• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    من “الفداء للأمة” إلى الخوف من نهضتها

    استراتيجيتان اصوليتان (“ولاية الفقيه” و”القاعدة”) وضعهما الربيع العربي على هامش الحدث التاريخي، ودفع اصحابهما الى التخبط والارتجال، تارة للتضامن معه وادعاء نسب مفتعل له، وطورا لمواجهته واعتباره مؤامرة خارجية.

    شغل مفهوم “نهضة الأمة” منذ سقوط السلطنة العثمانية منتديات الفضاء السياسي والثقافي العربي، وأرخ سقوط بغداد بعد الحرب الاميركية على العراق بداية مرحلة كان قصب المبادرة فيها قائما لحركتين أصوليتين تعتمد الاسلام السياسي العنيف استراتيجية لقتال “أعداء الأمة” وتتبناه مسارا لصناعة وحدتها ونهضتها.

    الاستراتيجية الأولى تنطلق من “ولاية الفقيه” التي تشكل ايران قاعدتها الأساسية بالتحالف مع “سورية آل الأسد”، و”حزب الله” في لبنان طليعتها، والتي تنضوي ضمنها تشكيلات سياسية وعسكرية في العراق وفلسطين وتتقاطع معها حركات معارضة شيعية في اليمن والبحرين ودول الخليج الأخرى، في ما يعرف بـ”محور الممانعة”. وقد حددت أجندتها الجهادية على أساس مواجهة اسرائيل وتجنب خوض مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة الاميركية، بل الاكتفاء بالاشتباك الخطابي معها والتقاطع والتحالف معها حين تقضي المصالح ذلك، كما حدث في عراق صدام حسين وأفغانستان “طالبان”، مع السعي الى زعزعة استقرار الدول العربية التي تحكمها أنظمة متحالفة مع الغرب والمعروفة بـ”محور الاعتدال”.

    الاستراتيجية الثانية تتمثل في تنظيم “القاعدة” وأخواته وتنطلق من الفكر السلفي الجهادي المستند الى أدبيات ابن تيمية ونظرته للاسلام، والتي نجحت على مدى سنوات عديدة في السيطرة على مناطق في أفغانستان وباكستان، كما عززت نفوذها وعملياتها في مناطق اخرى في العراق واليمن والصومال والمغرب العربي، وصولا الى تجنيد أعداد من مسلمي أوروبا وأميركا. وقد حددت أجندتها الجهادية على أساس مواجهة اميركا والغرب عامة، واستهداف الرعايا الاجانب في دول الانظمة المتحالفة معها. وقد أهملت هذه الحركة الصراع مع اسرائيل أو ممارسة أي عمل عسكري يذكر ضدها.

    ورغم العداء الايديولوجي المستحكم بين أتباع هاتين الحركتين، فقد تقاطعت توجهاتهما في أمور عديدة أولها زعزعة استقرار بعض الدول العربية وتقديم خدمات متكاملة هدفها منع انجاز تسوية سلمية للقضية الفلسطينية متقاطعة في ذلك مع سياسات اسرائيل في رفض هذه التسوية. وثانيها الاسلام السياسي الذي يعتمد العنف المسلح، وثالثها أساليب العمل التي اعتمدتها كلتا الحالتين – أي النقاء العقائدي، واستعمال المقدس في الصراع السياسي، والتحريض على القطيعة مع الغرب، والفداء بالأنفس، والعمليات العسكرية الاستعراضية التي تستقطب تغطية اعلامية عالمية- شكّلت قاعدة للتنافس بين الحركتين على دعوة الأمة الى “صناعة نهضتها والاستفاقة من غفوتها”، ولتتوحد وتنصاع لقيادة احداهما.

    وعلى رغم الامكانات الهائلة المختلفة التي تم تسخيرها للحركتين، وعلى الرغم من التأييد الذي حظي به “حزب الله” من الشارع العربي بعد تحرير الجنوب سنة 2000 وحرب تموز سنة 2006، وانبهار الشارع العربي و”الشماتة” التي ابدتها بعض الشرائح العربية باحداث 11 أيلول ورفض هذا الشارع للاحتلال الاميركي للعراق وتأييده لعمليات المقاومة العراقية، الا أن الشارع العربي لم ينتفض خلال العقد المنصرم لا تلبية لدعوة السيد نصرالله باعتماد “نموذج المقاومة ليصبح عنوانا لنهضة الأمة”، ولا تلبية لنداء بن لادن “لطرد الصليبيين واليهود من بلاد المسلمين”. وحده بائع الخضار التونسي في قرية تونسية منسية في جنوب بلاده ألهم ملايين العرب لكي يملأوا الساحات بثورتهم السلمية من أجل الحرية والكرامة الانسانية وتداول السلطة وبناء الدولة المدنية.

    ومقابل سيل من الخطب الحماسية لقيادة كاريزمية في كلتا الحركتين قابلتها الجماهير بالتفرج والانصات تارة وباللامبالاة تارة أخرى، خرجت ملايين الناس تلبي دعوة ناشطين مجهولي الهوية وتردد شعارات أطلقوها عبر الفضاء الافتراضي. ومقابل مطولات عقائدية وفتاوى دينية تؤصل لمفاهيم فكرية وفلسفية، نهضت الأمة فعلا على وقع خطاب مؤلف من جملة واحدة “الشعب يريد اسقاط النظام”، مضافاً اليها كلمة واحدة “ارحل”. الفكر السياسي هنا لم يعد مذهبا أو عقيدة بل نتاج لقيم الحرية العالمية والانسانية.

    مقارنة أخرى أشد اثارة للتبصر هي البنية التنظيمية على ضفتي المقارنة. ففي حين تم بناء كلتا الحركتين بناء تنظيميا على مدى عشرات السنين، وتمت مراكمة خبرات نضالية هائلة لكلتيهما، حدث التشبيك الجماهيري لـ”ربيع العرب” في فترة قصيرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وسرعان ما أصبح واقعا يحقق أهدافه لحظة انتقاله من الشاشة الى الميدان. ولم تكن المساجد التي عاب بعض المثقفين العلمانيين استعمالها من قبل الحراك العربي سوى محطة انتقال من فضاء افتراضي الى ساحة للمواجهة. المجتمع تحرك مع ناشطيه تاركا النخب الطليعية والحزبية تلهث وراءهم. لم يعد الحزب أداة للتغيير وقاطرة للمجتمع بل أصبحت حركة المجتمع المدني تتولى زمام المبادرة السياسية.

    ومقابل النقاء العقائدي الأصولي والفكرة الواحدة المقدسة التي جرى التبشير بها من قبل الحركتين، انطلق التغيير في ساحات التظاهر من تعددية سياسية وتشابك قوى من مناهج ومنابع فكرية وسياسية مختلفة اتفقت على هدف سياسي واحد هو اسقاط انظمة الاستبداد والاحتكام الى آليات الانتخاب الديموقراطي وبناء الدولة المدنية.

    في كل الساحات والعواصم كان التحرك السلمي وسيلة الانتفاضات لتمحو من ثقافتها طروحات تمجيد العنف الثوري واستعمال السلاح، وحرص الحراك الديموقراطي العربي على ابراز تفوقه الأخلاقي من خلال الحفاظ على صورة الضحية العزلاء الساكنة والهادئة (وهذه حقيقة ناصعة وليس اصطناعاً)، مستفيدا من قوة الصورة الحية المنقولة الى أنحاء العالم. العنف غدا جريمة تستحق الادانة الشاملة وليس طريقا لصناعة المستقبل.

    مع هذه الصورة التي صنعها اعلام المواطنين وكاميرات هواتفهم الشخصية التي تخطت شبكات الاعلام الرسمي الرتيبة وفرضت نفسها على وسائل الاعلام العالمية الكبرى، تغيرت صورة العربي أو المسلم في العالم، الى صورة أخرى لشباب يواجهون بصدورهم العارية خطر الموت أفواجا متتالية من أجل نيل الحرية. لم يعد الموت هنا شراء لـ”جنة موعودة في السماء” بل أصبح فعلا لصناعة حياة حرة وكريمة على الارض. وأصبح الاستبداد جحيما حقيقيا في الواقع يستحق اسقاطه قبل تجنب جحيم السماء.

    لم تكن الانتفاضات العربية معركة من أجل تغيير أنظمة سياسية طال أمد استبدادها فحسب، بل كانت مساهمة استثنائية في توطين وتعريب القيم العالمية التي تقوم على الحرية وحقوق الانسان. وهي لذلك فعل ثقافي جديد يعيد للعرب اتصالهم بروح العصر والحداثة، ويمهد لمصالحة الانسان العربي مع دولة حديثة يتوخى بنائها، ويفتح الطريق للمجتمعات العربية للتصالح مع العالم، بعد أن حاصرتنا طويلا الأصوليات الفكرية المختلفة بالدعوة الى القطيعة معه.

    شعارات لطالما ملأت فضاء سياسات المنطقة، “الموت لأمريكا”، “الشيطان الأكبر”، “تقسيم العالم الى فسطاطين، …”، لم تعد تحمل بريقها السابق. ورهاب الاسلام السياسي في دول الغرب لم يعد كافيا لتبرير سياسات المعايير المزدوجة الذي طبع علاقة الغرب بدول المنطقة العربية وقضاياها.

    وضع”الربيع العربي” الاستراتيجيات الكبرى للحركتين الاصوليتين على هامش الحدث التاريخي ودفع أصحابها الى التخبط والارتجال، تارة من أجل التضامن مع الحدث وتأييده وادعاء نسب مفتعل له، وطورا لمواجهته واعتباره مؤامرة خارجية يتوجب التصدي لها.

    خسرت الأصولية الاسلامية السلفية بسقوط الاستبداد العربي خصما سهل المنال، كان مطلوبا استمراره لكي تستمر في تعبئتها وتحريضها السياسي ضده، فلجأت الى انكار التغيير الحاصل في مصر وتونس مدعية أن الجيش في كلا البلدين ما زال يمسك بمفاصل السلطة وحاولت استمالة المؤسسة العسكرية وعقد تفاهمات معها لكي تغريها باعاقة التحول الديموقراطي وتحويله الى مجرد اعادة تأسيس للنظام القديم بوجوه جديدة، وسارعت الى الشارع والمجتمع لكي تعزز حضورها عبراثارة العصبيات الدينية وتفريغ التغيير من محتواه المدني الحداثوي. لكن الحراك الديموقراطي استمر يعمق التحولات ويدفع آليات شاملة لتغيير هيكليات النظام البائد موقعا بعد موقع، جاعلا من المرحلة الانتقالية رحما حقيقيا لولادة نظام ديموقراطي حديث ودولة مدنية تعددية (انظر الوثيقة “التقدمية” التي اصدرها الازهر في مواجهة دعوات الاسلام السياسي). أما تنظيم “القاعدة” فقد خسر قضيته مع الربيع العربي قبل ان يخسر قائده في احدى قصبات باكستان ومرّت ذكرى 11 أيلول في وجدان مسلمي العالم ككابوس مضى لا يريدون استعادة ذكراه.

    أما على جبهة الأصولية الشيعية، فقد كانت الأزمة أشد وقعا حين اندفع منظروها، مريدو “حزب الله” الحزب الديني بامتياز، للتحذير من خطر سيطرة جماعة “الاخوان المسلمين” باسم علمانية مستجدة، لم يحرجها يوما التحالف مع “حركة حماس”، “فرع الاخوان المسلمين في فلسطين”. وأدى تدخل حلف شمال الاطلسي في ليبيا الى استنهاض الاتهام الجاهز تاريخيا حول مؤامرة دولية لتقسيمها بعد تقسيم السودان. لكن الحدث الليبي وسرعة تطوراته لم تمد منظري المؤامرة الا بأسابيع من الوقت لتظهر هزالة ادعاءاتهم، ولينتقلوا بشكل مرتبك الى طابور المهنئين بنجاح الانتفاضة الليبية المدعومة من الناتو. وجاء التموضع السياسي الجديد لحركة “حماس” ليقطع رأس الجسر الذي يربط طهران بالقدس ويجعل من استراتيجية ايران بخطف القضية الفلسطينية فاقدا لشاهد الاثبات الوحيد على انخراطه في خدمتها. وتفاقمت أزمة هؤلاء بعد اندلاع الثورة السورية الجسورة الى منطق اثارة المخاوف من سيادة اسلام سلفي يهدد الاقليات غير السنية في المنطقة، متبنيا منطقا استعماريا قديما في المنطقة حول ضرورة تحالف الاقليات المشرقية بقيادة ايران من اجل مواجهة الاكثرية السنية.

    سنوات طويلة من العمل لاستنهاض الامة التي يشكل اهل السنة فيها اكثر من 80 في المئة من تعدادها، ومن التنطح لقيادتها ومن أجل اقناعها وتعبئتها لتنتظم صفوفها وراء ولاية القائد على الأمة، تم القفز فوقها من أجل منطق مستجد يضع نهضة معظم الامة في موقع العداوة والخصومة، وينقل الاستراتيجيات الأصولية من رسالة الفداء لاجل نهضة الأمة الى خطاب حماية الاقليات من خطر ولاية الأمة على نفسها.

    حارث سليمان
    جريدة النهار
    20.09.2011

    Leave a Reply