الأمم المتحدة. ولم يلاحظوا أو يتفاجئوا بوجود العمامة على رأس فارس الخوري لأن الشعب السوري كان بعيداً كل البعد عن أي تفكير أو منطق طائفي… وكانت تلك آخر مرة يستلم فيها مسيحي رئيس حكومة في سوريا.

    نقول ذلك حتى لا ينسى بعضهم كيف كانت سوريا وكيف كان شعبها؟ وستبقى كذلك، وطناً لجميع أبنائها بصرف النظر عن انتماءاتهم وتلاوينهم، وسيبقى الشعب السوري مثالاً للتسامح والمحبة بين جميع بناته وأبنائه، والمسيحيون ليسوا طارئين على سوريا بل هم مواطنون كاملو الأوصاف وجزء أصيل من الشعب السوري، ونكن كل احترام لكل شعب ولكل قومية ولكل أثنية ولكل طائفة ولكل مذهب ولكل دين. ولا يمكن للمسيحيين في سوريا أن يكونوا بمعزل عن الحراك الشعبي السلمي المتصاعد في سوريا، هذا الحراك الذي انخرط فيه السوريون والسوريات بمختلف انتماءاتهم وتلاوينهم السياسية والدينية والعرقية، والمسيحيون لا يخشون من هذا الحراك الشعبي السلمي، بل ويشاركون فيه إلى جانب إخوتهم وأخواتهم من مختلف الطوائف والاثنيات السورية، ينشدون التغيير لنقل سوريا من دولة شمولية إلى دولة مدنية ديموقراطية تعددية على قاعدة صياغة عقد اجتماعي جديد، لن يكون بالتأكيد عقداً بين طوائف ومذاهب، بل بين السوريين والسوريات كمواطنين أحرار في دولة حرة تقف على مسافة واحدة من جميع أبنائها وبناتها بصرف النظر عن طوائفهم ومذاهبهم وأعراقهم وألوانهم. تشارك فيها المرأة إلى جانب الرجل على قدم المساواة. ويُحترم فيها الرأي والرأي الأخر المختلف. ويسود فيها القانون على الحكّام قبل المحكومين. ويكون فيها القضاء سلطة قوية ومستقلة يخضع لأحكامها الحاكم قبل المحكوم. وتسعى فيها القوى والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني للفوز بثقة الشعب عبر انتخابات حرة ونزيهة بدءاً من المختار وصولاً إلى رئاسة الجمهورية.

    لا شك أن مسؤولية مسيحيي الشرق كبيرة ومضاعفة تبدأ أولاً من الاعتراف أن مسيحيي الشرق قد تقاعسوا عن أداء دورهم ورسالتهم الحضارية وهجروا بلدانهم. ومن بقي منهم حصروا نشاطهم السياسي والثقافي والفكري بالعبادات التي لم تتعد عتبة باب الكنيسة. بعد أن أحجموا عن المشاركة السياسية والاقتصادية الثقافية والفكرية والفنية في المجتمع وتقوقعوا على أنفسهم واستكانوا للعيش في ظل الاستبداد. وثانياً وهو الأهم في إعادة الاعتبار لدور المسيحيين العرب في نهضة مجتمعاتهم في هذا الشرق، يعود الألق من جديد لدور المسيحيين في نهضة بلدانهم من براثن التخلف والتطرف والاستبداد بالمشاركة مع إخوتهم المسلمين، وعلى المسلمين أيضاً أن يساعدوهم في ذلك. فهذا هو قدرنا الذي لا مفر منه في هذه المنطقة من العالم. نحتمي بأخوتنا المسلمين ويحتمون بنا، تماماً كما احتمى العظيم فارس الخوري بأخوته المسلمين، عندما اعتلى منبر الجامع الأموي مخاطباً المصلين: “إذا كانت فرنسا تدّعي أنها احتلت سوريا لحمايتنا نحن المسيحيين من المسلمين، فأنا كمسيحي من على هذا المنبر أشهد أن لا إله إلا الله… فأقبل عليه مصلو الجامع الأموي وحملوه على الأكتاف وخرجوا به إلى أحياء دمشق القديمة في مشهد وطني ما زال يتذكره السوريون إلى يومنا هذا.

    إن مستقبل شعوب هذه المنطقة في خطر وثرواتها سوف تضيع، ما لم نتلمس دوراً حقيقياً للرواد من أبناء سوريا والمنطقة العربية من مسيحيين ومسلمين يضعون أسس النهضة العربية الجديدة على أساس من الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية واحترام الإنسان، بصرف النظر عن أي انتماء سياسي أو ديني أو عرقي أو اللون أو العرق والجنس.

    ميشال شماس
    جريدة المستقبل
    20.09.2011

    Leave a Reply