• Home
  • About Us
  • Events
  • Blogging Renewal
  • In the Media
  • Tajaddod Press Room
  • The Library
  •  

    ماكينة” النظام”

    لا، يا سيادة الرئيس، الفتنة لم توأد في سوريا. انها تكبر على وقع فرقعة الرصاص، ويشتد عودها عندما تغتسل بحمام الدم اليومي، وتستيقظ من غيبوبتها بفعل الصدمات، وتكون وعياً جديداً عندما يعاد فتح جروح الماضي وتستعاد الذكريات المؤلمة.

    بعد الذي جرى في درعا وحمص وجسر الشغور وبلغ ذروته الاحد في حماه الجريحة، سوريا أمام مرحلة جديدة مروّعة. سقط امس اي امل في التوصل الى تسوية تاريخية تنقذ قلب بلاد الشام من شر يتربص بها. أسقط النظام آخر اوراق الحل عندما قرر الذهاب في الحل الامني الى النهاية قتلاً وسجناً واهانة. ومع كل نقطة دم تسقط تتسع دائرة الحقد والضغينة الى درجة يصير معها من الصعب ان نتخيّل حاكماً يستطيع التعايش مع شعبه مستقبلاً ولو تمكن من إحكام الطوق والحصار عليه سنة او سنتين. فكيف يمكن ابن قتيل ان يعيش مع ابن قاتل والده في بيئة واحدة ولو طال الزمن؟ فها هي الانتفاضة المتجددة لحماه قبل محاولة اخمادها الاحد تحكي هذه الحكاية!

    يصر المتظاهرون حتى الآن على ان احتجاجهم سلمي وانهم سيواجهون الرصاص بالصدور العارية وانهم لن ينجروا خلف دعوات التطرّف. وفي المقابل، يرفض النظام تقديم الحد الادنى من التنازلات التي تعفي سوريا من عبء المواجهة والانقسام على نفسها. تركيبته الامنية والايديولوجية لا تسمح له بالمرونة. وهو يرى ان اي تنازل سيجر الى تنازلات، وكل تنازل من شأنه ان يفتح ثغرة في جدار النظام، الامر الذي قد يؤدي الى سقوطه عاجلاً ام آجلاً. لذا عوض الدخول في اصلاح جدي فضّل الاستعانة بأوراقه القوية: اجهزة القمع الامني والترسانة العسكرية، والاتكاء على التفاف شعبي لا يستهان به حوله ليس حباً به بل خوفاً من فزاعة “البديل” التي لم يثبت احد حقيقتها.

    ولكن مع التمادي في عدم الرحمة والاجحاف والظلم يخفت صوت الاعتدال ويعلو صراخ التشدد، وتتسع دائرة الخيارات العنفية عندما تقفل ابواب التغيير بالوسائل الديموقراطية. وهذا ربما ما ينتظره صقور النظام لتأكيد روايتهم عن “المؤامرة المسلحة الخبيثة المتربصة بسوريا المقاومة”، ولان تعاملهم مع المسلحين والحالات الامنية أسهل واقل خطراً من مواجهة الانتفاضة السلمية.

    سوريا تغرق في الدم، واقتصادها يتدهور، وعزلتها تزداد، والآتي اعظم. والنظام قد يظن ان في وسعه تجاوز هذا الاختبار الصعب، وربما استطاع تجاوزه الى حين. لكنه، على ما يبدو، نسي ان الماكينة (السياسية والاقتصادية والعقائدية والاخلاقية) التي يقودها هي من طراز خمسينات القرن الماضي، وعلى قوة “حديدها” لم يعد ممكناً السير بها في طرق عالم القرن الحادي والعشرين.

    أمين قمورية
    جريدة النهار
    02.08.2011

    Leave a Reply