• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    كلّ ما بقي لنا

    مبروك عليكم الشارع يا أشدّاء. ماذا الآن؟ هل ستطلقون عليه لقب «عرين الأسد في بيروت»؟ مضحكون فعلاً. لكنني، رغم طرافتكم المسلية، لا ارغب بمخاطبتكم الآن. أود في هذه اللحظة، أن اكلّم حبيبتي الحمراء، الحضن الذي كنت أركن إليه كلما استأت من الحياة. أريد أن اطمئن على درجات الدومتكس، خزان ذكرياتي. حين اخبرني نبيل انه طورد وضرب عند الدومتكس، انقطع وتر في قلبي. أحسست وكأنني اركض حافية القدمين على زجاج مكسور. وكأن آلاتٍ حادة تنخر قلبي وحنجرتي وقدميّ. تلك الدرجات تذكرني بكل ما هو جميل في حياتي. بأصدقائي، بعمر وإبراهيم وسعد ومحمد وسارة ونرمين وباسكال. بالليالي التي كنا نقضيها على هذه العتبات انتقاماً من ضيق مساحات المدينة. بالأوقات التي كنا نمضيها هناك «بلا ولا شي»، لنفرغ ما في قلوبنا لبعضنا البعض.

    منذ أخبرني نبيل بما حصل معه، لا يلمع في ذهني سوى صورة الدم والرعب والترهيب. بت مسكونة بخوفي على أصدقائي من العصي التي طاردتهم ليل الثلاثاء الماضي. لم يعد المكان مكاننا. لم أتصور أبداً، يا حمرائي، أن أخاطبك بهذا الحزن. لم اعتقد يوماً، أن الخلايا المريضة المعششة في ثناياك، ستتمكن منك ومن أمن روادك. اخبرني محمد أنهم باتوا يتحاشون الخروج إليك ليلاً بعد الذي حصل. كيف تتعايشين مع غياب أحبائك؟ أعتذر لأنني لم أكن معك ومعهم. أعتذر لأنني لم أصنك، لم أطع أنسي الذي أوصانا، نحن «جدد الحمرا»، بأن «نتدفق إليها كالسيل والنحل».. لأنها «وطن».

    اعتذر، عني وعمنّ شهروا سكاكينهم على أبنائك. صدقيني، هم لا يفهمون حجم الويل الذي اقترفوه. أعتذر لأنني لست هناك لأرافق هبة إلى حيث تسكن في شارع المقدسي، محاطة بالأقوياء الذين يفترشون الشارع تحت ناظري سناء محيدلي. أتساءل عن رأيها بعروض القوة التي يقدمونها يومياً تحت صورتها.

    أخبرتني إحدى صديقاتي، التي تعرفينها جيداً، أن ثمة من كان يصوّر المتظاهرين أمام السفارة ليسهل التعرف عليهم في المرات القادمة. وأخبرني آخرون بأن البعض سجّل أرقام السيارات حين وصلت لتقل الجرحى إلى المستشفى. ما حاجتهم للصور وأرقام السيارات؟ ماذا يخططون يا ترى؟ تركيب «حواجز طيارة» للتأكد من أن جميع الداخلين والخارجين قد طبعوا وشم بشار الأسد على زنودهم؟

    أنت تعلمين يا حبيبتي انك أول ما زرت في آخر عطلة لي في لبنان. كنتِ محطتي الأولى حينها وستكونين كذلك عندما أعود قريبا. لكنني هذه المرة، أترقب لقاءك بخوف. أخاف مما سأراه في عينيك، من التشوّه الذي ستحاولين ستره بأضوائك والألوان وبظرافة بائعي الورد الذين يزينون أحياءك. أخاف من مواجهة الجرح الذي ينزف من جنبك. لن أجهز يوماً لرؤية نزيفك، أحاول أن ادفع باللحظة إلى الأمام علّها تصل إلى الروشة وتتعثر بالصخرة، فتغرق في المتوسط.

    لم أكن انوي الكتابة إليك، لكنني الآن أتألم. أتألم لأن ليس في يدي ولا في يد أحد منا، سوى الكلام، سوى الإمعان في فضح ما هو مفضوح. نتكلم، لأننا يا رفيقتي لا نحسن حمل السكاكين خارج مطابخ بيوتنا. نفضل الجلوس على الكراسي لنتحاور بعقولنا عوض استخدامها لضرب من لا نوافقه الرأي. نحن منك ومثلك، لا تليق بنا الزعرنات. نستمع للجميع، ونحضن بعضنا. نفاخر بتنوعنا وندافع عنه.

    أما انتم فهنيئاً لكم ما تجهدون للحفاظ عليه من رجولة مفترضة ومتخَيلة. تمتعوا بها فيما تدوم. ستدوم طالما تحرسونها بسكاكينكم. وعلى فكرة، لن يسقط نظام بشار الأسد على أيدي المتظاهرين في بيروت. سيسقطه الشعب السوري وحده، إن أراد. لذا وفروا جهودكم. لن يسقط لا على يد غسان الذي هشّمتم وركه، ولا على يد نبيل الذي أدميتم عينه.

    كنت أظن انك يا حبيبتي، منزهة عن عنف الميليشيات. أن أحداً لن يجرّ معارك إثبات وجوده إلى قلبك النابض، لأنه قلب طيب ويسعنا جميعاً. أن أحداً لن يقوى على ذر رماده في عينيك الجميلتين البراقتين، لأنهما تعكسان تنوع مجتمعنا وتوقه للثقافة والجمال. أن طرفاً لن يمسّك، لأنك رمز هذه العاصمة ومنارتها وملجأ شبابها على تنوع أذواقهم، ولأنك ممسكة بقلوبنا جميعاً، ولأنك نقطة ضعف جماعية. لعلي كنت ساذجة لأعتقد أن أحداً لن «يطاوعه» قلبه على هز جوّك الآمن والحاضن لكل المطالب المدنية والإنسانية في لبنان. لعل جهاد كان محقاً فعلاً حين وصفنا بالسذج. اعذري سذاجتنا. لكن أرجوك، لا تغمضي عينيك ولا تكتّفي ذراعيك، فأنا اركض نحوك. كلنا نركض نحوك… لأنك كل ما بقي لنا.

    ناي الراعي
    جريدة السفير
    09.08.2011

    Leave a Reply