• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ليالي “الخيم” الحزينة

    M14

    كانت الهُتافات والشعارات التي أطلقت في انتفاضة الاستقلال اللبناني اثر استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 ، هي نتاج كلمات جمّعت خلال سنوات من نضال استقلالي سياسي شبابي، شارك فيها الكثيرون من اللبنانيين الذي رحلوا من وطنهم خلال سنوات.

    أسمع أحياناً هذه الأصوات وأبتسم لتذكر الركض الذي كنا نركضه من الصباح إلى ما بعد منتصف الليل في ساحة الشهداء وفي المراكز الحزبية، وأحياناً اتذكر النوم على الزفت في وسط الشارع بعد ان امتلأت الخيم بالناس الذين استطاعوا الوصول إلينا ليلة 28 شباط. النوم في خيم جمعت على عجل في الأيام الأولى لا يشبه إلا نفسه، والخيم البيضاء التي قدّمها رجل كويتي دعماً للانتفاضة، كانت ترفيهاً للشبان بعد أسابيع من بدء الانتفاضة.

    كنا نجلس قبالة الضريح، حيث نحسّ بحماية تختلف عن أي حماية أخرى خصوصاً بعد ازدياد تنقل “العسس وكلاب الحراسة الليلية” التابعين للجهاز الأمني المشترك في دورانهم بيننا، فهنا لن يستطيع أحد الاقتراب منا وهناك في المخيم المحمي أيضاً لقربه من الضريح نتجمع ليلاً لنتحادث قليلاً عن المفاهيم التي ربينا عليها، نتحدث عن الحرب الأهلية وعن رؤيتنا للآخرين من وطننا، عن ريفنا ومدننا، وعن الطعام الذي تركض أسما اندراوس ومجموعتها لتؤمنه من المطاعم دعماً لبقاء مخيم الانتفاضة مكانه.

    الخيم الأولى ومنبر الكلام الحديدي الصغير الذي لم يكن يسع إلا قلائل، وحتى الأعشاب الخضراء التي تكسرت تحت أجسادنا المنهكة طوال النهارات التي كنا نركض فيها لنغيّر سياسات وانتماءات قضت على آمال الكثيرين منا.

    تظاهرة الليلة الأولى بعد دفن الرئيس الحريري تقترب من منطقة الجميزة، يأتي اتصال من الشبان المتجمعين في ساحة الشهداء قرب الضريح ان وليد جنبلاط حضر إلى الساحة، تنتشر “الخبرية” بين الشبان المنادين بالحقيقة، يعودون باتجاه الساحة حيث يقف الرجل بين الناس من دون مرافقيه يقرأ الأسماء والشعارات التي كتبت على العريضة التي تطالب بالمحكمة الدولية، مثلما يوقّع على اللائحة.

    يتحدث مع الناس القريبين إليه، الناس المتنوعين القادمين من شوارع بيروت ومناطقها، يتجه إلى الضريح ومن ثم يعود إلى الساحة، يطالبه الناس أن يبتعد عن المنطقة وأن لا يتحرك وحيداً، يهزّ رأسه، كأنه يقول انهم قتلوا صديقه فليس صعباً عليهم أن يقتلوه، يفهم الناس حركات جنبلاط كأنهم حفظوها فترتفع أصواتهم أكثر تطالبه بالانتباه لنفسه، وتقول له طبيبة تعمل في أحد المستشفيات “لم يعد ينقصنا فلدينا ما يكفي من خسائر”.

    تتحول الأحاديث هذه المرة إلى حدّة، أتى سمير قصير من جريدة النهار، كعادته يناقش الجميع، يريد العمل بسرعة وعدم التوقف، يقول لمن ساروا بالتظاهرة إلى الجميزة “لماذا لم تذهبوا إلى الحمرا؟”، يجيبه البعض ان الجميزة قريبة، يتفق شبان المنظمات الشبابية، على ابقاء النشاطات في ساحة الحرية، ولكن اي تحرك خارجها فيكون باتجاه الحمرا.

    السادسة صباحاً، الخيمة الصغيرة لا تهدأ من صوت المطر في الخارج، تأتي مؤسسات اعلامية غربية لترى ما يحدث في الساحة، هناك خبرية ترددت ان بعض الشبان بنوا مخيماً صغيراً هناك قرب التمثال مقابل الضريح، المخيم الصغير صار أكثر من ست خيم من العاشرة ليلاً إلى السادسة صباحاً، صوت شاب يتحدث مع صحافي الماني محاولاً اقناعه ان النوم هنا في الساحة قرب ضريح الرئيس الحريري أفضل من النوم في المنزل. يضحك الشبان للفكرة، تزداد الاجتماعات النهارية والمؤتمرات الصحافية، تحضيراً للتحركات الشبابية، ولكن مشاركة الناس من كافة الأعمار ومن كل الفئات الاجتماعية يلغي فكرة التحرك الشبابي.

    السادسة ليلاً صوت فاروق يأتي من المنصة ينادي بالحرية والسيادة والاستقلال، يتحدث نادر عن معنى الوطن، وبعده يردّد “فيدو” الشعارات السياسية لذلك اليوم مع نكهة خاصة بالأحرف الناقصة.

    يحضر مروان حماده هذه الليلة، الرجل المصاب بعبوة كادت ان تفعل الكثير، تغلّب على تلك اللحظة ووقف أمام الجميع يحيي الناس الواقفين في برد تلك الليلة معلناً ان الاستقلال آت، والوصاية إلى زوال. يصرخ الناس لرؤيته يتحدث بقوته المعهودة. يقول الشهيد وليد عيدو “انه مروان حماده مثل الجبل لا يمكن قهره”.

    ترتفع الأعلام الحزبية بين قواتي واشتراكي وعوني، فيتم التوافق باقتراح من الياس عطاالله ان يتم رفع العلم اللبناني فقط. بعض الشبان لا يريدون إلا اظهار خصوصيتهم الحزبية فيتدخل أكرم شهيب ويطالب الحزبيين الاشتراكيين برفع العلم اللبناني فقط، فيلتزم الجميع.

    تمطر قليلاً في الليل ولكن النهار يبقى مشمساً كعادة شهر شباط في التبدل، أحب المطر كثيراً ولكن يومها فكّرت أن أصلي حتى لا تمطر على الأطفال الكثر الذين كانوا يحضرون مع أهاليهم لمساندة اعتصامنا.

    يتصل الأصدقاء من دول العالم، كلهم يتحركون هناك، وأكثرهم يبكي كلما تحدث إلى أحد من الشباب في المخيم، يسأل أحدهم عن الخوف، وعن المخابرات السورية وعن مطر بيروت. جميعهم هناك صاروا يخرجون من أعمالهم مبكرين ليعتصموا في شوارع المدن تضامناً مع لبنان وانتفاضة الاستقلال. نسمع عن مشاركة أبناء الكثير من هذه الدول في دعم انتفاضتنا، نتأكد ان ذلك اليوم الأسود كان بداية المعركة، فيه استشهد الرئيس الحريري ومنه انطلقت رغبة اللبنانيين بالعدالة، والحرية والسيادة والاستقلال.

    عمر حرقوص
    جريدة المستقبل
    12.02.2009

    Leave a Reply