• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    عقدة الاقليات هي التهديد الأكبر لها لأنها تكرّسها جسماً منفصلاً عن النسيج العربي

    كان يمكن كلام بطريرك الموارنة لال زيارته لفرنسا ان لا يستدرج ردودا وتعليقات لو نه اقتصر على موقف واحد من المواقف السبعة التي اطلقها في تصريحات مقابلات اجراها خلال تلك الزيارة.

    أما وان تأتي مجتمعة ومنسقة ومتتالية فهذا يعني أنها وليدة رؤية متكاملة للبطريرك من القضايا التي تطرق اليها تعبر عن اقتناعات راسخة ومن هنا اهمية مقاربتها.

    البطريرك قال إن الرئيس السوري هو شخص طيب وانه ينبغي إعطاؤه فرصة لتطبيق الإصلاحات التي أعلنها كما انه ينبغي على الدول الغربية أن لا تتسرع بالطلب من الأنظمة في البلدان التي تشهد حركات احتجاجية التنحي خوفا من ان تستبدل بانظمة دينية متشددة ما يعرّض الأقليات للخطر. وعزا البطريرك استمرار وجود سلاح المقاومة الى عدم ضغط الدول الغربية على إسرائيل للإنسحاب من الأراضي التي تحتلها في لبنان، وربط مسألة سلاح “حزب الله” أولا بالسلاح الفلسطيني خارج المخيمات وداخلها في لبنان وثانيا بعودة اللاجئين الفلسطينيين. وتطرق البطريرك أيضا الى ما يسمى مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تهدف من خلاله الولايات المتحدة الى تفتيت المنطقة وتحويلها دويلات طائفية.

    هذه هي النقاط الرئيسة التي تناولها البطريرك الماروني والتي تعبر عن رؤيته ومواقفه من الأوضاع في لبنان والمنطقة. ولا بد من الإشارة أولا الى ان للبطريرك كل الحق ان يعبر عن آرائه واقتناعاته الشخصية لأنه مواطن كسائر المواطنين ولا تحرمه سدة البطريركية من هذا الحق. أما وان تكون هذه التصريحات تعكس توجهات جديدة لدى الكنيسة المارونية ومجلس الأساقفة في لبنان فهذا ما يستدعي التوقف عندها. خصوصاً مع توقيت اطلاق هذه التصريحات خلال زيارته لفرنسا صاحبة المواقف الواضحة والصريحة إزاء هذه القضايا لا سيما إزاء ما يحصل في سوريا وكذلك بشأن سلاح “حزب الله” اضافة الى تهديد فرنسا بسحب كتيبتها من القوات الدولية اذا تكررت الاعتداءات عليها.

    كما ان مقارنة كلام صاحب الغبطة مع ادبيات “حزب الله” والنظام السوري وتيار ميشال عون تبين أنها متطابقة في جوهرها بالنسبة للقضايا المثارة في تصريحات البطريرك من فرنسا.

    بصريح العبارة ما صدر عن البطريرك يشكل تراجعا عن مواقف البطريركية المارونية اقله منذ بيان الاساقفة الموارنة في العام 2000 وكأن وصول البطريرك الراعي على رأس الكنيسة المارونية جاء بمثابة انقلاب على نهج سلفه، ما يجعل المواقف الاخيرة توازي باهميتها ومفصليتها بيان الاساقفة الشهير في العام 2000!

    البطريرك يقول دون اي التباس ان هموم المسيحيين ومصالحهم هي فوق كل اعتبار ولا غضاضة من الاستبداد او التسلط او العنف او الديكتاتورية اذا حافظت او قد تحافظ على الاقليات المسيحية في هذا الشرق لاسيما في سوريا ولبنان.

    ان مثل هذا الاقتناع القديم الجديد عند كثيرين من المسكونين بعقدة الاقليات، وهذا النهج بالتفكير، الخطر الاكثر تهديدا لهذه الاقليات والتي تكرسها كجسم منفصل عن النسيج الاجتماعي للمجتمعات العربية لا تشاركها همومها ومشاكلها وتطلعاتها.

    اللافت ايضا انه في الوقت الذي يخشى صاحب الغبطة من غلبة اصوليات سلفية سنّية جراء حركات الاحتجاج والانتفاضات الجارية في اكثر من مكان واقربها الى لبنان الانتفاضة السورية، واثرها على المسيحيين، يبدو متسامحا ومبررا تسلح اصولية شيعية بآلاف الصواريخ وأنواع الاسلحة كافة الى جانب منظومة أمنية استخبارية تعجز عن امتلاكها دول اكبر واقوى من لبنان. كما ان غبطته يبشرنا ببقاء هذا السلاح الى حين التوصل الى تسوية للنزاع الفلسطيني – الاسرائيلي او النزاع العربي – الاسرائيلي.

    ان مقاربة البطريرك لسلاح “حزب الله” تعني انه يدعو الى سحب قضية السلاح من التداول السياسي والتسليم بمنطق الحزب وحلفائه وقبول بقاء السلاح خارج الدولة مع ما يرتبه ذلك من غلبة وهيمنة وقهر يمارسها اصحاب السلاح على بقية الاطراف اللبنانية. ولا يمكن ان يكون ذلك غائبا عن صاحب الغبطة.

    ولعله فات البطريرك ان هناك محكمة دولية اتهمت، ولا اقول اصدرت حكمها انما اتهمت، عناصر من هذا الحزب بعدد من عمليات القتل التي شهدها لبنان بدءا بجريمة اغتيال الرئيس الحريري وما تلاها؟

    يستطيع صاحب الغبطة الراعي ان يصف الرئيس الاسد بأنه رجل طيب، انما يصعب على رأس الكنيسة المارونية ان يتبنى هذا التوصيف الذي يحرك ويثير مشاعر كثرة من الموارنة والمسيحيين واللبنانيين من سنّة وشيعة تحمّل الاسد ونظام حكمه في زمنه وزمن والده، المسؤولية اقله السياسية جراء ما تعرض له لبنان زمن الحرب الاهلية والاحتلال السوري من خطف وقتل وتعذيب وقصف بالراجمات وتفجير العبوات اضافة الى المسؤولية في السياسة ايضا عن جريمة اغتيال الرئيس الحريري وما تلاها من جرائم.

    كان بامكان صاحب الغبطة ان يتجنب اطلاق تقويم اخلاقي للرئيس الاسد في الوقت الذي تشكّل فيه شبه اجماع عربي ودولي على استنكار واستهجان الفظاعات الجارية في سوريا لا سيما أنه رأس الكنيسة المارونية التي تشهد للحق وتدافع عن الظلم في كل مكان! وقد يجدر التساؤل ما اذا كان استبداد وظلم الاقلية مبررا بينما استبداد وظلم الاكثرية اذا وصلت الى الحكم يصبح مدعاة للخوف والحذر.

    ان الضرر الذي وقع جراء مواقف البطريرك الراعي قد وقع والاجدى من الآن فصاعدا الحد من الخسائر وقد يصح ذلك عبر آليات كثيرة اهمها التواصل مع البطريرك لاستيضاحه اولا عن السبب وراء هذا التحول قبيل زيارته الولايات المتحدة. فهل سيكرر من واشنطن ما اعلنه من باريس؟

    كما ينبغي معرفة ما اذا توافر للبطريرك والدوائر البطريركية معلومات ومعطيات تجهلها اطراف اخرى محلية ودولية.

    هل البطريرك يستطيع الاجابة عمّا اذا كان ينبغي تحصين لبنان من المشاريع الاميركية الهادفة الى تقسيم دول المنطقة الى دويلات طائفية وكيف سوف يتم هذا التحصين؟ هل يقبل صاحب الغبطة ان نحصّن لبنان عبر التحالف مع ايران وسوريا ومحور الممانعة او ما تبقى منه لمواجهة الغرب المتآمر؟

    هل يتوافر لدى البطريرك من المعطيات ان النظام في سوريا سوف يخرج سليما معافى من الانتفاضة مما تستبعده اكثر الدوائر في الدول العربية والأجنبية؟

    واخيرا ينبغي معرفة الثمن الذي قد يحصل عليه لبنان نتيجة هذه المواقف؟ هل المواقف الاخيرة تسمح لغبطة البطريرك ان يستمر في ما بدأه لتسوية الخلافات بين الاطراف المسيحية والانتقال الى لعب دور راعي المصالحة بين اللبنانيين؟

    هل سقط الامل لدى البعض الذين راهنوا على ان لدى الراعي الجديد للموارنة رؤية حداثية جديدة تسمح له بالقراءة في كتاب جديد لاوضاع لبنان والمنطقة؟

    ما ظهّرته المواقف من باريس ان الكتاب لايزال نفسه واللغة هي ذاتها القديمة والتي ان لم تتغير وتهجر العقول سوف تؤدي الى تهجير الأقليات من هذا الشرق، اما ان تهجر هذه العقلية العقول وإما ان ننتظر هجرة ما تبقى من مسيحيين في هذه المنطقة!

    كنا نأمل ان إمّا رؤية البطريرك الراعي داعية الى مجتمع مدني ومساواة كاملة وحرية وديموقراطية وحقوق الانسان لجميع المواطنين دون تمييز وان تؤثر على سائر الاطراف. انما الخشية والخوف ان تكون أفكار “حزب الله” هي التي تسربت الى الكنيسة المارونية ونذكر ان الخطر كل الخطر ليس سلاح “حزب الله” فحسب بل فكر هذا الحزب هو المشكلة الاهم والاخطر يا صاحب الغبطة.

    رويدا سام منسى
    جريدة النهار
    13.09.2011

    Leave a Reply