• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    !كم يشبه وضعنا في لبنان الوضع في اليونان

    “لو قمنا بالإصلاحات المطلوبة في الوقت المناسب لتفادينا هذه الأزمة”… ليس هذا الكلام لمسؤول لبناني بل لرئيس حكومة اليونان جورج باباندريو والذي وجهه في رسالة مفتوحة لرئيس حكومة اللوكسمبورغ ورئيس Eurogroup جان كلود جانكر في 11 تموز 2011.

    أعود إلى اليونان وأهمية دراسة هذه المسألة بعناية لكوننا نحن في لبنان غرقنا في المناكفات وأعمال الكيدية وتسجيل النقاط على بعضنا بعضاً مما أصابنا بداء العمى وعدم القدرة عن التمعن والتعمق واستخلاص العبر مما يجري من حولنا من أحداث تاريخية على صعيد الاقتصاد العالمي بدءاً من أزمة ديون الرهن العقاري من الولايات المتحدة الأميركية في العام 2007 وصولاً إلى أزمة الديون السيادية في أوروبا منذ العام 2010 والتي مازالت مستمرة إلى اليوم.

    تحتوي الرسالة التي وجهها السيد باباندريو على الكثير من النقاط التي يجب على مسؤولي بلدان عديدة بما فيها لبنان التمعن بها. فهي صرخة من رئيس حكومة حقق بلده قفزة نوعية في العقدين الأخيرين واستطاع دخول المجموعة الأوروبية وتبني عملتها أي الأورو. ولكنه وجد نفسه في وقت لاحق على شفا الإفلاس أو الخروج من هذه المجموعة الأوروبية أي العودة عن اعتماد الأورو، وذلك بسبب عدم مبادرة الحكومات المتتالية منذ العام 1999 للإفادة من النافذة المتاحة لها من خلال اعتمادها العملة الموحدة للسير قدماً على طريق تنفيذ الإصلاحات الضرورية ليتلاءم اقتصاد اليونان وماليتها العامة مع طبيعة المتغيرات الحاصلة ضمن مجموعتها والعالم.

    فبدل أن تستفيد اليونان من انضمامها إلى المجموعة الأوروبية لتقوم بالإصلاحات التي تزيد من قدرتها التنافسية من خلال خصخصة وتحرير قطاعات حيوية كالطاقة والنقل والقيام بالإصلاحات الهيكلية الضرورية لتحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات، استعملت قدرتها على الاستدانة بمعدلات فائدة أقل بحكم انضمامها إلى الأورو، وفاقمت من عجزها المالي الذي رفد وتغذى من عجزها التجاري. وهو زاد بدوره، أي العجز التجاري، بسبب تراجع تنافسيتها وتحولها إلى استيراد شتى أنواع السلع والخدمات من البلدان الأوروبية الشمالية كألمانيا والنمسا وهولندا وهي بلدان في المقابل استطاعت أن تحافظ على قدرتها التافسية.

    كانت هذه الصرخة إذاً صرخة مسؤول من شفا الهاوية وهو ما دعا القادة الأوروبيين إلى الإسراع بمنح مساعدة إضافية لليونان بقيمة 105 مليار أورو بالإضافة إلى 115 مليار أورو التي تم منحها في السابق، ولكن شرط أن يتحمل القطاع الخاص جزءاً من الكلفة من خلال تحمل خسارة حوالى 20% من قيمة السندات اليونانية التي يحملها هذا القطاع وهو أمر خطير وتاريخي فعلاً إذ يشكل عملياً نوعاً من “الإفلاس الجزئي” من قبل دولة أوروبية حيث أنها لم تستطع الإيفاء بكامل متوجباتها.

    على كل حال، كانت رسالة باباندريو صرخة حقيقية ولذلك فهي تتسم بالصدق والمراجعة الشفافة لـ”أخطاء الماضي” والتي حددها باباندريو كالآتي:

    “– القرارات التي جاءت متأخرة وغير كافية Too little too late،

    – الخطوط الحمراء الداخلية التي تحكمت بها وفرضتها التسويات السياسية الداخلية بدلاً من أن تتحكم بها الإدارة الحكيمة والمتبصرة للأزمة،

    – السماح للأقلية الشاذة من الأصوات أن تحل مكان الأجندة العريضة المتفق عليها، وهو الأمر الذي أدى إلى زيادة الهلع لدى المواطنين اليونانيين بدلاً من أن يؤدي ذلك إلى تعزيز الاستقرار…”.

    تعبر هذه الكلمات للرئيس باباندريو عن المحدوديات التي يفرضها النظام السياسي. كما أنها تكشف لنا كم يتشابه وضع اليونان مع وضعنا في لبنان ليس فقط لناحية الإطار الماكرو اقتصادي العام من حيث عجز الموازنة ونسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي ولكن أيضاً لناحية الأمور المرتبطة بالقطاعات الاقتصادية، سيما أن قطاع الطاقة هو أحد القطاعات التي يصر المانحون الأوروبيون وصندوق النقد الدولي على اليونان بوجوب إصلاحها، وذلك من خلال فرض خصخصة “الشركة العامة للطاقة” وهي الشركة التي تنتج 90% من الكهرباء في اليونان، وذلك كشرط أساسي للإفراج عن جزء إضافي من القروض الميسرة. كما أن الوضع يتشابه في ما خصّ العرقلة السياسية للإصلاحات الاقتصادية الضرورية.

    لقد أدّت “الخطوط الحمراء الداخلية” إلى ما منع على المسؤولين اليونانيين المبادرة للمباشرة في إجراء الإصلاح المطلوب دون مواجهة الإعاقات المتمثلة بالخطوط الحمراء التي يبدو أن الرئيس باباندريو وأسلافه قد ذاقوا الأمرين منها. وكذلك كان عليه الحال في لبنان، حيث أدت تلك الخطوط الحمراء التي فرضت على الحكومات التي سعت إلى إجراء الإصلاحات حيث عملت تلك القوى المناهضة إلى إجهاض كل عمل إصلاحي حاولت حكومتا الوحدة الوطنية في مرحلة ما بعد الدوحة الدفع به، وكذلك الأمر قبلها في حكومة الرئيس السنيورة الأولى وفي معظم الأحيان في حكومات الرئيس الحريري الخمس، ولاسيما في القطاعات الحيوية التي تحتاج إلى الإصلاح الجذري أي الطاقة والاتصالات والضمان الاجتماعي وغيرها من القطاعات الحيوية وكذلك الأمر على صعيد تعزيز المؤسسات من خلال الإصلاح الإداري وزيادة إنتاجية وكفاءة أداء إدارات ومؤسسات الدولة وكذلك تحسين بيئة ممارسة الأعمال.

    لقد وضعت في وجه الرئيسان فؤاد السنيورة وسعد الحريري الخطوط الحمراء التي تنوعت باختلاف الملفات المطروحة فمنهم من وضع خطوطاً حمراء في وجه الخصخصة في جزءٌ منها لأسباب إيديولوجية والجزء الآخر لأسباب سياسية، وهنالك من وضع خطوطاً حمراء في وجه الهيئات الناظمة مما دفع الهيئة الناظمة الأولى إلى الفشل كما حصل في الاتصالات أو منع إنشاء الهيئات الناظمة الأخرى كما حصل في الكهرباء والطيران المدني. وهنالك من وضع خطوطاً حمراء في وجه تحقيق القفزة النوعية في مجال الإنترنت من خلال عدم البدء بتشغيل خط IMEWE والعديد من مشاريع الإصلاحات في قطاع الاتصالات التي عملت حكومة الرئيس السنيورة على إدخالها منذ العام 2007.

    لقد أصبحت الشواذات التي تمنع تحقيق الأجندة العريضة عُرفاً في لبنان منذ ما بعد انعقاد مؤتمر “باريس-II”، حيث تم حينها التوصل إلى أجندة عريضة تم الاتفاق عليها أولاً بين اللبنانيين أنفسهم ومن بعدها مع المجتمع الدولي الذي حصل منه لبنان على مساعدات بقيمة حوالي 5 مليارات دولار.

    وقد صدر، بناءً على هذه الأجندة العريضة قوانين في مجلس النواب، ومنها القانون رقم 431 (قانون الاتصالات) والقانون رقم 462 (قانون تنظيم قطاع الكهرباء). ولكن كما تم تخطي هذين القانونيين فقد تم تخطي مشروع موازنة العام 2003 الذي ضمنه الرئيس السنيورة (وزير المال آنذاك) عدداً من المواد والمشاريع الإصلاحية الهادفة إلى تسريع وتيرة الإصلاح الاقتصاد والمالي والهيكلي وعدم تبني مشروع موازنة العام 2005 بما تضمنه من مجموعة كبيرة من الإصلاحات الضرورية على أكثر من صعيد لتبدأ بعدها عملية الانقلاب على “باريس-II” اقتصادياً، ومن ثم سياسياً من خلال التمديد للرئيس لحود وما تبع ذلك من اغتيال للرئيس الحريري في شباط 2005.

    وتكررت التجربة مع مقررات “باريس-III” الذي عاد وأكد على وجوب إصلاح قطاعي الطاقة والاتصالات وغيرها من المبادرات التي شكلت أجندة عريضة تم الاتفاق عليها داخلياً قبل الاتفاق عليها خارجياً. من ثم سعى وزيرا الطاقة والاتصالات في حكومتي الوحدة الوطنية في ما بعد تسوية الدوحة، وقد شكلا حينذاك ما يسميه باباندريو “الأقلية الشاذة من الأصوات” إلى تسخير قدرتهم وصلاحيتهم في سبيل تعطيل مشاريع الإصلاح في قطاع الكهرباء وفي مخالفة القانونين (طريقة التعامل مع مؤسسة أوجيرو) أو تعطيلها (كما حصل مع الهيئة الناظمة لقطاع الاتصالات وإهمال تعيين أفراد الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء) أو لحجب الأموال عن الخزينة حيث وصل المبلغ الذي تحجبه وزارة الاتصالات عن الخزينة اللبنانية إلى 2 ملياري دولار مع ما يشكله ذلك من كلفة هدر سنوية باهظة يتحملها المكلف اللبناني.

    وقد أدت هذه الممارسات إلى تفاقم عجز كهرباء لبنان في الفترة الممتدة من منتصف العام 2008 إلى الآن وهو ما وفاق 4 مليارات وإلى تراجع لبنان على صعيد جميع المؤشرات المرتبطة بقطاع الاتصالات، حيث تم تصنيفه في المرتبة 19 من أصل 19 بلداً عربي متراجعاً عن المرتبة 11 في العام 2006.

    لقد انطلقت اليوم حكومة الرئيس ميقاتي تحت شعار “كلنا للوطن…كلنا للعمل”، وهي تضم كل الأفرقاء التي كانت قد مارست وضع “الخطوط الحمراء” في السابق وشكلت آنذاك “الأقلية الشاذة” المنقلبة على “الأجندة العريضة”.

    أما اليوم، فهي مسؤولة بالكامل عن جميع الملفات أمام الرأي العام اللبناني بعد أن كانت مسؤولة عن عدد كبير من الملفات الأساسية. والمطلوب منها أن تقوم بالإصلاحات المتفق عليها من خلال تنفيذ القوانين الصادرة في مجلس النواب، والدفع قدماً بالخطط والمشاريع التي تم وضعها بدل إضاعة الوقت بالبحث عن مشاريع بديلة بهدف الكيدية أو تسجيل النقاط كما حصل على صعيد قطاعات حيوية كالطاقة والاتصالات.

    هل سيقرأ من في الحكم اليوم في رسالة باباندريو وفي الأحداث العالمية المتسارعة، وهل تستطيع الأصوات الشاذة أن تستقيم متى أصبحت في الحكم فتتصرف بحسٍ من المسؤولية؟ الجواب في الأسابيع المقبلة.

    مازن سويد
    جريدة النهار
    23.08.2011

    Leave a Reply