• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    المتغيّر العربي كفرصة لبنانية

    إذا كانت القوى السياسية اللبنانية محكومة بنظرتها وموقعها الطائفي فهي لن تتعامل مع المتغيّرات العربية إلا من هذه النظرة ومن هذا الموقع. لم تكن هذه القوى أصلاً إلا نتاج التعريب الرسمي لأزمة لبنان الذي أعاد تكوين النظام السياسي وفق مصالحه وثقافته، وأطاح بكل الإرث الديموقراطي وبمكتسبات نضال الشعب اللبناني وتضحياته في الحروب المركّبة التي جرت. أرسى النظام العربي تقاليد لاستبداد الزعماء بطوائفهم، وألغى الأبعاد والمكوّنات الوطنية لظاهرة المقاومة ليجعل منها مشروعاً تحت السيطرة والاحتواء برغم الدعم الكبير لها.

    في ظل التعريب الرسمي نمت ظاهرات الإسلام السياسي وأخذت شرعيتها لأول مرة داخل السلطة كاحتياط لمواجهة نزعات اللبننة الليبرالية الكيانية التي نمت بعد الحرب. صدّر النظام العربي إلى لبنان ظاهرات وتقاليد لم تكن موجودة فيه، وأدار الحياة السياسية بوسائل الأمن ومستلزماتها بما في ذلك الفساد المالي وتقاسم المغانم والصفقات. تحوّل لبنان إلى استثمار في السياسات الإقليمية وجرى حرمانه من إعادة تكوين دولته المركزية على الوحدة الوطنية.

    واجه النظام العربي المشروع الوطني الديموقراطي في لبنان واحتمالات قيام نموذج يجمع هذين المكوّنين، ثم واجه المطالب الإصلاحية التي صارت في الدستور ليجعل البلاد تُدار بسلطة الوصاية لا بدستورها. لقد كانت قوانين الانتخابات الوسيلة الأكثر فاعلية في هذا المسار.

    مع الاجتياح الأميركي للمنطقة انشق النظام العربي على نفسه، ثم انشقت الطبقة السياسية اللبنانية على نفسها. أخذ الصراع على المستوى الإقليمي طابع التجاذب بين مصالح الدول ونفوذها، وأخذ الصراع اللبناني طابع التجاذب العمودي بين الجماعات السياسية في هوياتها الطائفية. استكمل النظام اللبناني خلال خمس سنوات بلورة دويلات زادت من تعميق انفصالها عن الدولة بالذهاب إلى خيارات قصوى. فقد اللبنانيون الكثير من استقلالهم تجاه الخارج وأهمية مصالحهم المشتركة الضاغطة على التشكيلات السياسية القائمة. شكّل العنف السياسي ثم العنف المادي في العلاقات الداخلية، ومن خلال الحرب الإسرائيلية، حالة من القلق والخوف والنفور بين الجماعات حتى استحال عليها العودة إلى حضن الدولة وتقوية مؤسساتها. توغل اللبنانيون أكثر في الصراعات الإقليمية ورهنوا مستقبل بلادهم لغلبة هذا أو ذاك من المحاور والمعسكرات.

    حين انطلقت الثورات العربية كان من المفترض أن يجد اللبنانيون فرصتهم للتعامل مع متغيّرات تساهم في نشر الثقافة الديموقراطية، وتؤكّد على بناء الدول من منظور حقوق مواطنيها وحاجاتهم، وتجعل من البُعد الوطني تتمة ضرورية لبرنامج المشاركة والتنمية. لكن تجذر الثقافة الطائفية السلطوية جعلها أسيرة النظام العربي القديم، إذ ترتبط مصالحها به. راهنت الطبقة السياسية على إعادة تشكيل النظام الإقليمي بتوجهاته ومكوّناته الأساسية حتى لو كان لكل فئة منها ارتباطات بزعماء الدول ممّن تتلوّن مواقفها منهم. هكذا جاءت الحسابات اللبنانية وردود الفعل أقرب لخارطة الصراعات الدولية والإقليمية منها إلى المواكبة الإيجابية للتغيير في العالم العربي. أوجدت ثقافة الطوائف لنفسها تبريرات واهية فيما خص موقفها السياسي العربي. في واقع الأمر فإن التحوّل الديموقراطي لا يدعم جناحاً من الطبقة السياسية اللبنانية، ولا بقاء النظام العربي على بنيته الاستبدادية يعطي دفعاً الآن لجناح آخر من هذه الطبقة السياسية. هذا السلوك يشبه ذاك الذي أعقب صعود جمال عبد الناصر في الخمسينيات وتداعيات ذلك على لبنان.

    ففي مناخ التغيير العربي يردّد لبنان أصداء ذاك التغيير. رغم كل الهواجس الفعلية أو المبالغات في إحجام القوى وأدوارها، شعبية كانت أم رسمية، فلن تصنع «الأقليات» تاريخ المنطقة وخارطتها، ولن تسحق «الأكثريات» المكوّنات التعددية لمجتمعات استيقظت على المطلب الديموقراطي وعلى فكرة الحرية والكرامة الإنسانية ودولة القانون. وإذا كان ثمة مَن يقلق على الهوية العربية أو على حقوق العرب الوطنية أو القومية، فلن تكون الحال أسوأ ممّا كانت عليه قطعاً، خاصة إزاء الفشل الإجمالي للنظام العربي أو التلاعب الانتهازي السلطوي بالملفات والقضايا المعلقة منذ نصف قرن على جدار الأمم المتحدة والمجتمع الدولي. فلا نعرف اليوم ما لدى أي نظام عربي ليعطيه من أجل مستقبل هذه الملفات أو القضايا إلا إذا كان المقصود دعم توازنات سلطوية هنا أو امتيازات هناك. فلا يمكن تصوّر متغيّر عربي واسع سلبي أم إيجابي ويبقى موقع عربي جزئي موضعي أو فئوي خارج تأثير هذا المتغيّر الكبير. ومن نافل القول إن قضايا الشعوب لا تحتمل الإسقاطات ولا سياسات الاستبدال أو الاستنسابية لا المحافظة منها ولا الثورية. ربما لم ينتبه البعض إلى حجم ووتيرة وسرعة هذه المتغيّرات حتى لو شاء أن ينزع عنها صفة الثورة.

    إن البشر الذين يصنعون تاريخهم لا يمكن أن تستوقفهم التسميات.

    سليمان تقي الدين
    جريدة السفير
    03.09.2011

    Leave a Reply