• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    أيها اللبنانيون: أين “الرسالة”؟

    قبل نحو ربع قرن – وانطلاقاً من فهم عميق لهذا الكيان الذي لا يشبه الكيانات المحيطة به، والذي يمكن أن يكون

    نشازاً نافراً، أو “خلطة” عبقرية تصنع لنفسها، بإرادة مكوّناتها، دوراً مميزاً لا غنى عنه في بيئته، يومها قال رؤيوي كبير: “لبنان أكثر من بلد. إنه رسالة حرية ونموذج في التعددية للشرق كما للغرب” (أيلول 1989).

    إلى سمير قصير …

    كم نفتقدك

    لم يكن البابا يوحنا بولس الثاني يقصد لبنان في واقعه آنذاك، بل كما ينبغي أن يكون في مرتجاه. وها نحن لا نزال، يرحمك الله، أبعد ما نكون عن رؤياك.

    فمنذ عام 1975 أضاع اللبنانيون الطريق، وفقدوا الرشد والعقل والمنطق، وهم حتى اليوم تائهون على غير هدى، يبحثون عن علّة وجودهم (Raison d’être) وهي كامنة في صميم تكوينهم (خلطتهم).

    هذا الضياع يودي بهم ، أحياناً؟ غالباً ؟ ـ إلى الإسفاف فلا يتبّينون أين يضعون رؤوسهم في زحمة أحداث بيئتهم. دون ذلك كيف يمكن فهم أن “ينأى لبنان بنفسه” عن موقف بسيط لا معنى لوجوده أو لوجود أي مخلوق، من دونه، كأن يعجز عن القول: نعم لحقوق الإنسان، نعم لحقوق الشعوب.

    كيف يمكن أن نرى إنساناً مثلنا يدوسه “بصطار” غليظ (حذاء الجندي) ويرفسه ويقلّبه على الأرض، ونرى شعباً هو الجار والشقيق الأقرب يفجر كل ما يختزن من عنفوان وكرامة وشجاعة في وجه استبداد طالت إقامته فوق صدره، وأمعن في اضطهاده تشريداً واعتقالاً وقتلاً، لأنه انتفض بعد نحو نصف قرن صارخاً في جلاده: كفى. نرى ذلك فنقرر ـ ونظن أنه قرار عبقري وحكيم ـ أن “ننأى بأنفسنا”، أي: “لم سمعنا، لم رأينا، لم حضرنا”. (بالعامية).

    ويهون “النأي بالنفس” عندما نجد ـ يا للعار ـ نفراً ـ غير قليل ـ من شعبنا يبرر الإستبداد والاضطهاد ويبارك نضال “الشبيحة” للقضاء، على “الفتنة” التي ينخرط فيها شعب بأكثريته الساحقة، لأغراض أنانية وانتهازية ستبدو ـ ولو بعد حين ـ كم هي صغيرة وتافهة ومهينة.

    وماذا يعني هذا “اللبنان” إن “نأى بنفسه” عن انتفاضة الشعوب وهديرها الرائع “الشعب يريد”.

    متى كانت الشعوب العربية “تريد”؟ فمنذ استقلالات كيانات المنطقة سقطت كلمة “أراد” وكل أشكال تصريفها من قاموس شعوب هذه المنطقة. الحاكم هو الذي يريد له ولشعبه، ولا يحق لأحد أن يريد شيئاً آخر. “إنت بتفصّل ونحنا بنلبس … يا سيدنا”.

    وها هي شعوب منطقتنا، بعد موتها أكثر من نصف قرن، تُبعث حية ويدوّي هتافها، وسط دهشة العالم وانبهاره: “الشعب يريد”.

    ثمة من لا يميز ـ والأصح لا يريد أن يميز، بين التدخل في الشأن السوري الداخلي بكل أشكاله، وهو أمر لا تطلبه الثورة السورية أساساً، وبين حرية إبداء الرأي وأخلاقية مطالبة الآخر باحترام حقوق الإنسان وحقوق الشعوب، بحجج واهية لا تصمد أمام منطق حتى وإن أحيط مجرد لفظها بالمهابة والقداسة كـ”الممانعة” و”المقاومة”، متجاهلين ان هذه المصطلحات تكتسب قيمتها من الفعل والممارسة، لا من التنظير لها فحسب، كما يفعل الرئيس الأسد. وماذا تعني “الممانعة” و”المقاومة” إذا كان الحاكم المعني لم يطلق رصاصة واحدة لا من “جيشه” ولا من “رجال مقاومته” على العدو طوال نحو أربعة عقود متصلة؟ وهل تُغفر له كل خطاياه لمجرد أنه يدير “مناوشات” بالواسطة، ويساعد، لأهداف متنوعة، قوى أخرى، من غير شعبه وجيشه، على “المقاومة” لأهداف متعددة أيضاً؟

    وهنا، نفتح قوسين لنصارح الأخوة في “حزب الله”: انتم تهدرون حرية الشعب السوري وديموقراطيته وتطوره وقوت يومه وتقايضون كفاحه البطولي ودماءه السخية بطريق مرور للأسلحة التي تراكمونها لأغراض نبيلة ـ هذا صحيح. ولكن أيضاً لأغراض أخرى لم تعد سراً ولا تخفى على أحد: توسيع نفوذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحماية أطماعها “الإمبراطورية” في الخليج والمشرق العربيين. ولماذا يحق لنا أن نهتف، بإباء وشمم: “هيهات منا الذلة” ولا نصغي لشعب طالما أهين، يهتف من أعماقه: “الشعب السوري ما بينذل”؟

    وبكلمة واحدة: ماذا يفيد أن نربح “المقاومة” ويخسر الشعب السوري حريته وكرامته ومستقبله؟ ثم، مَن يجروء على القول إن حكم الأربعين عاماً المنصرمة أحرص على القضية العربية والمقاومة الفعلية لتحرير الجولان وفلسطين من حكم يعكس إرادة الشعب السوري الحرة؟

    ولست ـ على أي حال ـ من القائلين بأن نبل الهدف يبرر وضاعة الوسيلة. فهذه مثل الهدف ينبغي أن تكون شريفة ونبيلة. وطهارة السلاح جزء لا يتجزأ من قداسة الهدف.

    أما الإدعاء بأن الثورة السورية “مؤامرة” و”فتنة” تنفذ لحساب أميركا والصهيونية، فهو زعم مهين لكفاح الشعب السوري وتواطوء مشين على حقه في الحياة الحرة وفي التنمية والتطور والعيش الكريم، بعد طول صبر. وأية قوة خارجية تستطيع أن تحرك ملايين السوريين في كل مدنهم وبلداتهم وقراهم ليقابلوا الدبابات وعصابات القتل بصدور عارية هاتفين بإصرار: سلمية، سلمية؟ ومن أجل أية “مؤامرة” يقدّم الشعب السوري هذه التضحيات ودماء خيرة شبابه؟ وإذا صح الإدعاء فكم كانت تلك القوة الخارجية المحركة غاشمة ومقصرة ومدانة إذ تقاعست وهدرت حقوق الشعب السوري طوال أربعين سنة خلت، فيما كان بإمكانها إنقاذه منذ زمن بعيد.

    وليس أكثر افتراء من إدعاء “المؤامرة” غير إدعاء “الشرعية” لهذا النظام الذي قام على “شرعية” مفبركة لا يعترف بها عقل ومنطق: مات الرئيس الأب الذي هيأ الحكم لابنه الشاب الذي تخرج من الجامعة وأصبح في ليلة ـ دون أي خبرة أو تمرس أو تجربة ـ رئيساً لجمهورية بحجم سوريا، وقائداً عاماً للجيش والقوات المسلحة برتبة فريق، وأميناً عاماً لحزب “عقائدي” (وقد اضطر مجلس الشعب إلى خفض سن الرئاسة من 40 عاماً إلى 34 عاماً لتمكين بشار من خلافة أبيه)! فأية “شرعية” يدعي هذا النظام؟ وأية شرعية يدعي حكم الثلاثين عاماً للرئيس الأب الراحل، ودساتير العالم لا تجيز أكثر من ولايتين متصلتين؟

    ثم، أليس لافتاً قول الرئيس الشاب، وهو يخاطب الجيش السوري والعالم ـ بما في ذلك إسرائيل، في مناسبة مرور 66 عاماً على تأسيسه انه سيستمر في النضال من أجل “إحلال السلام العادل والشامل وفق قرارات الشرعية الدولية … “. وفي الوقت نفسه يصدر أوامره كقائد أعلى للجيش، باجتياح المدن والأرياف السورية واعتقال وتشريد وقتل الآلاف من أبناء شعبه؟ أمن أجل هذه “الرسالة الخالدة” بنى ـ وقبله والده الرئيس الموّرث، الجيش السوري طوال عقود أربعة؟

    وعلى سبيل الفكاهة ـ ربما ـ يخاطب الرئيس جنوده: ان “أبناء الرجال الذين صنعوا تشرين التحرير يعرفون كيف يشقون الطريق إلى تشرين جديد…” (خطاب الرئيس الأسد ـ وكالة “سانا” للأنباء 10/8/2011). إن أبناء رجال تشرين ـ يا سيادة الرئيس ـ بلغوا الآن الأربعين من العمر، وإذا كانت “المقاومة” السياسية والديبلوماسية لاستعادة الجولان ستستغرق أيضاً عدة أعوام أخرى، فإن عليك أن تعد الأحفاد لهذه المهمة النبيلة. هذا للتذكير فقط.

    وأخيراً، ليس مطلوباً من اللبنانيين أكثر مما يعترف به دعاة النظام السوري ونائب رئيسه بالذات. فعضو مجلس الشعب وأحد الدعاة البارزين للنظام محمد حبش، قال في اللقاء التشاوري الذي عقد يومي 10 و 11 تموز الماضي في دمشق بدعوة من الرئيس الأسد وبرئاسة نائبه فاروق الشرع: إن الشعب يعاني “الظلم والقهر والقمع وممارسة دور الدولة الأمنية. “كنا دوماً غاضبين من الأسلوب الذي يدار به البلد بالشأن الداخلي من تحكم القبضة الأمنية وممارسة القمع في الفكر والتعبير وغياب الحريات”. “ان المواطن يؤخذ كما يؤخذ كيس البطاطا من دون أن يعرف أين هو …”. وطالب حبش بـ “إنهاء الدولة الأمنية … والعمل من أجل دولة مدنية متحضرة تعددية وحريات إعلامية وإلغاء سيطرة الحزب الواحد”. (جريدة “السفير” 11/7/2011، ص 1 و 14).

    أما نائب الرئيس فاروق الشرع فقد قال في كلمة افتتاح اللقاء نفسه: إن هدف هذا اللقاء التشاوري الدعوة إلى “مؤتمر شامل يعلن فيه انتقال سوريا إلى دولة تعددية ديموقراطية” (المصدر نفسه). فهل يحتاج اللبنانيون إلى “شهادات” أفصح وأوضح من أهل النظام السوري، كي يلتزموا الشرائع الدولية لحقوق الإنسان والشعوب، قبل أن يفقد لبنان دوره ورسالته… أي مبرر وجوده؟

    محمود سويد
    جريدة النهار
    18.08.2011

    Leave a Reply