• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    نداء إلى المسيحيين العرب

    لا يبتغي هذا المقال التفلسف على مسيحيي الشرق، ولا يحرّض، ولا يملي عليهم ما يجب أن يكونوا عليه، في هذه المفترقات الحاسمة من تاريخ المنطقة. هو محاولة فحسب، من شخص علماني، لتقديم قراءة بسيطة ومتواضعة لمسيح الحرية، ولما يراه من مسؤوليات مفترضة للمسيحيين حيال هذه القراءة.

    لا تخافوا. أنا معكم إلى منتهى الدهور.

    هذا الكلام ليس لي. إنه كلام المسيح بحسب الأناجيل. وهو كلام واضح وصريح، وفيه حضّ على طرد شبح الخوف، وعلى عدم الخضوع للترويع الذي تمارسه السلطات، وفيه دعوة إلى إشهار الشجاعة والذهاب بالموقف المطلوب إلى النهاية، أياً تكن النهاية.

    وإذا كان الموت الهمجي يمثل نهاية بشعة، كموت المسيح مصلوباً، فهل ثمة نهاية أروع من الموت شاهداً للحق، وشهيداً له، كموت المسيح مثلا؟!

    المسيح لم يكن خائفاً، لا على نفسه ولا على رعيته. علماً أنه كان ذاهباً إلى موت محقق، وأنه دعا رعيته، موضوعياً، إلى شبه موت محقق، بالشهادة له بين أمم الظلام والوثن والعبودية.

    لكن ثمة الآن وهنا، مَن هو خائف خوفاً عظيماً على رعيته، وربما على نفسه، بل يُدخِل الهلع في قلوب المسيحيين، متماهياً مع نظام الرعب والظلم والاستبداد والديكتاتورية والقتل، وداعياً الرعية إلى مثل هذا التماهي.

    باختصار علني مفيد: ندعو دعوة المسيح في عدم الخوف، وأيضاً إلى إشهار الثورة وطرد التجّار من الهيكل، الذي هو، على قول المسيح نفسه، بيت صلاة وثمة مَن جعله مغارة للصوص.

    في زمن الثورة العربية، الممتدة من المغارب إلى المشارق، نقول باختصار آخر، علني ومفيد: لن نكون إلى جانب النظام الديكتاتوري ومغاور اللصوص. لن نكون إلى جانب القاتل المعلوم، أياً يكن مَن يخلفه، أيخلفه في القتل أم في نقيضه.

    في زمن الثورة العربية، نحن مع الذين يخرجون من بيوتهم تاركين أحبابهم، عارفين أنهم قد لا يعودون إلى بيوتهم إلاّ شهداء.

    هذا إذا عادوا!

    في زمن الثورة العربية، نحن مع الشهيد وليس مع الدبّابة. ومن الطبيعي والبديهي أن نكون مع القتيل وليس مع القاتل.

    لا نستطيع أن نكون مع زين العابدين بن علي، بحجة أننا لا نعرف النتائج المترتبة على الثورة في تونس، ولا طبيعة النظام الذي سيتسلم زمام الأمور هناك. لا نستطيع أن نكون مع حسني مبارك للسبب نفسه. ولا مع معمر القذافي، ولا مع علي عبدالله صالح، ولا مع ملك البحرين، ولا مع بشّار الأسد، ولا مع أيٍّ من الرؤساء والملوك والأمراء والمشايخ والسلاطين الذين يحكمون بليل الحديد والنار.

    في السياسة، يستطيع أيٌّ كان أن يتخذ الموقف الذي يريده أو يراه مناسباً، لكن هل يحقّ لأحد أن يرى القتيل مقتولاً مدى أربعين عاماً، خمسين عاماً، ثم يقول إنه يفضّل أن يعطي فرصة إضافية للقاتل؟!

    هل يحقّ لأحد أن يدفن رؤوسه في الرمال، وأن يمارس التقية الدينية والسياسية، وأن يدعو شعبه إلى أن يكون من أهل الذمّة؟

    في السياسة، ناسٌ مع وناسٌ ضد، لكن من المهين والمعيب حقاً أن يكون المرء مسيحياً وأن يروّج لنظام ديكتاتوري. فكيف إذا كان مسيحياً مشرقياً، وسليل المسيحيين المشرقيين العرب، صنّاع الثورات والحريات وروّادها وقادتها وصحافييها وكتّابها ومثقفيها وفلاسفتها و… شهداءها؟!

    تصوّروا أن المسيح بيننا، الآن وهنا، فماذا كان ليفعل؟ هل كان ليذهب الى شهادته أم يتراجع عنها لأنه خائف مما بَعد؟!

    هل كان ليدخل الى الهيكل غاضباً ثائراً، قالباً طاولات التجار والصيارفة والسماسرة، أم متفادياً، ممالئاً، غاضّاً الطرف؟ هل كان ليقول لأتباعه: لا تذهبوا ولا تتلمذوا الأمم، لئلا تتعرّضوا للاضطهاد والقتل؟

    لكني من أجل هذه الدعوة أتيت، قال المسيح. ولا بدّ أنه يقول مثل هذا القول، اليوم. وهنا.

    أيّ “حكمة” سياسية هي هذه، تتماهى مع النظام الديكتاتوري، وتستعدي الثائرين ضدّه مجاناً؟

    ثمة مَن يجيب: المسيحيون والأقليات في خطر. لكن ماذا إذا سقط النظام الديكتاتوري الذي تتماهى معه هذه “الحكمة”؟ أتكون تدعو هذه “الحكمة”، الذين تستعديهم من معارضي الديكتاتورية والثائرين عليها إلى الاقتصاص من المسيحيين، لأنهم طبّقوا “تعليماتها” بالوقوف ضد هؤلاء الثوّار، واتهامهم بالإرهاب والظلامية، والمشاركة في مؤامرة… غربية صهيونية؟

    ألا تدري هذه “الحكمة” أنها، بذلك، تكون تشجع على قتل أبنائها، واضطهادهم؟!

    ولنفترض أن ثمة “بعبعاً” من المحتمل أن يحلّ محل “البعبع” الجاثم على الصدور منذ أربعين عاماً، منذ خمسين عاماً، أفتدعو إلى القبول بالبقاء ضمن هذه الحلقة الجهنمية المفرغة؟

    ثم مَن قال إن ثمة “بعبعاً” ينتظر الجميع بعد سقوط النظام الديكتاتوري؟

    ليعلم الجميع أن خمسين عاماً من الديكتاتوريات والظلاميات لا تُمحى بشحطة قلم. بعد سقوطها، لا بدّ من عبور الركام، ركام الثورة والألم والفوضى والمطهر، إلى أن تشرق شمس الحرية.

    أما النظام الديموقراطي والدولة العادلة، فهما يحتاجان في الأقل إلى أعمار من البذل والتضحية والشهادة والصبر والحكمة والعقل و… الأمل.

    للذين لا يريدون أن يقرأوا التاريخ، عليهم بسنوات الركام التي أعقبت الثورة الفرنسية العظمى، قبل حلول زمن الدولة الديموقراطية.

    الحرية لا تُنال بضدّها. الأمان لا يُنال بتفيّؤ يد الديكتاتور.

    تأخذ حريتك بعدم الخوف. وبالشهادة. مثل المسيح.

    تأخذها بأسنانك. ثم بأسنانك تحقّق الأمان عبر تأسيس الدولة العادلة.

    في هذه اللحظات الحاسمة، قد يكون في إمكان المرء أن يهرب إلى الأمام، أن يتخابث، أن يتذاكى، أن يداهن، وأن يلعب على الحبلين. لكنه لا يستطيع، ولو للحظة، أن يتغافل عن خمسين عاماً من القتل، ولا أن يفتح الباب أمام خمسين أبداً من الذمية والهوان.

    لا تخافوا، قال المسيح. وقال: إذهبوا واشهدوا. ثم قال لبولس في سفر “أعمال الرسل”: لا تخف يا بولس. ينبغي لك أن تقف أمام قيصر.

    وأنتم أيها المسيحيون العرب ينبغي لكم أن لا تخافوا. بل ينبغي لكم أن تقفوا أمام قيصر. بل أمام كل قيصر. وأن تشهدوا للحق والحرية والديموقراطية.

    ***

    قَدَرُ المسيح الحرية لا الظلم. الشجاعة لا الخوف. قولة الحقّ لا الكذب والمداهنة. الثبات على الرأي لا التبدّل مع الأهواء والرياح. بما يقتضيه إعلاء شأن القَدَر هذا، من الشهادة للحرية، والعمل لأجلها تحت الغمرات والشدائد وفي عزّ الظلمات. وليس فقط في أزمنة الرخاء والطمأنينة والنور.

    في ليل الشعوب، كما في العكس، ليس للمسيح أقدار أخرى. ولا أدوار أخرى.

    ليكن كلامكم نعم نعم أو لا لا، وما زاد على ذلك فهو من الشيطان.

    شهادة المسيح واحدة. نضاله واحد. هدفه واحد. موته واحد. وقيامته واحدة.

    التماهي مع الحرية، أو مع المسيح، فعلان يكمل أحدهما الآخر، في المسيحية، وليس من سبيل إلى الفكاك من هذين التماهي والتكامل، أياً تكن الظروف والأحوال.

    ثمة موت، ولا بدّ، وهو السبيل الوحيد الى القيامة.

    بغير ذلك، بضدّه، لا قيامة.

    استطراداً: لا حرية.

    ***

    ما أقرأه في قَدَر المسيح الحرّ، الشجاع، تالياً الثائر، وفي دوره، أقرأه ضرورةً في المسيحيين. في أقدارهم. وفي أدوارهم.

    شهادته يجب أن تكون شهادتهم. نضاله يجب أن يكون نضالهم. هدفه يجب أن يكون هدفهم. موته يجب أن يكون موتهم. وقيامته هي تالياً قيامتهم.

    هذا هو منطق المسيح والمسيحية. ما زاد على ذلك، أو ما نقص منه، هو، في المسيحية، من الشيطان.

    ***

    ما أقرأه في أقدار المسيحيين وأدوارهم مطلقاً، أقرأه ضرورةً، ومن باب أَولى، في العرب منهم، والمشرقيين، وَرَثَة المسيح في الأرض المجرّحة بالليل، وحَمَلَة قضيته، من فلسطين الى آخر أصقاع هذا الشرق.

    قضية المسيح هي الحرية. وهذه ليست فعلاً تجريدياً أو رمزياً أو معنوياً فحسب. إنها خصوصاً فعل شهادة حسية، ملموسة، واقعية، لهذه الحرية.

    كيف يكون فعل الشهادة؟

    بالتحرير. بتحرير الإنسان مما يعوق تجلّي هذه الحرية. في الذات، في الآخر، وفي المجتمع مطلقاً.

    لا يتجزأ فعل التحرير هذا، لأن كل اجتزاء فيه، يشكّل انتقاصاً من شخص المسيح، ورسالته.

    تالياً، يتكامل فعل التحرير المسيحي ويصل إلى غايته بثلاثة: تحرير الذات، تحرير الآخر، وتحرير المجتمع، بما هو جماعة منتظمة في كيان دولتي.

    هل هو متحققٌ فعل التحرير المثلّث هذا، في دنيا العرب؟ إذا لا، فما الذي يحول دون ازهراره؟

    قراءتي تقول لا، ليس فعل التحرير متحققاً.

    تالياً، يحول دون تحقق هذا التحرير، استتباب أنظمة القمع والديكتاتورية منذ نصف قرن، وولوغها في امتهان الكرامة البشرية والمجتمعية والثقافية والسياسية، ومصادرة الحرية.

    والحال هذه، ما العمل؟ ما العمل الذي ينبغي أن يضطلع به المسيحيون العرب؟

    هذا يستدعي من هؤلاء، تأدية دورهم المبدئي النظري، ودورهم التطبيقي العملاني، على السواء، ومواصلة فعلهم التاريخي في المنطقة العربية، القائم على رفع لواء الحرية وصون كرامة الإنسان الفرد والجماعة، على أرض الواقع.

    بهذا فقط، يكونون رسل المسيح في الأرض العربية. وبهذا فقط، ينتمون الى مسيح الحرية. وينتمون تالياً: الى ثقافة الحرية مطلقاً.

    الآن، في زمن ثورة الشعوب العربية على أنظمة القمع والديكتاتورية، كيف يتجلى دور المسيحيين، وكيف يتماهون مع مسيحهم ورسالته؟

    الجواب: لم يكن المسيح ذمّياً، ولم يكن خانعاً، ولم يبحث عن خلاص فردي، بل كان على عكس ذلك تماماً. فقد وقف ليشهد للحقيقة في وجه قيصر، وفي وجه كل قيصر آخر، يهودياً أكان أم رومانياً.

    فإذا كان من دور ينهض إليه المسيحيون اليوم، فأن لا يكونوا ذمّيين ولا خانعين، ولا أن يبحثوا عن خلاص فردي موهوم. هو، في كل حال، خلاص مستحيل. مسؤوليتهم أن ينخرطوا في النضال من أجل الحرية، والشهادة لها، لا الاختباء في عباءة الأنظمة المتوحشة وتحت صراخ دمائها.

    ثمة في المدن العربية، دماء نبيلة تنزف، من أجل الحرية. من حقّ هذه الدماء على المسيحيين أن لا يتركوها وحيدة على القارعة.

    فليدملوها. وليشهدوا فقط. فليشهدوا لمسيح الحرية.

    عقل العويط
    جريدة النهار
    17.09.2011

    Leave a Reply