• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    سوريا: الحراك المتصاعد والأوراق المتساقطة

    أوراق عديدة اعتاد النظام السوري الامساك بها واستخدامها وفق ما تقتضي مصالحه عند كل استحقاق داهم يتهدده. لكن منذ انطلاقة الحراك الشعبي قبل خمسة اشهر، وتصاعد وتيرة هذا الحراك وانتشاره، بدأت هذه الاوراق تتهاوى الواحدة تلو الاخرى. ويبدو الان، من خلال المشهد الماثل في حماه ودير الزور واللاذقية بعد درعا وحمص وادلب وغيرها من المدن والقرى السورية، انه لم يعد بحوزة هذا النظام سوى ورقة الاستخدام المطلق والمفرط لوسائل البطش بحق المحتجين السوريين والرهان على عدم ارتقاء الموقف العربي والدولي الى مستوى ما يجري.

    اختبر النظام السوري في حقبة الرئيس الراحل حافظ الاسد العديد من الاوراق وجعل لكل ورقة منها وظيفة. فورقة الصمود والتصدي كانت تستخدم يافطة لتبرير اطلاق يد الامن والعسكر في حياة المجتمع، اما الورقتان اللبنانية والفلسطينية فقد بدأ النظام باستعمالهما على نطاق واسع، منذ دخول القوات السورية الى لبنان في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وذلك على قاعدة كبح جماح الحركة الوطنية والثورة الفلسطينية وضمان استقرار حدود اسرائيل مع سوريا رغم احتلالها للجولان ، مقابل تسليم اسرائيل بوصاية سوريا على لبنان.

    ثمة ورقة اخرى هي الورقة الكردية التي يحاول النظام السوري استثمارها عند كل استحقاق يعنيه. ففور اندلاع الانتفاضة الشعبية حاول النظام استمالة الاكراد من خلال منحه الالاف منهم الجنسية السورية التي كانوا محرومين منها. وهناك مثل آخرعلى طريقة تعاطي هذا النظام مع المسألة الكردية ، هو عملية تسليم النظام السوري الى السلطات التركية زعيم حزب العمال الكردستاني، عبدالله اوجلان ، اللاجئ في سوريا لسنوات ، مقابل ضمان صمت تركيا عن الانتهاكات التي تحصل داخل سوريا ومساندة استقرار نظامها.

    اما ورقة الاصولية الاسلامية فهي واجهة لا يزال النظام السوري يستخدمها حتى اليوم، كفزّاعة بوجه البلدان العربية الاخرى واسرائيل والغرب ، وذلك للايحاء بان لا خيار في سوريا الا لواحد من اثنين: النظام البعثي القائم او الاصولية الاسلامية الهادفة الى احياء دولة الخلافة والامارات الاسلامية. وخير ما يعبر عن توجه النظام السوري بهذا الشأن، تركيز السلطات السورية والاعلام الرسمي السوري على إظهار الحراك الشعبي المتعاظم والمتصاعد، على انه محاولات لمجموعات اصولية هدفها زعزعة الاستقرار واسقاط النظام وبناء امارات اسلامية مكانه.

    مع انطلاقة الانتفاضة الشعبية قبل اربعة اشهر، أخرج النظام في سوريا من جعبته ورقة الاصلاح والتعديلات الدستورية في محاولة لامتصاص النقمة الشعبية والمطالبات الدولية بضرورة اطلاق عجلة الاصلاح. لكن هذه الورقة سرعان ما بدأت تحترق في لهيب حملات القمع والابادة التي كانت تعقب كل اعلان رئاسي عن رزمة اصلاحية.

    الى جانب ورقة الاصلاح المزعوم، استخدم النظام السوري ورقة الممانعة في والمقاومة من خلال دفعه ولاول مرة في تاريخه، بمجموعات من الشباب الفلسطينيين واللبنانيين في يومي النكسة والنكبة ، بصدورهم العارية الى اختراق الحدود اللبنانية مع اسرائيل في مارون الراس والحدود السورية في مجدل شمس في الجولان ، مما ادى الى استشهاد وجرح العشرات منهم، و سرعان ما تبّين ان الهدف من هذه العملية إفهام اسرائيل واستطرادا الغرب بان لا مصلحة لهم اطلاقا في تغيير النظام في سوريا الذي استطاع ضمان استقرار الحدود لعقود، والذي يشكل حاليا وفي المستقبل الضامن الوحيد لها.

    ورقة اخرى يجري استخدامها في مواجهة الحراك المتصاعد ، هي الورقة الطائفية والمذهبية وذلك بهدف تجريد الحراك الشعبي من مضمونه الوطني واعطائه ابعادا طائفية. ويبدو ان همّ النظام الاول الان، هو بقاؤه واستمراره، بغض النظر عن القيمة او الكلفة البشرية والاقتصادية لاستمراره، والاهم الضرر البالغ الذي يلحق بالنسيج الوطني السوري جراء استخدام مثل هذه الورقة . في المقابل، يبرهن الشعب السوري على نضوج استثنائي في تعاطيه مع استخدام الوتر الطائفي لمواجهة الحراك المتصاعد الذي يضم مختلف اطياف الشعب السوري.

    ادى تصاعد الحراك الشعبي وانتشاره على مدى خمسة اشهر،الى تساقط هذه الاوراق الواحدة تلو الاخرى. غير ان ورقتين اثنتين لا تزالان في يد هذا النظام ، الاولى ورقة الجيش والاجهزة الامنية التي تستخدم كل وسائل العنف وادوات القتل لاجهاض الحراك الشعبي وقتل ارادة الناس من جهة، وانتهاك حرمة الاماكن الدينية والعبث بحياة الناس وكرامتهم من جهة اخرى، اما الورقة الثانية، فتتمثل برهان النظام على مواقف بعض الدول الكبرى في عدم تمرير اي قرار دولي ضده، وعدم ارتقاء المواقف العربية والدولية الى مستوى الجرائم التي يرتكبها بحق السوريين.

    بالطبع ، مؤسف ومحزن جدا ان لا يتحرك الضميرالعربي والاسلامي والعالمي بما يكفي، ازاء ما يحدث من مجازر وحصار ودمار في المدن والقرى السورية لا سيما في هذا الشهر الفضيل. لكن ما يبعث على الامل رغم بشاعة وهول ما يحدث هو عنفوان الشعب السوري الذي يبدو مصمّما ومثابرا على حراكه ايمانا منه بان الاقدار تصنعها ارادة الشعوب.

    عماد شيا
    جريدة المستقبل
    23.08.2011

    Leave a Reply