• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    بين الأقلوية المفتعلة والأصولية المفترضة

    ليس مستغرباً أن يتسيّد في مفصل الربيع العربي بعض مراهنة مسيحية غير مستجدة على الحاح الالتصاق بمنطق حلف الاقليات واستدراج الحماية الخارجية.

    هذا ناهيك بالاسترسال في التفزيع بمارد متشدد آت بعد ديكتاتوريات آفلة. وفي حالات الالتصاق، والاستدراج والتفزيع ثمة هاجس وجودي يحتكم اليه منظّروها بالاستناد الى بعض التاريخ القديم والمعاصر، وتحديدا وضعيتي المسيحيين في مصر والعراق وفلسطين المحتلة، المستدعية حتماً تفكيراً في مآلات التموضع الجغرافي والسياسي والقيمي لمسيحيي المشرق على مدى ما تبقى من القرن الحادي والعشرين وما بعده.

    واذا كان الكرسي الرسولي في الفاتيكان، ودونما تغييب لفاعليات البطريركيات الارثوذكسية الشرقية، والارثوذكسية وحتى الكنائس الانجيلية، اذا ما كان قد استشعر منذ ما قبل اندلاع الثورات العربية، متغيرات جيو – استراتيجية آتية الى الشرق الاوسط تحديداً، فان هذا الاستشعار وبسبب من ديبلوماسية الفاتيكان العريقة يجب ان يأخذ في الاعتبار سيناريوات ثلاثة آتية. اولها ليبرالية تحررية بقيم الاعتدال والعدالة والحرية والديموقراطية وحقوق الانسان. وثانيها مقاربة من صعود اسلاموي، يحلو للديماغوجيين، التصويب عليه كـ”اسلاموفوبيا”. وثالثها استرجاع مشاريع التفتيت الاتنو – طائفي بمذهبية متنامية.

    حتماً تستأهل كل من هذه السيناريوات تفكيراً عميقاً ينأى عن الارتجال الخطابي، او الاستعراض الاعلامي، لمصلحة البناء اكثر منه الترقب الشللي. فالمرحلة التي نعيشها تقتضي مشاركة في صناعة التاريخ، لا العيش على هامشه. من هنا يتبدى كل تخويف من الآتي، وتبرير لمستنقع الحاضر، او استقالة من اداء دور ريادي في صوغ بنية المقبل الينا، يتبدى في حيز تشويه المفاهيم عبر تكريس ملتو للالتصاق بسياقات حكمت على ذاتها، وبفعل معطوبيتها التأسيسية بالرحيل المدوي على اشلاء ابرياء عزل، الا من ارادتهم للحرية والعدالة الاجتماعية.

    وان الحكمة تتطلب من ديبلوماسية الفاتيكان، ورؤساء الكنائس المسيحية المشرقية ان يستندوا، ليس الى الاسقاط الفجائي، لمواقف مبنية على استنتاجات الاستبلشمنت التقليدي، بل الى التحرر من تقييد الامر الواقع، لمصلحة اطلاق عَنْصرة جديدة للمسيحيين في مهدها بالتوازي مع الربيع العربي.

    في كل ما سبق، ثمة ما يجب تفكيكه بالبنية اللاهوتية المتعلقة برسالية مسيحيي المشرق، مع الامتدادات السياسية، والسوسيولوجية، والثقافية لهذه الرسالية، وتحديداً في مفهومي الأقلوية المفتعلة والأصولية المفترضة حتى بلوغ خيار الانتقاء بين الذمية في حضن الديكتاتورية أو التشدد بنيّة الاحتماء من محاذير التشتت والتشتيت، والهجرة والتهجير، والتقسيم والتطييف من ناحية، وبين الإنخراط في عنصرة قيادة ريادية لتيار ليبرالي مسيحي – إسلامي في اتجاه الدولة المدنية من ناحية اخرى.

    1– الأقلوية المفتعلة

    الخوف الأقلويّ ذهنية قبل أن يكون واقعاً ديموغرافياً أو دينوغرافياً. وهنا لا بد من استحضار أبعاد إنجيلية في الإثني عشر رسولا الذين مسحنوا الكون بالمعنى القيمي الإنساني أكثر منه الدوغماتي التديني، كما في رؤية “ملح الأرض” و”الخميرة في العجين”. فهل يعنينا اللاهوت البيبلي هنا ونصرّ على تجاهله هناك؟ الخوف الأقلوي وهم مفتعل كسره المسيحيون العرب بتطوير مفهوم العروبة الحرة، لا بتسويق عصبية فوقية تدعي انتهاج المساواة بالمواطنة فيما هي بالحقيقة مساواة الشراكة بتلقي صفعات القمع أو الخوف منه. والخوف الأقلوي منهج استدراج حمايات داخلية وخارجية ينعكس استتباعاً، ويتمرى على رؤية حلف أقليات تفيد منه “يهودية اسرائيل” ليس إلا. وهنا بيت القصيد. الغرب يحتاجنا ليفهم مسيحيته، ولا نحتاجه ليحمينا كمسيحيين.

    2- الأصولية المفترضة

    في كل الأديان تشدد حتى التكفير. مجزرة أوسلو أثبتت لا صحة قصر الأصولية على الإسلام. “الإسلاموفوبيا” ثمة من يستدعي فيه التصويب في لبنان والعالم العربي على إرهاب عقديّ يفند مذهبية ليستطرد من ثم في تبريك نهج الاجتهاد بتنقية “مذهبية” أخرى. وفي هذا السياق يسترسل ديماغوجيو المنتفعات السلطوية الآنية في نقد مدِّ الأكثريات، لكأن أصولية آتية مفترضة يجب ان تقاوم بأصولية من نوع آخر. التخويف بالأصولية حليف للديكتاتورية، ودعوة لاستنفار عصب جماعيّ وتوتير مساحات العيش المشترك فيه. أياً يكن من أمر ما أُثير من ان المسيحيين في لبنان منشطرون عمودياً حول خيارات استراتيجية لدورهم، ونوعية شهادتهم في العالم العربي، فإنه آن أوان أن يستلهم قياديوهم الروحيون والزمنيون نبض الشارع الحر والانتلجنسيا الحرة في لحظة التحرر العربي، والفاتيكان بديبلوماسيته الوقائية مدعو الى إيقاف تراكم الأخطاء في تجاوز للوهم الأقلوي كما للاستتباع الأكثريّ، والإرتقاء الى مستوى إستنهاض تيار ليبراليّ عربيّ عريض ينهي حالة التسيب في انتهاك حرمة الانسان.

    زياد الصائغ
    جريدة النهار
    18.09.2011

    Leave a Reply