• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    بروباغندا الفكر الشمولي: لا شيء يجري هناك

    التفكير الشمولي، السوري واللبناني، لا يرى الجزئيات ولا يلقي بالاً الى التنوع، ومع متاجرته بالاقليات لا يعرف معنى الاختلاف، ناهيك عن القبول به.

    هل يتعجب واحدنا عندما يستمع الى ديماغوجيي النظام السوري الممانع وأبواقه اللبنانية، من أن لا شيء يحدث في سوريا!

    بالطبع ان لا شيء يحدث هناك عندما ننظر إليه من منظار ما اعتدنا سماعه عن الانتخابات او الاحصائيات او غيرها في مثل هذه الانظمة؛ فالرئيس ينتخبه 99,9% من الشعب وكل ما يجري في مثل هذه البلدان يحصل على “رضا الشعب” بشيوخه وأطفاله ومرضاه ومعوّقيه ومخبوليه أيضاً. فكيف يمكن تصديق ان هناك حراكاً ما، ناهيك بثورة، عندما يكون بإمكان لبنانيي النظام السوري الذهاب الى سوريا وتناول افطار من هنا او المشاركة في حفلة او تسوق من هناك؟

    التفكير الشمولي لا يرى الجزئيات ولا يلقي بالاً إلى التنوع؛ ومع متاجرته بالاقليات لا يعرف معنى الاختلاف ناهيك عن القبول به.

    يريد “الشخص الشمولي” ان تشمل الثورات وتظاهراتها جميع المدن والارياف والدساكر والحقول والمزارع والأزقة. لكي تصل الى الرقم السحري الذي لا يخص سواه على الكرة، ألا وهو ال 100%!

    أقنعتهم أبواق الدعاية الشمولية، ان شرعية الرئيس المستمدة من رقم انتخاباتهم السحري ال 100% تتطلب أن تعني الثورة أن ينزل “جميع” أفراد الشعب للتظاهر في الوقت نفسه وإلا فلا وجود لثورة او من يحزنون وتظل شرعية الرئيس قائمة لا تمس. الشمولي اللبناني التابع للنظام السوري نسي أنه هو نفسه – أثناء الحرب الأهلية اللبنانية الموصوفة” – قد صيّف وشتّى وتزوج وأنجب وحضر اعراسا وحفلات وشوى نفسه على البحور وارتاد المطاعم والملاهي وتنقل في ربوع مختلف المناطق والمشتعلة منها احيانا. وهذا لم يمنع أنها كانت حرباً أهلية موصوفة وبكل معنى الكلمة، وان العنف كان متفشياً وخلّف عشرات آلاف الجرحى والقتلى والمعوقين وهدم البلاد التي اعيد إعمارها أكثر من مرة.

    الشمولي والممانع اللبنانيان يتناسيان كل ذلك ولكي يعترفا بوجود ثورة في سوريا يجب ان تخرج من كاتالوغ آل

    الأسد ونظامهم الفريد: أي ان يشارك فيها مئة في المئة من الشعب والاماكن وفي اللحظة نفسها. وإلا “فلا شيء يجري هناك”..

    الذريعة الاخرى التي يلجأ إليها الفكر الشمولي لتهدئة مخاوفه من تفشي الثورات واعتبارها مجرد “انتفاضات أو حراك”، هي أن هذا الحراك “لا يشمل جميع فئات الشعب” وان الرئيس الفلاني لا يزال يحظى بدعم الجماهير بدليل “تسييره” للتظاهرات المؤيدة له. وهذا أيضاً طبيعي، لأنه لا وجود للرأي المخالف في فكرتهم عن المجتمع، واعتادوا على بروباغندا الانظمة التي حكمت طويلا باسم الإجماع الوهمي هذا الذي ابتدعته آلاتها القمعية وأجهزتها الأمنية وأبواقها الدعائية. فمن منا لا يبتسم عندما يقرأ ان برلمانا ما انتخب بنسبة 99%؟ ألم تصبح هذه علامة الاستبداد الموصوفة؟

    تتجاهل الذريعة الاولى السمة الاساسية التي أبرزتها مدرسة الحوليات الفرنسية مع لوغوف ودوبي حول مفهوم وتاريخ الذهنيات وهي وجود اختلافات عديدة في محتوى نظمة الفكر في حقبة ما او عند فئة ما ولو لم يتظهّر هذا دائماً؛ وان مصير الفرد يتحدد في الوقت نفسه بنمو الشخصية وبردودها على الضغوطات والرفض وعروض البيئة الفكرية والعاطفية. وان ما يصنع تاريخ الفكر والذهنيات ويعيد بناءالسلوكات التي تترجم مفاهيم العالم والحساسيات الجماعية، وتمثلاته وصوره وأساطيره وقيمه المعترف بها اوالتي تخضع لها الممنوعات… هذه جميعها تشكل محتوى النفس اللاواعية وان الذهنية تتضمن ايضا الميدان العاطفي والمشاعر والحساسيات تماما مثل المرجعيات الفكرية. وهي متبدلة ومتغيرة ومتطورة.

    وهذا عكس ما توهمنا به أنظمة الاستبداد من ان الفكر هو أحادي شامل. والتفكير التقليدي يغفل التمايزات الفردية هذه أو لا يعطيها ما يكفي من الأهمية عند الحديث عن ذهنية عامة عند مجموعة ناهيك عنها عند مجتمع بكامله. فالمجموعات لا تفكر، فقط الأفراد يفكرون، بما يعنيه ذلك من اختلاف وتنوع وإمكانية تغيير وتطور. وتقول لنا الاحداث ان هناك ذهنية او عقلية او فكراً جديداً ينبثق في العالم العربي، لكن يصعب على الفكر الشمولي قبول ذلك وقبول فكرة تعدد الذهنيات ونظمات الفكر.

    الاوضاع تنقلب لكن يصعب على الفكر الشمولي تصديق ان عالمه القديم المتماسك المتجانس بواسطة القمع والاكراه يتهاوى الى غير رجعة؛ ومع ان آلية تطور الذهنيات بطيئة الى درجة ان لوغوف يؤكد: “إن تاريخ الذهنيات هو تاريخ البطء في التاريخ”، انتهى زمن البطء ومن هنا نحن في خضم مرحلة جديدة ومثالية لدراسة طفرة الوعي الحاصلة على مستوى العالم العربي والتي لو قيّض لكمال الصليبي ان يظل بيننا لربما كان طبق عليها ما أشار اليه رضوان السيد عنه في أنه منذ مطلع الستينات من القرن الماضي، مُغرَمٌ بإدراك حركة التاريخ و”نبضها الحقيقي”، والذي يحدث في الأصل في وعي النخبة الثقافية – الدينية أو الاجتماعية – الاقتصادية في أمةٍ معينةٍ في عصرٍ ما، وتكون نتيجة ذلك حدوث “تغيير ثوري” يعيد بناء الذات القومية – الثقافية أو الذات السياسية، فيصنع مجتمعاً جديداً بفكرٍ جديدٍ، ويفيض بصورةٍ توليفيةٍ أو تنافرية.

    ينكر الفكر الشمولي السائد في اوساط عدة في لبنان وسوريا، انبثاق طفرة الوعي العميقة هذه في الروح العربية التي راكمتها الستين عاماً من الذل والانسحاق تحت جزمات الأنظمة الانقلابية الامنية؛ وان هذه الطفرة ستقلب الاوضاع التي ركنوا اليها طويلاً مستفيدين من تطبيق درس التاريخ الذي تعلموه من هتلر الذي يبزهم في الخطابة المفوّهة، واتبعوا تطبيقه للدرس الذي تعلمه من مؤلف سيكولوجيا الحشود غوستاف لوبون في انه يجب عدم محاججة الجماهير، إنما جذبها والقيام بالتأثير على أفكارها عبر خبطات مشهدية. وهم يبزونه بالخطب الشغوفة الملتهبة وبرفض النقاش وبتكرار المواضيع نفسها من دون ملل. كي تدخل جيداّ في الرؤوس.

    البروباغندا كانت السلاح الأهمّ في يد هتلر وحزبه؛ فاستُخدمت الصحافة والاجتماعات والافلام الدعائية، وشكلت الـ SA وهي القوات الضاربة والميليشيا الموحدة اللباس، أدوات الدعاية الأساسية.

    لذا نجدهم لا يعرفون ولا يثقون الا بالحشود التي تتبعهم بعماء. وكان لوبون وصف الجماعات وسلوكها الاجتماعي للاحاطة بالصراع القائم بين الفرد والمجتمع.

    فالجمهور او الحشد هو كل تجمع لمجموعة من الافراد مهما كانت مصادفة اجتماعهم ومهما كانت همومهم القومية او مهنتهم او جنسهم. وهؤلاء تنطمس شخصيتهم الفردية الواعية في ظروف محددة وتتشكل لديهم روح جماعية. ولقد وصف لوبون خصائص الفرد المنخرط في الجمهور فوجد ابرزها تلاشي الشخصية الواعية وهيمنة الشخصية اللاواعية، والتوجه الاجتماعي ضمن الخط نفسه بواسطة التحريض ، وفي الغالب يصبح الفرد آليا، وتنعدم لديه الروح النقدية والرأي الشخصي وينزلق الى المبالغة في المشاعر. واشار لوبون الى أن اهمية الاندماج في المجموعة بالنسبة للشخص الجاهل وغيره تكمن في أنه يتحرر من الاحساس بالدونية وعدم الكفاءة والعجز والخوف. من هنا تصبح الجماهير مجيشة بقوة هائلة.

    لكن للاسف لم يعد هذا التجييش ينطبق على الشعوب العربية، وهو ساري المفعول في لبنان بسبب من الانقسام الطائفي والمذهبي العميق وبسبب الخوف المرضي من الآخر وبسبب عجز الدولة وبسبب حرص الشموليين على المزيد من بهدلة حتى فكرة الدولة.

    لكن دروس التاريخ من حولنا تطمئننا إلى ان هذه الانظمة الشمولية والاحادية تحت راية حزب واحد وزعيم واحد وقائد الى الأبد والتي لا تني تستخدم أدواتها القديمة في أوضاع جديدة ومختلفة جذرياً، ذاهبة إلى غير رجعة ومآلها السقوط بأسرع مما يتصورون.

    منى فياض
    جريدة النهار
    08.09.2011

    Leave a Reply