• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    من ثقافة الإحتماء بالدم الى ثقافة حمايته

    لا ينبغي لحفلة الجنون في غزة، المسماة حماسياً ملحمة بطولية واسرائيلياً إجراء دفاعياً عن النفس، ان تنتهي الى خلاصات سياسية وعسكرية وحسب.

    غزة وهول موتها ودمارها هي اقرب ما تكون الى لحظة لإعادة إنتاج القيم في منطقتنا العربية على نحو ما تعيد الاحداث التاريخية الكبرى إنتاج القيم وتصويب الاخلاق.

    حتى غزة كانت فكرة المقاومة فكرة مطلقة لا معيار مادياً لها ولا محرض مادياً عليها. فلا تحرير الارض، وغزة وجنوب لبنان قبلها كانا محررين، يلغي مفاعيلها.

    ولا تقدير توازن القوى و “ظروف” المعركة توهن من همة مريديها. هي نمط حياة اشبه ما يكون طريقة تصوف لا تكتسب جديتها وعلو شأنها الى بقدر ما تنفصل عن الواقع ومادته وشروطه. هكذا يصير كل ما يتصل بالمقاومة من افكار حول التــضــحــيــة والــصــمــود والكرامة والشهادة والمدنيين مجرد معطيات لتأكيد الانفصال عن الواقع. وبسبب هذا وحده يستطيع قادة “حماس” اليوم ان يعلنوا للناس ان نيفاً واربعين من مقاتلي الحركة زفوا الى رحاب الجنة، وأن هذا اقل بكثير مما نزل بالعدو من خسائر. كيف لا وهو العدو الذي لم يفعل “سوى قتل المدنيين والابرياء” على ما جاء على لسان “شيخ” هذه الطريقة السيد خالد مشعل.

    “سوى” يقول مشعل، ونكاد ننسى ان هذه “السوى” جاوزت الفاً وثلاثمئة ضحية والاف الجرحى والمعوقين وفاقدي الاطراف والأبصار والاحبة والمستقبل والماضي…

    فأن لا تستطيع اسرائيل فعل “سوى” ذلك هو الدليل القاطع الذي يرفعه الشيخ خالد علماً ومصداقاً على نهجه وطريقته وإنتصاره المحتوم. قبله وفي خضم الموت والجنون والدمار في غزة ثمة من ذكره بأن أصمد. فقانا الأولى غيرت المعادلة وقانا الثانية غيرت المعادلة.

    هذه ثقافة تحتمي بالدم بدل ان تحميه. لا تقبل تغيير معادلتها ليُحقن الدم بل تراهن على جريانه لتغيير معادلات الاخرين. هذه ثقافة أبطالها باذلو أنفس أو داعون ومبررون لبذلها. هذه ثقافة تقول تتمتها إن بعض الموت أفضل من الحياة وأن بعض الموت طريق حياة في تذاكٍ مفضوحٍ وممجوج. هذه ثقافة تقول إن إنتصار الضحية يكون بمضاعفة موتها وتكبيره وتكراره. أننا كلما صرنا أكثر موتاً يقترب العالم من أن يكون أكثر عدلاً. أوليس هؤلاء هم القائلون إن دم فلان “صار لعنة تلاحق العدو” في استعادة جامحة لمنطق قبائل الأدغال الإفريقية التي بدمها تلعن دم العدو؟

    هذه ثقافة تقول إن دون الإنتصار الحاسم (فهي دائماً منتصرة لكن الإنتصار الحاسم شيء آخر) بعض العوامل الاجرائية فقط، كأن تقرر المملكة العربية السعودية قطع النفط عن العالم. وهل ايسر من ذلك؟! أو أن تفتح مصر حدودها بإتجاه القاهرة للهاربين من الموت وفي إتجاه غزة للذاهبين اليه. وهل ايسر من ذلك؟! أو أن يدخل لبنان بذخيرة إلهية على خط المواجهة فيستوي دماره بدمار القطاع ونثبت أن غزة ليست وحدها في العالم. وهل ايسر من ذلك؟!

    أما إيران، فهي والحمد لله، ودوام الظل لقائدها، قد اطالت السجود دعاء بالنصر وتثبيت الأقدام، وأما قطر ففتحت كل جبهات استديواتها لحناجر الممانعين وأما سوريا فأرغت وأزبدت وهي تهدد العالم بجبهات المقاومة المفتوحة سلفاً خارج الاراضي السورية. وهل من أمر اشد على النفس من ذلك؟!

    هذه ثقافة ينبغي ان تتغير قيمها.

    فالمقاومة ليست قيمة مطلقة بحد ذاتها، بل تكتسب إيجابيتها من مدى ارتباطها بمشروع سياسي أفقه الإنسان ودنياه وتحسين شروط عيشه وتواصله مع الآخرين، لا بإرتبطها بمشروع غيبي أفقه تحسين شروط الموت ومآلات الآخرة. فالمقاومة اداة في مشروع إسمه الانسان وحقه في حياة أفضل وليست مشروعاً بحد ذاته.

    والبطل إذذاك ليس من ينتهي الى إحصاء بضعة قتلى بين أشلاء الوفنا قبل ان يعلن إنتصاراً لا يسشتعره الا الراسخون في فقه الموت.

    ثم ينبغي لنا ان نحسم مرة واحدة والى الابد ان اي حياة اسمى من كل موت. فقيمة الإنسان ترتبط بوجوده اولاً وبقدرته على تطوير ظروف هذا الوجود.

    ما تفضيل موت على حياة الا اقرار بعجز العقل وقدرة النفس الانسانية على إجتراح الافضل، وإقرار بهزيمة الإنسان. هذه ورشة في الثقافة والدين والفقه والاجتماع لا ينبغي أن تتأخر أكثر.

    وفي الختام لا يعوزنا كل هذا الدم لنثبت ما نعرفه ان العالم غير عادل وأن السياسات تمليها المصالح وأن الحرب تقتل وأن الأعداء حين يتواجهون في ميادين الموت لا يقيمون وزناً للتناسب بين القوى والضربات والردود عليها، كيف إذا كان كل من طرفي معادلة العداء يجهر برغبته في إزالة الآخر من الوجود؟ وعليه آن لنا أن ننخرط في ورشة جدية لدراسة الكيفيات التي بها تدار هذه المصالح ولكيفية أن نكون على تماس مع مصالح العالم وان نسعى لشبك هذه المصالح وتعقيدها اكثر ما أوتينا الى ذلك سبيلا.

    عندها فقط يمكن مجتمعاتنا ان تكون أمام فرصة حقيقية لحياة افضل وان يكون الانسان هو معيار السياسة الاول في تقرير مآلات النجاح والفشل وهذه مما جُرب ونجح في العالم من حولنا تماماً كما جُرب ما يقترحه علينا اليوم شيوخ التصوف المقاوم. فآن لنا الآن ان نكف عن إختراع النار وأن ننصرف بدل ذلك الى تطوير وصفات الطبخ.

    نديم قطيش
    جريدة النهار
    24.01.2009

    Leave a Reply