• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    الاستبداد والغباء، الثقة والعمل

    لا يخلّف طول سنيّ الاستبداد الدمارَ فحسب، بل يفشي الأخطر: طغيان الغباء وتناسله جيلاً إثر آخر، والتكرار الأخرق لمواجهة الرأي بالعصا الغليظة، وتهييج روح الاستعداء، وما طوفان نموذجي “الشبّيحة” من جهة، و”العرعور” من جهة مقابلة، سوى مثالين محبطين عن المستوى الحقديّ الذي بلغته السلطة المخابراتية في قبحها المستفحل، والشعبوية في هياجها التحريضي الخطير.

    سُعارُ الغباء الذي لم يبدِ غير عنف محض، كهياج الاستعداء القطيعي، يظهر في دعوات انقضى زمن نشوئها وظرف انتشارها، لكنها تُستدعى من الفراغ والقحط اللذين يلخصان تجربة نصف قرن سوري من حكم البعث المدمّر، وكأن ما مضى لم يمض أبداً. بدل اندماج وطني جامع وحصين، ورقيّ تعليمي واجتماعي، جرى رصف السوريين وضبطهم في جماعات مفصولة عن بعضها البعض، وما كان منها إلا ما تبادلته من ريبة وخشية، وشوّه الفسادُ أهم حقلين اجتماعيين يصنعان الوعي العام واحترام مبدأ العدالة (التربية والقضاء)، وما كان يجمع الناس إلى السلطة قسراً أخفى ما باعدهم اجتماعاً وثقافةً، وحالما انتقل الخوف من طرف الناس إلى مركز السلطة، بدا جلياً ما اعتقدنا زواله. وحاصل الجمع القسري والبعد الفصائلي أن فقدت السلطة قيمتها الرمزية المجردة داخل فجوات اجتماعية مهلهلة تأرجحت وتعفنت بين فَكَّي الاستزلام والإخضاع، ويصعب الآن لحمُها وتنقيتها، ومناخ الخوف الحالي يزيد من ضخ الأوهام السابقة حد تحول الوهم حقيقة تمنع العقل الجمعيّ من رؤية متوازنة تنقذ الناس من وهمٍ صنعوه بأنفسهم.

    وتلخيص سعي السوريين نيلَ الحرية، لا يكفي خلاصهم من ركامٍ ضخْمِ الأزمات والقضايا المؤجلة. فإن بادروا وفكروا معاً في صناعة مستقبل لائق بكرامة الكائن الإنساني، ظهرت أمامهم غزارة واقع لا إنساني، وفشلت منازعات الساسة المخبولة احتواء جوهر الأزمة، ومستوى النقاش الذي اكتنف مؤتمرات المعارضة مؤسف، ويوماً إثر آخر تزداد السلطة الحاكمة شراسة يعجّل نزيفُ الدم من سقوطها، ومن يرى الحل في تعديل جوهري للدستور، أو تفكيك الدولة الأمنية التي لا يجمعها غير التفكك الوطني، يغفل أن الدساتير وحدها لا تكفي نشر مناخ من الثقة المتبادلة ما لم يبذل عمل ضخم يحول الأمنية والأمل نتائجَ ملموسة.

    تحتاج سوريا إلى جهد أهلي جماعي كبير مستمر، وهذا الجهد لن يبذله سوى السوريين أنفسهم، وهو بدأ ويبدأ من مدن وبلدات صغيرة. إن الإيمان بالثورة، هو بعد عاطفي على الأغلب، يتناسى أو يفغل أن التغيير الفعلي يتبدى في أعمال بسيطة وهامة، فمن تجاوز الرعب الصنميّ، بإمكانه العمل بحرية أكثر هدوءاً، ومهمة النخبة الواعية والمثقفة في سوريا، تتبدى أكثر ما تتبدى في هذا الإطار الفكري الاجتماعي، وهو لا يظهر دون عمل ميداني يتجاوز رفع اللافتات وتنظيم التظاهر، إلى تحويل الشعار فعلاً عاماً ودعم الاحتجاج بقوة ثقافية فاعلة خارج ساعات الاحتجاج المعهودة. وطالما أن سوريا دولة أطراف حدودية، وأقليات متنابذة يتجاهل بعضها البعض، فوسطها “الأبيض النظيف” بادية مفتوحة على تمزقها الاجتماعي، بدا أن الحل يأتي من الأطراف النائية، ومن أناس عاديين، لم يفقدوا حس البداهة ولا تناسوا واجب العمل الوطني.

    تبدو المنطلقات سهلة وبديهية، بل ربما ساذجة، غير أن العودة إلى بديهة لم تلطخ بعنف السلطة ولا شهوة السيطرة، أكثر أهمية من مؤتمرات أغلب ما يتمخّض عنها أخبارٌ لا تكلف الإعلام العبيط سوى تغطية؛ بها من التسرع قدر ما يتخلل المؤتمرات من تشوش وخلط. ما يجمع السوريين أعمق مما يفرقهم، غير أن تضخيم ما يفرق ويربك ويشوش الذهن، وبثّ ما يفتت من قوة الشارع السوري، يمكن إذا لم يتم احتواؤه وتحجيمه من قبل الشباب السوري بخاصة، أن يسم دافعهم الوطني بالانقسام المناطقي والمخاصمات الفئوية، فتنطفئ القوة الأخلاقية التي بلغت أوجها تحت رياح تشرذمات ضيقة الأفق، وتنمحي ملامح الشعبي والجماهيري داخل تهافت الفئوي وركاكة السياسي، وما يرشح عنهما من عقلية انتهازية وبؤس فكري.

    علي جازو
    جريدة المستقبل
    11.09.2011

    Leave a Reply