• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    نسيب لحود

    عاد نسيب لحّود الى لبنان بعد غيبة طويلة فرضها عليه المرض. لم يجد نسيب لحود عقدة في الحديث عن انه كان مصابا بـ”السرطان”. في ذلك شجاعة يفترض ان تدفع باللبنانيين الى الاعتراف بالمرض، اي مرض يصابون به. كم هي كثيرة امراض اللبنانيين وكم هم كثر الذين يرفضون الاعتراف بالمرض. فالاعتراف بالمرض خطوة اولى على طريق مواجهته بدل الهرب منه. انها شفافية نسيب لحّود التي لم تفارقه يوما والتي حملته على الامتناع عن تنفيذ اي مشروع في لبنان، على الرغم من ان شركته كانت بين افضل من ينفّذ مشاريع مرتبطة بانتاج الطاقة الكهربائية في المنطقة العربية كلها. فعل ذلك منذ اليوم الاوّل الذي تولى فيه منصبا رسميا كسفير للبنان في الولايات المتحدة مطلع التسعينات.

    قلائل هم السياسيون اللبنانيون الذين يمكن مقارنتهم بنسيب لحود. ربما كان الوحيد الذي تصلح اي مقارنة بينه وبين نسيب لحّود هو العميد ريمون اده، رحمه الله. كان ريمون اده سياسيا استثنائيا بكل معنى الكلمة ليس بسبب ترفعه عن الماديات ونظافة كفه ورفضه ان يكون تابعا لاحد فحسب، بل بسبب بعد نظره السياسي ايضا.

    كان ريمون اده السياسي اللبناني الوحيد الذي وقف فعلا في وجه توقيع اتفاق القاهرة في العام 1969. كان السياسي الوحيد الذي ادرك باكرا ما سيترتب على لبنان في حال توقيع الاتفاق المشؤوم الذي جرّ ولا يزال يجرّ الويلات على الوطن الصغير نظرا الى انه يسمح بجعل جزء من الارض اللبنانية خارج سلطة الدولة وسيادتها. وضع اتفاق القاهرة، الذي أجبر العرب لبنان على توقيعه بغية التغطية على هزيمتهم في العام 1967 ، ألاساس لـ”الجزر الامنية” التي لا يزال لبنان يعاني منها حتى يومنا هذا. اساء اللبنانيون الى ريمون اده وما زالوا يجهلون ما قدّمه للبنان، مثل ما زالوا يسيئون لنسيب لحود الذي لعب دورا اساسيا في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف في العام 1989، خصوصا لجهة دفع المسيحيين الى المشاركة في الحياة السياسية.

    لعب نسيب لحود دوره في تكريس السلم الاهلي وجعل العيش المشترك صيغة مقبولة على الصعيد اللبناني ككل. مارس ذلك بالافعال والممارسة اليومية وليس بمجرد الكلام كما يفعل غيره بعيدا عن اي تمنين وشعارات فارغة يرفعها المتزلفون والطائفيون الذين يتقنون فنون العمالة والزحف والتملق والتعصب الديني بكل اشكاله.

    نسيب لحّود رجل عربي، لبناني، شريف، نظيف. لم يكن اضطراره الى الابتعاد عن الاضواء عائدا الى المرض فحسب، بل الى سوء تقدير اللبنانيين والعرب له ايضا. ربما كان ذلك عائدا الى ان النجاح السياسي في لبنان مرتبط بالكذب، فيما النجاح لاي سياسي لبناني في العالم العربي، باستثناء قليلين لا يتجاوز عددهم عدد اصابع اليد، مرتبط بالنفاق والكذب والتحايل في معظم الاحيان، خصوصا عندما يتعلّق الامر بالنظام السوري الذي لا يستطيع التعاطي الاّ مع العملاء. بالنسبة الى هذا النظام، كل الناس عملاء. كل السياسيين اللبنانيين وغير اللبنانيين عملاء. الفارق هو بين عميل مع وعميل ضدّ.

    من هذا المنطلق، كان طبيعيا ان يختار النظام السوري اميل لحّود رئيسا في العام 1998 وان يمدّد له ولايته وان يكون حليفه في السنة 2011 شخص مثل النائب المسيحي ميشال عون. ما الذي يجمع بين اميل لحود وميشال عون غير القدرة على الخضوع والتزلف… فضلا عن الجهل والجهالة طبعا؟

    لا قدرة لدى هذا النظام السوري على التعاطي مع الاحرار الذين يقولون كلمة صادقة. ولذلك ايضا، ليس غريبا ان يحل بهذا النظام ما حلّ به. انه نظام عاجز عن التعامل مع الشرفاء الذين يقولون له الحقيقة كما هي ولا شيء غير الحقيقة. انه نظام لا يستطيع التعامل الاّ مع العملاء. انه نظام عاجز عن التعاطي مع اي سياسي لبناني يمتلك حدّا ادنى من الحيثية والكرامة بدءا بكمال جنبلاط وصولا الى رفيق الحريري وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني ووليد عيدو وبيار امين الجميّل وانطوان غانم مرورا بالمفتي حسن خالد وبشير الجميل ورينيه معوّض وكثيرين آخرين…

    يعود نسيب لحود الى لبنان بعد غيبة طويلة في باريس. يعود الى لبنان، كما غادره، رجلا ليس كبقية الرجال وسياسيا ليس كبقية السياسيين. يعود الى لبنان كما كان دائما سياسيا حرّا يشرّف لبنان ويشرّف كلّ عربي من المحيط الى الخليج. يكفيه انه لم يتزلف لاحد. عارض حكومات رفيق الحريري عندما كان يجد ان عليه ان يعارضها وذلك من منطلق علمي اقتصادي وبلغة الارقام. ردّ عليه المسؤولون وقتذاك بالطريقة العلمية نفسها. رفع ذلك من مستوى النقاش السياسي والاقتصادي في لبنان.

    المؤسف ان لبنان لم يستفد من نسيب لحّود. كانت الخسارة للبنان اوّلا. الخسارة لا تعوّض. كذلك كانت الخسارة عربية. اما بالنسبة الى النظام السوري، فان خسائره لا تحصى بسبب رفضه التعاطي مع اللبنانيين الشرفاء حقّا. خسر لبنان قبل ان تخسر سوريا. مثلما لم يعرف هذا النظام التعاطي مع ريمون اده في السبعينات من القرن الماضي، لم يدرك في الوقت المناسب ان خلاصه كان في التعاطي مع سياسيين في مستوى نسيب لحّود في التسعينات والعقد الاول من القرن الواحد والعشرين. لم يدرك هذا الامر ولن يدركه يوما… ربّما سيدركه بعد فوات الاون!

    خيرالله خيرالله
    جريدة المستقبل
    15.08.2011

    Leave a Reply