• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    من مواطن أكثري إلى أصحاب الغبطة والسماحة

    النقيب السابق للمحامين رشيد درباس

    لم اشعر يوما انني اكثري، لانني لو كنت كذلك لما وصلت الى العقد الثامن من العمر ومعظم طموحاتي كمواطن تعاني اندحارا وتقهقرا، بل طالما كنت احس انني مقهور مثل الوطن، وان السلطة المنبثقة من الاكثرية “المزمنة والمبرمجة” لا تلتفت الى معاناتي ولا الى هموم الدولة وشؤون المجتمع.

    اما بعد تصريحات اصحاب الغبطة والسماحة والفضيلة فقد وجدتني فجأة مزجوجا في عداد اكثرية لا ألبس عباءتها ولم تندبني للتحدث باسمها، ولم اجد في طياتها الا طبقات متفاوتة يشتد عليها الظلم السياسي والاجتماعي من نمط حكم لم يغادر مواقعه الفكرية منذ النصف الثاني من القرن الماضي، فيما العالم المتصل ببعضه لم يعد يستسيغ استسلام ارادات الشعوب الى الحكام بلا قيد او شرط.

    انا لا اناقش رأي غبطته في احتلال اسرائيل لاراض لبنانية، وحق الفلسطينيين في العودة الى بيوتهم ورفض التوطين، فهو محق في هذا بصرف النظر عن النتائج السياسية السارة التي استنبطها فريق من اللبنانيين، ولا اناقش ايضا حق سماحته في التجوال والاستقبال، ولكنني وجدت ان المقام لا يليق بأصحاب المقامات، ولا يسوغ بالتالي ان تتناهب الساحة السياسية اقدام الساسة والكهان معا، فالارواح لا تغريها المادة، كما لا تحل مشكلات البلد بالدعوات فقط.

    ادهشتني حفاوة فريق من اللبنانيين المبالغ بها بقول غبطته انه يخشى الانتقال من نظام سيئ الى نظام اسوأ وعدّوه كلاما رؤيويا وتاريخيا، فكأنهم بذلك يقرون معه انهم لا يرفضون حكما سيئا قائما، الا تلافيا لحكم آت مجهول قد يفوقه سوءا، وهذا اكثر ما طالعته من مقولات سياسية بؤسا، تدافع عن نظامها بدعوة المواطنين الى القبول برداءة تعودوا عليها بدل رداءة اخرى غير مختبرة، وهذه نقلة من السياسة الى عالم العرافة والتبصير الذي يقول “لو عرفتم الغيب لاخترتم الواقع”.

    وجدت من الظلم ان يكون عيب الطائفة السنية كثرتها والتي يخشى من تحولها حكما ظالما، فيما هي في حقيقتها، مع باقي مكونات المجتمعات العربية جمهور مقهور غيب عن ساحة الفعل السياسي طوال العقود الماضية تحت وطأة الارهاب والعسف الداخلي والغزو الاميركي، فحل محلهم اقليو الاسلاميين واقليو الاقليات الدينية. كذلك، ان الخوف من الفتنة والانقسام بضاعة يزجيها رجال دين مسلمون يعملون في خدمة الانظمة، كما يقول الدكتور رضوان السيد (جريدة “الشرق الاوسط” في 2011/9/9).

    ان هذه الاكثرية العددية التي لم تتغير نسبها كثيرا، لا يجري التعبير عنها بلسان واحد ولا بتنظيم واحد، بل هي متعددة المشارب والانتماءات، متفاوتة في تدينها، مثل باقي الطوائف، وهي ارض غير خصبة للتعنت المذهبي، الذي يمكن ان ينبت في اي طائفة ضمن حدود ضيقة، وربما لست في حاجة الى تذكير اصحاب الغبطة والسماحة بأن المجتمعات كانت تعاني دائما عسف القوى المقتدرة المنتسبة اليها دينيا والتي زعمت لنفسها حق تمثيلها ثم فرضت عليها نمطا من الرأي والخوف والخوات مدججا بالارهاب والسلاح، وحاولت ان تلوي اذرعة رجال الدين وألسنتهم لكي يكونوا في خدمة مشاريعها واطماعها.

    ان ما حدث في العراق للمسيحيين على شناعته هو جزء من بلوى تعم المجتمع العراقي كله نتيجة عقود من جنون الحكم، ونتيجة جنون الاحتلال. اما الحالة المصرية، فان الاقباط يسيرون منتصبي القامة ويدافعون عن هويتهم الوطنية، وقد ساندتهم اكثرية الاكثرية في وجه المتعصبين، واختبار القوة القائم على قدم وساق بين دعاة الدولة المدنية ودعاة الدولة الدينية هو الدليل الابرز على عدم امكان تقولب تلك الاكثرية في قالب واحد.

    ليس من العدل ان تخير الاكثرية “المنعوتة” بين احتمالين مرين: اما تقليل عددها بالهجرة او الانتحار او ربما التعقيم، واما الرضوخ للاستبداد. علما ان طبائع الاستبداد هذا، ليست وقفا على مذهب او اتنية او دين، كما لا يجوز ان تتحول هذه الاكثرية نقطة تجاذب بين العمامة والقوامة، لان الخيار السياسي لا يخضع للاجتهاد الديني، بل ربما يحاول البعض تسخير الاجتهاد لما يلائم حاجته الراهنة.

    انني كمواطن في هذه الاكثرية “المنعوتة” اقترح تصنيف الاكثريات والاقليات في صناديق الاقتراع التي تحتسب الاصوات من دون احتساب مذاهب الناخبين، وخارج اطر الشك والارتياب الوطني.

    في الختام، جزيل الاحترام، لأصحاب المقام.

    رشيد درباس
    جريدة النهار
    15.09.2011

    Leave a Reply